عادل الحامدي
اكتسحت العلوم كل ميادين الحياة ولم تترك شاردة ولا واردة الا اشبعتها تركيبا وتحليلا وتقليبا، حتي غدا الحديث عن الاستنساخ امرا مألوفا، بل قد يدخل ضمن فن الممكنات انبعاج الخلية البشرية عن صنو ومثيل. لكن التقدم العلمي الذي يحق لبني الانساني ان يفخروا به ويزيد المؤمنين جميعا يقينا بوعد ربهم بان طاقة هذا الكائن ـ الخليفة ـ ليست لها حدود، لان المستخلف ـ الوكيل ـ ورغم ما امده الخالق من طاقات متنوعة، ورغم الهرن الذي تكدست فيه اموال وثروات لم يبلغها من سبقنا جميعا من الاجداد والآباء وفق تقارير الامم المتحدة، التي سجلت ان ثروة اهل الارض لم تبلغ قط ما بلغته خلال سنتنا المنصرمة، كل ذلك لم يمنحه القدرة علي التكهن بما سيحل بنا ولو بعد لحظة يتيمة، ولا امده بامكان السيطرة ولا مجرد التحكم في غرائزه بمعزل عن الوحي، حتي اننا نري اكبر فلاسفة الغرب والشرق الذين ابدعوا صياغة فلسفات ووضع نظريات تتسم في كثير من الاحيان بالموضوعية والتناسق، بينما نراهم يهيمون كالسوائم كلما تعلقت هممهم بالخوض في مجال الروح والنفس البشرية بعيدا عن الله. ولا ينقص من ذلك الاستنتاج قول مأثور عن الرئيس كنيدي بان مشاكلنا التي نتخبط فيها هي من صنعنا، وعلينا دائما ان نكون قادرين علي حلها.
لكن كنيدي بطبيعة الحال كان يعني الزمن الذي عاش فيه والتحديات التي واجهته، ورغم عبقريته في معالجتها، فان السؤال الكبير الذي لا يزال يتحدي الجميع هو: متي ستستأنس السياسة والسياسيون بالوحي الذي انقطع الي ان تقوم الساعة؟
وما كنت لاسمح لنفسي بالاثقال علي المؤمنين وغيرهم، والخوض في معارك الاديان لولا ان التغول العلماني وشريكه الاسلامي قد اطلا علينا بحربتين تركيتين شقيقتين يزعم كل منهما بان الحرب قدرنا ولا طاقة لنا بتجنبها، وكاني بهما يتجاهلان ان في ذلك هزيمة لكليهما. ولقد احرزت تركيا بمجهودات الاغلبية الحاكمة احترام الغرب كله بل والثناء علي الاداء الاقتصادي لهذا البلد النصف اوروبي، اقول ذلك حتي لا يغيب عن اذهان الاتراك انهم النموذج الواعد والقدوة الحسنة لجميع المسلمين في التعايش السلمي في اطار التنوع والاختلاف دون لجوء اي طرف الي استعمال القوة لتحقيق مآرب سياسية او فرض اجندة ولو باسم الدين علي الشعب التركي.
لم تكن تركيا التي اثبت فيها حزب العدالة والتنمية ذو الجذور الاسلامية انه يحمل برامج سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية عامة يمكنها ان تقدم اجوبة واقعية عن تزايد ظاهرة البطالة ومعالجة الفقر والتفاوت الطبقي بين مختلف مكونات المجتمع، وتقديم رؤية سياسية معاصرة تؤسس وتحسم دستوريا وقانونيا المسالة الاثنية المتعلقة بالاكراد الترك بما لا يتعارض مع خصوصيتهم الثقافية ولا يتناقض في الآن ذاته مع مقومات المجتمع المدني ومقولاته الاساسية القائمة علي احترام عمل المؤسسات والفصل بين السلطات الثلاث وفقا للأسس التي يقوم عليها نظام الحكم في تركيا الحديثة، حيث اثبت النظام السياسي فيها قدرته علي الاستمرار في التجربة والمحافظة علي استقرار البلاد رغم ان الجيش الذي ادمن ولعقود طويلة علي التدخل المباشر في تسيير شؤون الدولة، ورغم هرولته الي استعمال العصي مرارا عديدة فان ذلك كله لم يمنع من استمرار التجربة الديمقراطية في العطاء حتي افرزت قوانين اللعبة الحكومة الحالية ذات التوجه الاسلامي.
اقول لم تكن تركيا فريدة في هذه العودة علي بدء، فالناخب الفرنسي الذي حمل نيكولا ساركوزي الي قصر الاليزيه باغلبية 53 % علي حساب المرشحة اليسارية سيغولين روايال، علي نحو يشي بانحياز الناخب الفرنسي الي يمين مشاكس ومتمرد تمظهر في شخص ساركوزي المخيف عند كثير من الفرنسيين، لم يتنكر هو الآخر لانتماءاته الدينية، ولا اخفي معالم الدين المسيحي مظهرا مزاياه متمسحا في محاولة لاثارة الحس الديني رغم العلمنة المتطرفة للنموذج الاجتماعي الفرنسي، وهزم منافسته علي الرغم من كل ما احتوته خطابات اليسار الفرنسي من شعارات جذابة ليس اقلها الانحياز لصالح قضايا العمال والطبقات الكادحة المحرومة، حتي بدت سيغولين في حملتها الانتخابية كسارة للقوالب النموذجية الاجتماعية المعروفة. وتكاد عودة اليمين الي الفعل السياسي في الدول الاوروبية والغربية عموما تتحول الي ظاهرة عامة استرعت انتباه مختلف الساسة والكتاب، وقضت مضاجع كبار المفكرين خصوصا في امريكا ممن لا يتحملون مجرد ذكر الدين عند الحديث عن الشأن السياسي.
وكم كان محيرا لهؤلاء العلمانيين الامريكان لجوء الرئيس جورج بوش الي استعمال المسيحية تحديدا اثناء حملته الانتخابية، بل وفي الشان السياسي اليومي، اذ رايناه ينحاز في كثير من الاحيان الي مشاعر العموم ولو علي حساب المدرسة، بل اوغل في الاستعمال الخاطئ لتسييس الدين يوم زعم انه يتلقي عن الله، وهو امر مربك ومحير عندما يتعلق الامر بهذه العودة المفاجئة للغرب والاتجاه المسرف لا اقول نحو الدين بل لسوء حظنا استعمال الدين. هذا الغرب الذي مر عليه زمن بعيد منذ ان ادار ظهره للدين جملة وتفصيلا.
وبما ان الامور تعرف باضدادها كما يعرف الرجال بعلم الجرح والتعديل، فانني اراني في تردد كبير عند الحديث عن الرئيس الحالي للولايات المتحدة الامريكية الذي لم يتردد في اطلاق عبارة مخيفة تنصلت منها القارة الاوروبية القديمة وتبرات من آثارها المدمرة، واعني بها الصليبية التي لا يمكن لرجل بذكاء بوش ترديدها عن سهو وخطأ، والتي سارع القادة الاوروبيون الي انكارها.. فالمسيحية واحدة ولكن شتان بين المسيحي بوش المستعمل للدين لتحقيق مآرب سياسية الذاتي فيها اكبر من القومي وبين الزعيم ابراهام لينكولن الذي اعظم الله له ذكرا بين الخلائق لاستعماله لنفس الدين لكن لينكولن كان يستعمل الدين خدمة لامريكا وليس لفرض ذاته علي التاريخ.
لن اجامل بعضا من اصدقائي اليساريين العقلاء في زعمهم بان الضربات الموجعة التي كالها الناخب الغربي لليسار ليست دليلا علي ذهاب ريح هذا الفكر السياسي في اطار الغرب الليبرالي، ولا استخفافا بادواره السياسية الرائدة خصوصا في فرنسا، وان من رحم هذه الهزائم قد تولد في اية لحظة تجربة سياسية رائدة كما عودنا الغرب وكما اعتدنا علي تقلب مزاج الناخب في هذه الديار، فتلك اطروحات ورؤي سياسية الاماني فيها اكبر من الخضوع الي ملابسات الواقع وتحدياته، خصوصا والمواجهة بين الدين والعلمانية علي اشدها.
ويعكس انحياز الناخب الفرنسي الي الرئيس الفائز ساركوزي بهذه الحدية في اطار تنافس ساخن تخللته بعض اعمال العنف، بل والتظاهر، توجها خطيرا في تديين السياسة دون ان يكون خافيا ان الفرنسيين ادركوا ان بلدهم الكبير قد تجاوزته العولمة، وان اقتصادهم اصبح غير قادر علي استيعاب قوانين السوق الجديدة، وان النموذج الاجتماعي الفرنسي الذي عضوا عليه بالنواجذ ولعقود طويلة قد اثبتت تجربة الوزير الاول البريطاني خصوصا في مجال التشغيل والتنمية والانفتاح المرن والنفعي علي المهاجرين، انه متجاوز، كل ذلك لم يكن غائبا عن ذهنية الناخب وهو يختار بين ساركوزي المغامر وبين سيغولين التي بدت اكثر حنينا الي الحفاظ علي السواكن.
لكن هذا كله لا يعفي اي حصيف من التفطن الي تسرب العامل الديني وعودته مجددا الي ميدان الفعل السياسي في الغرب، وهي عودة تختصر محاور الصراع والخلاف السياسي في تناقضات دينية تؤجج روح الخلاف بين الثقافات والحضارات وتؤسس لنمط جديد في ادارة الصراع يعيد مآسي حروب الديانات، ولكن بوسائله المدمرة الحديثة التي لا تستثني حتي النووي منها.
ولانني اكتب لقارئ عربي، فان كل ما اخشاه ان يفشل حكماء العرب والمسلمين في صياغة تصور متكامل يتقاسمون فيه مغانم السلطة ويتداولون مناصبها علي ارضية قانونية تمتاح اسسها من اسلام حرم استعباد انسان ولدته امه حرا قبل ان ياتي ابراهام لينكولن في مطلع القرن التاسع عشر ليخوض حربا ضد الرق، ونام بسبب تطبيق تلك النظرية ثاني خلفاء المسلمين في الصحراء من دون كاميرات مراقبة خفية ولا حراس شخصيين ولا كلاب مدربة.. اقول ان كل ما اخشاه ان يفشل حكماء العرب في التواضع علي آلية تنهي الاحتراب بينهم وتوزع الثروات بينهم بالعدل، بما يمنع من وقوعهم جميعا فريسة لاستعمار دولي جديد صرح قادته في السر والعلن انهم لن يقفوا مكتوفي الايدي حيال استمراره في صور عنيفة تهدد مصالحهم وتنتهك حقوقا للانسان بات من غير الاخلاقي الصمت ازاء انتهاكها بصور بشعة علي مرأي العالم ومسمعه.
ولن يكون هذا التواضع اكثر من ان ينسجم العلمانيون والاسلاميون العرب مع انفسهم ويقدموا بالبرهان والدليل غير القابل للدحض انهم دعاة شراكة حقيقية هدفها الاساسي التنافس في خدمة الشأن العام. فتركيا التي استطاع قادتها من المحسوبين علي تيار الاسلام السياسي والذين تمكنوا من طمانة الغرب من خلال احترام المؤسسات الديمقراطية للدولة العلمانية وترويض المؤسسة العسكرية باحترام تعاليمها واختصاصاتها وعدم الدخول معها في اي من الخلافات التاريخية المعروفة التي فتحت لها الابواب اكثر من مرة للنزول الي الشارع لحماية الدولة، تركيا هذه تقف اليوم امام امتحان عسير ومختبر ديمقراطي يحق اعتباره معيارا لتبين قدرة العلمانية علي استيعاب حق الاختلاف في ذات الوقت الذي يكشف فيه الاسلاميون المعتدلون قدرتهم علي التاقلم مع مستجدات العصر واساليبه السياسية التي لا تعني شيئا غير الاحتكام للقوانين والمؤسسات الدستورية… اختبار يجعل من تكرار السيناريو الجزائري في تركيا محرما، ليس لان اطراف الازمة مختلفون فحسب علي الرغم مما بينهم من روابط فكرية وعقائدية، وانما لان تركيا مختلفة حجما وموقعا وبالتالي اهمية.
ويمكن للاختبار التركي اذا استطاع دعاة الاسلام السياسي الاستمرار في تجاوز الخطب الوعظية وتقديم البرهان الواقعي علي قدرتهم لتقديم اجابات واقعية علي التحديات اليومية للانسان المعاصر وفق رؤية مدنية تاخذ من فقه المقاصد ما يساعد علي صياغة القوانين الملزمة والدساتير الناظمة التي لا تتغير بتغير الاشخاص، ان يتحول اي نموذج للتوافق الاسلامي ـ العلماني الذي يكذب الاطروحة التي تعمل جهات علي ترسيخها من ان الذي حمي حركة حماس الفلسطينية ذات التوجهات الاسلامية المعروفة من الموت تحت ضربات قوات حركة فتح هو ان الجميع تحت الاحتلال، وان الجميع من حقه ان يحمل السلاح للدفاع عن نفسه، علي نحو استطاع التيار الاسلامي الفلسطيني ان يحمي وجوده وقدرته علي الفعل، بينما عجز اشقاؤه في باقي الدول العربية ليس عن الفعل السياسي فحسب، بل ان بعضهم لم يستطع حتي تامين حياته فضلا عن ان يكون مواطنا يحق له الاختلاف في الراي والتعبير عنه.
ہ كاتب واعلامي تونسي يقيم في بريطانيا8