كأنك ريح تحن لعناد الزيزفون

حجم الخط
0

صعد إلى الحافلة مسرعا ثم نزل منها قلقا،ووجه ناظريه إلى مقدمتها. اكتشف أن رقمها33. الحافلة التي تقله إلى حيه السكني تحمل رقم 26. ظهرت له صورته في مرآة الحافلة. وجهه ضامر وشعره مسرح بشكل مضحك. كان قد اعتاد على جعل شعره يتقهقر إلى الوراء كجيوش منهزمة. الآن لم يعد يفكر كثيرا قبل أن يخرج. لا يلمع حذاءولا يكوي أقمصته. لا يستمع لتحذيرات أمه. تخلى عن معطفه الذي يجعله لا يختلف كثيرا عن بوشكين أو تولوستوي.
أصبح يميل إلى الملابس الداكنة التي تخلو من أية إشارة. مرة حذره أستاذ الرياضيات من الاستمرار في ارتداء كنزته التي تحمل عبارةUSA .هذا حرام بنظره. هذا أمر غير مسموح به. تململ في جلسته وارتبك.تضاحك زملاء كثيرون. نظر إلى صدره. وجد تلك الحروف المذهبة. هي فعلاUSA .لم يكن قد انتبه إلى ذلك من قبل.تذكر أنه اشترى تلك الكنزة لأن اللون الأزرق كان يروقه وقتها.الآن لايحب أي لون. يفضل الألوان الداكنة.الألوان الأخرى تجعل أسنانه تصطك. توقظ الشماتات القديمة. تفقأ علب أحزانه.هو الآن يقتفي أثر الملابس ال’ SIMPLE ‘ كما يسميها.حينما يسأله الباعة عن ألوانه المفضلة يجيب في حزم’: بغيت شي حاجة SIMPLE ‘
يتطلع مرة أخرى إلى الحافلة. وجهه ممتقع، وغصة حارقة في حنجرته. قلبه يدق كجرس كنيسة في ميدان بميلانو. لاحظ أن الناس قاماتهم مائلة كأنهم أمروا بالاشرئباب بأعناقهم لمراقبة شيء ما.الناس لايكادون ينظرون إليه.من هو حتى ينظرون إليه؟هو نفسه كرر لنفسه أكثر من مرة أنه ربما قد يكون لا شيء..يفعل ذلك كثيرا حينما يجلس على ذلك الكرسي البلاستيكي في مرحاضه الضيق.يحكم إغلاق الباب ويستغرق في التفكير. يتذكر أمه دائما. تبدو له أنها تحبه أكثر مما يجب.امرأة عاطفية مستعدة للبكاء في أية لحظة. هو لا يكسر لها أي خاطر.أبوه نصحه بذلك. هي دائما على صواب. أبوه قال له يوما: لا تزعجها أبدا أما أنا فإنني أستطيع تحمل كل شيء. أبوك رجل من حديد. اكتسبت صلابة كرانيتية-هكذا قال- بعد أن جريت في متاهات الحياة.تذكر أنه فعلا جرى يوما ما حينما لم يجد ما يدفع به ثمن ثمن تذكرة حافلة تعود به إلى مدينتته.غافل زملاءه وجرى إلى أن أحس بأن قلبه سينقذف عبر فمه.هكذا حكى له.جرى فقط دون أن يلتفت إلى الوراء.لم يتعب أبدا.وديان العرق التي انسابت منه حولته الى عجل صغير ولدته أمه للتو..غطى رأسه بسروال قصير أخضر حتى يسلم من أذى الشمس.أعاد القصة أكثر من مرة حتى أنك أصبحت تتخيله كعدائي المسافات الطويلة. لكنه جرى كل تلك المسافة بملابسه كاملة.
من هو إذن حتى يعيره الآخرون انتباههم..انه يكاد يشبه سلحفاة برية.انه ليس بيل غيتس وليس براد بيت،أو حتى امرؤ القيس.انه مجرد رجل أخطأ حافلته.رجل متسرع. رجل يحث الخطى حينما يخرج الى متجر البقالة ويعود مسرعا حتى لا يضيع رأس الخيط في رواية مونيكا علي: ‘شارع بريك لين’ لقد دوخته مازنين.
لماذا لم ينظر إذن بتفحص إلى مقدمة الحافلة حيث يركن السائق تلك اللافتة الكئيبة؛ التي كتب عليها رقم ما،وأسماء أمكنة كثيرة.هكذا كان يفعل دوما. ماذا دهاه الآن؟
أخرج هاتفه النقال. لم بحدث أبدا أن وضع هاتفه النقال في جراب. هو يكره أن يفعل ذلك.بل يستهجن أن يفعل الآخرون ذلك.له حساسية مقرفة تجاه ذلك. فكر دائما بشتراء دراجة.مجرد دراجة هوائية لا أكثر ولا أقل،مادام قد أخطأ موعده مع حافلته.
كم أخطأ من المواعيد؟كم أتلف أيامه في انتظار أشياء قد تأتي وقد لا تأتي. وحينما تقترب منه يلوي عنقه كأشجار فاجأتها الرياح؟
دائما كان زملاؤه يتحدثون عن دراجةVTT’، وعن ‘الطرطار’ أو الدراجة النارية. هو لا قبل له بشتراء أي شيء.
يجدر برجل مثله أن يشتري سيارة .لكنه يمقت سيارات الـ’الأوكازيون’. هي سيارات ركبها أناس قبله. دخنوا سجائرهم الرديئة بداخلها. آخرون يحلو لهم افتضاض علب ‘البيرة’ بداخلها. وآخرون يفعلون أشياء أسوأ من ذلك كتزجية وقت حميمي مع خليلاتهن. سيارات إذن مليئة بالغواية. يقشعر بدنه حينما تدور بخلده أشياء كهذه .هه..سيارة مستعملة يكون قد تخلى عنها أشخاص كثر الى درجة أنها أصبحت تصلح لتركن أمام مبنى البلدية الآيل للسقوط..سيارة مستعملة لا تصلح له..هكذا صرح لزملائه. يفضل أن يشتري أي لعبة أطفال حمراء بعجلات سوداء على أن يشتري سيارة ضغطت على دواساتها أرجل مضغوطة في أحذية ضيقة غير ملمعة،ترتدي جوارب غير نظيفة تفوح منها رائحة نتنة.
طرد هاته الأفكار التي تشبه ذبابا جائعا من مخيلته الشائخة كأشجار الأرصفة التي تحولت إلى قطع ديكور تزين بها الشوارع.لا أحد يستطيع أن يجبره على شيء. أوداجه تنتفخ حينما يجد نفسه مستفزا .لا يطق ذلك أبدا. سرعان ما تضهر له النجوم أمامه مصطفة كبراغيث فوق فرو قط سائب.زمام الامور بيده .يستطيع أن يركب أي حافلة شاء.لكنه يريد أن يصل الى منزله.
الحافلة 26 تأخرت بشكل غير قابل للاحتمال الآن.
فكر أن يستقل حافلتين: الأولى تلفظه قرب ‘البارك سانتر’ والأخرى تحتمله (بدل أن تحمله) إلى حدود السوبر ماركت الجديد. أسواق السوبر ماركت أصبحت كالفطر. تنتشر بدون رائحة، وبدون آثار تعقب.
استقل الحافلة الأولى.من أين يأتي كل هؤلاء الناس؟ هكذا قال.
خمن أنهم مثله ضيعوا حافلتهم الرئيسية، وركبوا هاته الحافلة المتخمة كأنها كرش جزار. ملابسه التصقت بجسمه نتيجة العرق المنساب منه. من حين لآخر يتحسس جيوبه ويكشر كأنه سينقض على أحد ما.رجل في عقده الخامس فقد كيس التسوق. وضعه على كرسي كلافتات ‘مشغول’، وذهب إلى قطع تذكرته. الأمر أشبه بمشهد سينمائي مصري.عاد ليجد الكرسي شاغرا مثلما أراده.أحدهم قال أن اللص ليس صغير السن. ربما هو لص شيخ. ألا يشيخ اللصوص؟!
استقل الحافلة إذن. نظر إلى معصمه كأنه يتفقد ساعته. لكنه لا يحمل أية ساعة.انه لم يضع ساعة حقيقية في معصمه إلا حينما كان طفلا مدللا.كانت تستهويه الساعات الحمراء اللون. كان يريده أبوه دائما أن يضع ساعة قبل أن يغوص في سراديب المدرسة. كانت كل ساعاته من البلاستيك بعقارب ترفض التقدم نحو أوقات أخرى، فكان يقتطفها مثلما يقتطف ثمارا طازجة ويطوح بها في السماء، ثم حينما تبدو له تلك الساعة قد تحولت إلى شيء تافه يطوح بها هي الأخرى، وينتظر انتباه أبيه ذات يوم، ليشتري له ساعة أخرى.
نزل من الحافلة. استقل أخرى.لم تكن أسوأ من الأولى ولم تكن أحسن منها. الحافلات كلها متشابهة. اللصوص وحدهم سيتذمرون حينما سنحصل على حافلات حقيقية،قد يصبحون بدون وظائف ربا. ربما سيعتصمون أمام البرلمان مطالبين بإعادة الحافلات القديمة المزدحمة.
نزل يجر خطاه. من حسن حظه أن جيوبه لم يمسسها أحد.
فكر مرة أخرى: أن تركب حافلة وتترجل منها دون حوادث فهو أمر يستحق التنويه.قد يحكي ذلك لأمه. لم لا يفرح قلبها بسماع واحدة من حكاياته الساذجة؟ هي على الأقل تريد ذلك منه.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية