القاهرة ـ (رويترز): يرى المحقق والباحث المصري عبد العزيز جمال الدين أن الثورة على الطغيان أو الاحتلال تمثل الإيقاع الثابت لتاريخ بلاده منذ تحقق مشروع الدولة-الأمة قبل نحو خمسة آلاف عام وإن اختلفت درجات وطرق ما يسميه الإيقاع الثوري.
ويقول إن مصر منذ وقت مبكر تعهدت مشروع الدولة بالتعديل والتوفيق حسب الاحتياجات والتوجهات فإذا كانت تلك التعديلات والإصلاحات بسيطة فإنها تتم في يسر ودون أن يلحظها أحد أما إذا كانت مصيرية وتشكل منعطفا في تاريخها فإن الثورة في مثل هذه الحالة تكون أداة للتغيير.
ويضيف في كتابه (ثورات المصريين حتى عصر المقريزي) أن الشعب المصري قام بثورات ‘متتالية ضد الاستعمار سواء أكان فارسيا أو بيزنطيا أو عربيا أو تركيا أو أوروبيا’ مشددا على أن صور هذه المقاومة تدعو أي متابع لأن يحني هامته ‘احتراما لصلابة الشعب..’. والمقريزي الذي يحمل عنوان الكتاب اسمه هو المؤرخ المصري تقي الدين أحمد المقريزي (1364-1442) مؤلف كتب منها (المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار) و(والبيان والإعراب عما بأرض مصر من الأعراب) و(السلوك لمعرفة دول الملوك) و(إغاثة الأمة بكشف الغمة) و(الذهب المسبوك في ذكر من حج من الخلفاء والملوك). والكتاب الذي يقع في 308 صفحات كبيرة القطع وأصدرته دار الثقافة الجديدة بالقاهرة.
ولجمال الدين تحقيقات لكتب تراثية منها (قصة أحمد باشا الجزار بين مصر والشام وحوادثه مع نابليون بونابرت) و(عجايب الآثار في التراجم والأخبار) للمؤرخ المصري عبد الرحمن الجبرتي و (تاريخ البطاركة.. من بدايات القرن الأول الميلادي حتى نهاية القرن العشرين من خلال مخطوطة تاريخ البطاركة لساويرس ابن المقفع) وصدرت طبعته الجديدة في عشرة مجلدات عن الهيئة العامة لقصور الثقافة بالقاهرة. ويشرف جمال الدين على مطبوعة فصلية عنوانها (المصري الليبرالي) تتبنى القيم الليبرالية والدولة المدنية.
ويورد المؤلف في السطور الأولى للمقدمة ما كتبه الأثري الفرنسي جاستون ماسبيرو ‘إن مصر هي مصدر الحضارة وأم القوانين التي حكمت العالم..’. وكان ماسبيرو (1846-1916) يجيد العربية وتولى منصب مدير مصلحة الآثار المصرية وأنشأ المعهد الفرنسي للآثار بالقاهرة ويطلق اسمه على مبنى الإذاعة والتلفزيون بالعاصمة المصرية.
ويسجل أن الرومان اتخذوا مصر ‘شاة حلوبا يريدون أن يستنزفوا مواردها ويمتصوا دمها… وكان العرب أيضا ينظرون إلى مصر وأهلها على أنهم خزانة لهم… وقد قامت خمس ثورات مصرية كبرى ضد الغزاة العرب’ بين عامي 739 و779 ميلادية.
ويرى جمال الدين أن أكبر تلك الثورات حدثت أيام خلافة المأمون العباسي والتي سميت بثورة البشموريين في الدلتا بشمال مصر وشارك فيها المسلمون والمسيحيون كما سجل ذلك المقريزي في خططه قائلا إن نحو ثلاثة آلاف مصري رحلهم المأمون إلى العراق ‘مات أغلبهم في الطريق وما بقي منهم بيعوا كعبيد’ وكانت تلك آخر الثورات الكبرى منذ دخل العرب مصر.
ويعد الكتاب وثيقة بتاريخ مقاومة المصريين للطغيان الخارجي أو المحلي معا.. فيقول المؤلف ‘كانت المقاومة المصرية القبطية دائمة لكل ما هو أجنبي ولم تقتصر على طغيان البطالمة وأباطرة الرومان بل وأيضا إلى مقاومة الغزو العربي والطغيان للحكام المسلمين. ولقد رفض أقباط مصر استعمار بيزنطة المسيحية بشدة وكذلك كرهوا استعمار بيزنطة (اسطنبول) الإسلامية’. وينقل جمال الدين عن المقريزي جوانب من فساد المماليك -وهم عبيد ترجع أصولهم إلى آسيا الوسطى وكان السلاطين يجلبونهم للقتال ثم أصبحوا حكاما على مصر والشام بين عامي 1250 و 1517- قائلا إنهم كانو ينهبون أموال المصريين لإنفاقها على ملذاتهم كما افتعلوا ‘حوادث الفتنة الطائفية بين المصريين من أقباط ومسلمين من أجل زيادة نهب المصريين القبط والظهور بمظهر المسلمين الأتقياء الحريصين على الإسلام’.