قُلْ لي كم لدينا من الديمقراطيين أقل لك كم لدينا من الديمقراطية!

حجم الخط
0

جواد البشيتي

لماذا لا يأخذ مجتمعنا بالجوهري والأساسي من الخيار الديمقراطي، في تطوره السياسي والاجتماعي والثقافي، كما أخذت به، من قبل، المجتمعات الغربية؟ إذا ما أردنا إجابة تنطوي علي نصف الحقيقة فحسب فإننا يمكن أن نفسِّر ما نعانيه من فقر ديمقراطي مدقع علي أنه نتاج مصالح فئوية ضيقة لمن يتولي أمر حُكمنا، فالحكومة، ومهما تظاهرت بالحرص علي نقل مجتمعنا إلي الحياة الديمقراطية، بأوجهها كافة أو ببعض أوجهها، هي التي تقف بطرائق وأساليب شتي ضد التطور الديمقراطي لمجتمعنا. أما لو أردنا الحقيقة كاملة في إجابتنا عن ذاك السؤال لقلنا إن مجتمعنا ذاته قد جُبِل علي كل ما هو منافٍ للديمقراطية من قيم ومبادئ وطرائق عيش وتفكير، فالمعجزة بعينها أن تبتني مجتمعا ديمقراطيا حرا لا وجود فيه يُذْكَر للديمقراطيين والأحرار، فابتناء مجتمع كهذا إنما يشبه ابتناء مجتمع إسلامي في اليابان مثلا!

إنها الحقيقة المرة الأولي أن نقول إن عدد الديمقراطيين والأحرار في مجتمعنا من الضآلة بمكان؛ ولن يكون ممكنا، بالتالي، أن تغرس الديمقراطية حيث لا وجود إلا لعدد ضئيل جدا من الديمقراطيين الحقيقيين.

ولا شك في أن العواقب المترتبة علي إطاحة نظام حكم عربي ديكتاتوري واستبدادي ستضطرنا إلي الإقرار بتلك الحقيقة، فالمجتمع الذي تحرَّر علي حين غرة من قبضة نظام حكم كهذا يمكن أن تتفجر تناقضاته الداخلية، التي ظلت زمنا طويلا مسيطَرا عليه بقوي القمع، فيقع، أو يوقع نفسه، في حرب الكل ضد الكل، التي فيها يتحول “الآخر”، بكل أشكاله وصوره، إلي عدو لدود. أما إذا دُعي هذا المجتمع إلي الأخذ بالخيار الانتخابي، الذي تشبه علاقته بالديمقراطية علاقة الشكل بالمضمون، فقد تكون العاقبة هي “الفوضي البناءة” في مثالها العراقي، وجعل “الديمقراطية” طريقا إلي هيمنة إمبريالية، وإلي إظهار وتعزيز كل عصبية منافية، قلبا وقالبا، للديمقراطية، وممزِّقة لوحدة المجتمع.

الديمقراطية يمكن ويجب أن تكون “الحل”؛ ولكنها لن تكون كذلك إلا إذا استوفي قيامها شرطه الأولي، وهو “المرحلة الانتقالية”، التي فيها يصبح ممكنا زيادة عدد الديمقراطيين في المجتمع، وتغليب الميل الديمقراطي لديه علي ما عداه من ميول. في هذه المرحلة فحسب، تتهيأ للمجتمع أسباب التطور الديمقراطي، فيتغلَّب علي كل انقسام أو صراع داخلي يتعارض بطبيعته ومنطقه ووسائله وأساليبه مع قيم ومبادئ الديمقراطية، ولا يذهب إلي انتخابات عامة قبل إنجازه تطورا ديمقراطيا يسمح لتلك الانتخابات بأن تأتي بنتائج تأتي بمزيد من التطور الديمقراطي.

الديمقراطية تحتاج إلي مرحلة انتقالية تتحول فيها، مع قيمها ومبادئها الأساسية، إلي نمط حياة وتفكير لدي القسم الأكبر من المواطنين، وإلي “مولِّد” لـ “الآخر” بكل أشكاله وصوره، وإلي “منظِّم” للعلاقة معه.

في المرحلة الانتقالية، يختبر ويمارس المواطنون، أفرادا وجماعات، حقوقهم الديمقراطية كافة، وتُرْفع القيود عن “السؤال” و”الجواب”، فلا سؤال، أو جوابا، محرَّما؛ وتُرْفع، أيضا، عن الحق في حرية التعبير عن الرأي في أي شأن ومجال، وعن الحق في نشر الرأي الآخر، واجتذاب العقول والقلوب إليه. الديمقراطية هي “الحل”؛ لأنها القوة التي تؤسس لمجتمع تجتمع فيه مقدرة التفسير ومقدرة التغيير. وليس من تغيير شرعي سوي التغيير الذي تأتي به الوسائل والأساليب الديمقراطية، والذي لا يذهب بالديمقراطية ذاتها، فالديمقراطية هي وسيلة التغيير وهدفه في الوقت نفسه.

ہ كاتب ومحلل سياسي فلسطيني ـ الاردن8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية