التحالف ضد بابل.. الولايات المتحدة واسرائيل والعراق
القاهرة ـ من سعد القرش: لا يكتفي كاتب أمريكي بوصف احتلال بلاده للعراق بأنه مغامرة سيئة الاعداد بل يذهب الي أغوار التاريخ ليدلل علي أن اليمين الامريكي الحاكم ينطلق في السيطرة علي العراق من القصص الدينية. ويري جون كولي أنه لا يختلف في هذا التوجه الاصوليون اليهود عن مسيحيين اعتبرهم موالين للصهيونية مشددا علي أن حماس ادارة الرئيس الامريكي جورج بوش لجنرالات اسرائيل والمتدينين اليوم موجودة في هذه القصص الغابرة.
وقال في كتابه التحالف ضد بابل.. الولايات المتحدة واسرائيل والعراق ان بلاد ما بين النهرين تظهر في قصص التوراة مثيرة للدهشة. وصدر الكتاب الذي ترجمه ناصر عفيفي عن (مكتبة الشروق الدولية) في القاهرة ويقع في 355 صفحة كبيرة القطع. مؤلف الكتاب صحافي بارز عمل مراسلا لصحف أمريكية اضافة الي شبكة ايه بي سي نيوز وله كتب منها حروب أمريكا الطويلة في الشرق الاوسط و الحروب غير المقدسة.. أفغانستان أمريكا والارهاب الدولي و المخابرات الامريكية والجهاد.. تحالف مشؤوم ضد الاتحاد السوفييتي و مارس الاخضر وأيلول الاسود.. قصة الفلسطينيين العرب عن محنة الفلسطينيين الذين لجأوا الي العنف باعتباره سلاح الضعيف.. وتساءل ناشر الكتاب عادل المعلم في مقدمته هل يمكن فهم الصراع في الشرق الاوسط دون العودة الي قصة بابل القديمة؟.. وأشار الي ضرورة قراءة الاحداث الجارية في ضوء خلفيات تاريخية منها الاستعمار الاوروبي للعالم العربي في القرن التاسع عشر والحروب الصليبية علي الشرق قبل نحو تسعة قرون والتي تأسست علي خلفية خطبة شهيرة للبابا أوربان الثاني بفرنسا عام 1095 اعتبر فيها المسلمين الجنس الكافر المحتقر عن حق المجرد من القيم الانسانية وعبد الشيطان كما دعا لاسترداد الارض المقدسة في فلسطين وحاولت الجيوش الغربية تنفيذ هذا الحلم عبر حملات استمرت حتي عام 1292. ووصف كولي الاحتلال الامريكي للعراق بأنه مغامرة سيئة الاعداد فرغم سهولة الغزو شهد الاحتلال كثيرا من المآسي. وقال ان ادعاء اليمين الحاكم في واشنطن أنه المدافع الاول عن حقوق الانسان في العالم لطخته الفضيحة المدوية والمصورة للاساءة والتعذيب وحتي القتل للسجناء العراقيين المحتجزين بواسطة القوات الامريكية في العراق. وأضاف أن الربط بين العراق في عهد رئيسه السابق صدام حسين وتنظيم القاعدة بزعامة أسامة بن لادن يهدف الي التضليل المتعمد للرأي العام الامريكي مشيرا الي أن بوش اتخذ قرار الحرب قبل هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001. وقادت أمريكا عقب هجمات ايلول (سبتمبر) حربا أسقطت نظام طالبان الذي كان يؤوي تنظيم القاعدة في أفغانستان.
كما احتلت العراق وأنهت حكم صدام في التاسع من نيسان (ابريل) 2003 بعد حرب دامت نحو ثلاثة أسابيع تحت ذرائع ثبت عدم صدقها أهمها حيازة أسلحة الدمار الشامل. وسخر المؤلف من اصرار حكومتي بوش ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير علي اطلاق صفة التحالف علي الاحتلال العسكري للعراق.
وقال عالم الاجتماع الامريكي وليام بولك في تقديم الكتاب ان المؤلف كولي كان دائما في موقع الحدث واصفا بحوثه بالحياد والنزاهة والاقتحام علي مدي أكثر من أربعين عاما في الشرق الاوسط تفرد خلالها بتناول عدد من القضايا منذ كتابه الاول البعل والمسيح ومحمد.. الدين والثورة في شمال افريقيا. وعمل بولك مستشارا للرئيسين جون كنيدي وليندون جونسون كما قام بتدريس التاريخ العربي وشؤون الشرق الاوسط في جامعتي هارفارد وشيكاغو التي أسس بها مركز دراسات الشرق الاوسط وأصدر كتاب فهم العراق عام 2005. وأشار بولك الي زمالته لكولي في مجلس العلاقات الخارجية الامريكية بين عامي 1964 و1965 بعد جولة لكولي في شمال افريقيا حيث وضع كتابه (الاول) عن أسباب فشل المسيحية هناك واستبدالها بالاسلام لان المسيحية تم ربطها دائما بالاستعمار الاوروبي مضيفا أن كتاب كولي تحليل للاحداث المأساوية والخلفية التاريخية للحرب علي العراق. هو (الكتاب) اخر غزواته لحقل الالغام السيكولوجي والسياسي للشرق الاوسط وهناك الكثير الواجب تعلمه من هذا الكتاب.
وتناول مؤلف الكتاب قصة السبي البابلي لليهود في القرن السادس قبل الميلاد علي يد الملك نبوخذ نصر الثاني (بختنصر) الذي حكم البلاد بين عامي 604 و562 قبل الميلاد مشيرا الي أن صدام أمر باعادة بناء قصر نبوخذ نصر في بابل كرمز للانا المتضخمة بعد مضي نحو 80 عاما علي تصوير فيلم لا تسامح الذي أخرجه عام 1916 الامريكي دافيد وارك جريفيث وصور فيه بابل علي أنها تجسيد لكل الشرور في العقل الامريكي. وقال كولي ان مؤرخي الكتاب المقدس والمؤرخين العلمانيين قدموا الوقود الذي جعل من العراق بقعة لصناعة الشر بالاستناد الي رؤية العهد القديم لبابل كمركز للفساد والظلام. واستشهد بوصف باحث ألماني لبابل بأنها دولة معادية لله وأنها ذات سمعة سيئة بين اليهود كما يعتبرها كثير من المسيحيين أم كل البغايا والاثام. وفي تقديره أن كل أمريكي يحارب في العراق منذ عام 2003 يقابله مسيحي أو أكثر من الموالين للصهيونية. ويري أن من يحاول فهم الشرق الاوسط يرتكب خطأ فادحا اذا تجاهل هذه القصص الغابرة التي قال ان فيها أسبابا تدعو الي وجود أشد أنصار اسرائيل تعصبا في الولايات المتحدة بمن فيهم أقرب مستشاري جورج بوش وهم حلفاء متحمسون لساسة وجنرالات اسرائيل اليمينيين اليوم… ينطلقون من أعماق قصص التوراة والتاريخ والاساطير وخاصة دراما الاسرائيليات القديمة. وقال كولي ان اسرائيل دائما تري أن العراق عدو استراتيجي.
وأضاف أن الحرب التي قادتها أمريكا حققت بعض أهدافها العسكرية الخالصة بتدمير البني التحية لدولة صدام لكنها فشلت في استعادة الدولة أو توفير حياة كريمة للمواطنين كما حققت هدف اسرائيل الاثير وهو تدمير القوات المسلحة العراقية بلا خسائر اسرائيلية. وأشار الي أن بوش الابن بعد ان أصبح رئيسا في كانون الثاني (يناير) 2001 سعي مع مستــــــشاريه نحو حملتهم الصليبية للاطاحة بصـــــدام وأن اسرائيل كانت خلال الحرب تقدم برامج تدريب نظرية وميدانية للقوات الخاصة الامريكية عن الاساليب الوحشية التي تستخدمها لقمع الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة. (رويترز)