كابدوكيا .. منطقة الأحصنة الجميلة والأسرار الدفينة

حجم الخط
0

محمد الشحري توسطت كابدوكيا شرق هضبة الأناضول وسط تركيا، واتخذت من التاريخ موطئ ومتكأ، ونحتت في الطبيعة معابد وقصور وأعشاش، وشكلت من مخلفات الحمم والقذائف البركانية، متاحف مفتوحة أمام الناظرين، كما أنها طوّعت هزيز الريح لتخرجه طنطنة بين الأشكال المخروطية المسماة (بطرابيش الباشا) المنحوتة بأزاميل الريح ومطارق المطر حيث تآكلت الطبقة الهشة، وبقيت البازلت على شكل قبعات تعلو الأشكال الهرمية المعكوسة، تقارب الأبراج في هيئتها، وتماثل الأمكنة المحصنة، لذلك كانت كابدوكيا مقصدا للمتعبدين والفارين بسبب معتقداتهم، أو معارضتهم للسطات، ويمكن ملاحظة ذلك في العديد من الكهوف التي أصبحت أماكن للعبادة وتعليم المعتقدات الدينية والسياسية والثقافية والحفاظ عليها.تعود تسمية كابدوكيا إلى عهد الفرس، الذين أطلقوا عليها تسمية أراضي الأحصنة الجميلة، والتي اتخذت اسمها من هذا المعنى، فكابدوكيا هي بلاد الأحصنة الجميلة، وأول مكان في الأناضول يكتب فيها عن تاريخ الخيول، كما تعاقبت الامبراطوريات على كبدوكيا، من الحيثيين قبل الميلاد، والفرس، والاسكندر الأكبر، والرومان، وآخرها كانت الامبراطورية العُثمانية. النظرة الأولى:بدأت المدينة هادئة أو أقرب إلى السبات، حين هبطت الطائرة القادمة من اسطنبول، في مطار( نفشهير Nevsehir) شبه الفارغ إلا من موظفيه، حيث استلمنا حقائبنا وصعدنا إلى الحافلة التي توجهت بنا إلى الفندق( تكاييف Takaev ) في مدينة (أورطاحصار Ortahisar)، في طريق شبه خال من الحركة المرورية وحتى من أعمدة الإنارة، فنستطيع أن نلمح من بعيد إنارة القرى البعيدة، فالنور يرى من بعيد في ليل يتدثر بالظلمة حتى وإن كان النور بعيدا، لذلك يمكننا أن نرى الطائرات وهي تحلق على ارتفاع آلاف الأقدام، فالضوء في العتمة يكشف الأسرار ويبوح بها للناظر من بعيد، فقد جاءت تسمية الفوانيس من الفانوس وهو النمام، لأن شعلتها تنم عن الأمكنة.وصلنا إلى الفندق الذي كان عبارة عن كهف محفور في الصخر، كان صمت وحده المستبد بالمكان أما ضجيج ألآلات الحداثة من وسائل اتصال وترفيه وإنارة فما هي إلا لتأثيث الكهف، الذي يعلن أنه بمقدوره أن يستوعب البشر ويتحمل استيطانهم وفراقهم، كما كان أيام العصر الحجري، وأنه يتكيف مع عصر التكنولوجيا وغيرها من العصور. لما يتركنا سحر الكهف الحداثي أن نستريح من تعب السفر الذي يكسي وجوهنا، فكل ما فعلناه هو مسح وجوهنا بالماء والخروج إلى شرفة الكهف، وشرب الشاي ‘ العسملي’، وحين أسمع عن العسملي، أتذكر أغنية فيروز (طلي يا حلوة طلي) وهي عبارة عن زجل لبناني كتبها الشاعر الشهير موسى زغيب الذي يعد من أشهر شعراء الزجل، تقول كلمات الأغنية ‘ طلي يا حلوة طلي، يا غلة بسنة القلة جاي من الجرد الحسون يقطف ويعبي السلة، لا بدنا كيف ولا أعراس ولا يحكو ولا يقولو الناس ومش رح بيروق الكأس غير مايفل العسملي (العثمانلي) وجاي من الجرد الحسون يقطف ويعبي السلة بكرا بيطلع عنا الفل وبترجع الليالي تهل والعسملي (العثمانلي) بدو يفل وتطلع براسو الفلة’، وهي كلمات تحكي عن التواجد العثمانيين في منطقة الشام، ومعاناة الناس من الإتاوات التي يفرضونها. شق آذان الفجر صمت المكان، بصوت مؤذن يمتلك من عذوبة الصوت تكاد تجعل الحيطان تردد الآذان خلفه ، وحينما سحب الفجر الألوان الليلة الباردة، وبدأت لوحة الصباح تظهر عبر تدرجات لونية زرقاء ثم بنفسجية إلى برتقالية، كنا في استقبال الشروق على شرفة الكهف (الفندق) نطالع صعود المناطيد في سماء كابدوكيا، فكما هي عين الزائر التي تنتقل بسرعة إلى الأشياء قبل فليها، كانت أعيننا تحاول القبض على اللحظة في صباح كابدوكي بارد، منتشي بذر الضياء على الأودية وعلى الهضاب الجرداء، وكؤوس العسملي حبيسة الكفوف.صادف وجودنا في أول يوم كابدوكيا التاسع من ذي الحجة، حيث يقف المسلمون على جبل عرفات في أولى شعائر الحج، في هذا اليوم رأينا الأتراك يذبحون الأضاحي، حيث رأينا مجموعة من الناس يذبحون الخراف ويسلخونها واحدة تلو الأخرى في مكان أسفل الفندق، فسألنا أحد الموظفين في الفندق عن ذلك فقال عيدنا يبدأ في أول يوم من أيام الحج.تجولنا في مدينة (أورطاحصار Ortahisar)، بين أسواقها وتغدينا في أحد مطاعمها، ثم صعدنا القلعة، وهي عباره عن جبل منحوت على شكل حصن وبداخله توجد عدة سراديب وغرف تستخدم للسكن وأخرى استعملت كمخازن، ومن على قمة القلعة يمكن للزائر أن يجول ببصره في أنحاء المنطقة ومشاهدة القرى البعيدة، والأسواق القريبة، والمعالم الطبيعة، وعلى القمة وجدنا مقهى صغير، يبيع فيه رجل مع ابنه العصائر والشاي، وصار بيننا ما يشبه حديث الغرباء، عن الاسماء والأمكنة، ومن الأسماء عرف الأب والابن ديننا فقال الفتى ذو الثمانية أعوام، أنتم سنة أم شيعة؟، تكفل صديقي بالإجابة، أما أنا فقد تساءلت في نفسي عن مأساة العبور الطائفي للحدود وللأقليات والثقافات، فإذا كان صبي في الثامنة من العمر يسأل عن السنة والشيعة وهو في هذا المكان البعيد وبهذا السن الغض، فكيف سيكون عليه المستقبل حينما يكبر الصبي ويصبح فاعلا في محيطه ومؤثرا فيمن حوله؟!.في المساء أحضر لنا صاحب الفندق لحما مطبوخا بالشحم، وهي طريقة يستخدمها الأهالي في ظفار في الماضي ولا تزال مستمرة، وتستخدم هذه الطريقة لحفظ اللحم لفترة طويلة وتسمى هذه الطريقة بالمعجين.المتاحف المفتوحة: بقدر ما تفتح كابدوكيا طبيعتها أمام الغرباء، بقدر ما تخفي وتخبئ من الأسرار، فكابدوكيا هي بلاد الغموض والحيرة المفتوحة، والزائر لبلاد الأحصنة والفخار والسجاد، يظن أنه قد تعرّف على مداخل الكهوف وأطلع على مخارج المساكن السرية، لكنه في الحقيقة لا يعلم من كابدوكيا إلا موطئ خفه، أما غير ذلك فهو للناموس وأهل الخفاء، ومن عاش واستوطن وتجذر في أعماق المكان المهيأ جغرافيته للسكن. ‘ كاتب من عُمان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية