كاتب مغترب ترك الشقا علي من بقي

حجم الخط
0

كاتب مغترب ترك الشقا علي من بقي

منهل السراجكاتب مغترب ترك الشقا علي من بقي استحلي أصدقائي من الكتاب الذين يعيشون في سورية أن يطلقوا عليّ كلمتي كاتب مغترب من أول شهر صرت فيه خارج سورية. والآن وأنا لم يمض بعد علي مغادرتي عشرة شهور، صرت أحس في لهجتهم معي بعض الامتعاض، هذا اذا لم يصل حد الهجومية. كأنني تركت الشقا علي من بقي، مع أن الشقاء لم يزل، بل صارت له أشكال أخري في القلب والوجدان. ربما فرغت من العدائية التي يشحننا بها الواقع في سورية ويجعلنا مغتربين عن واقعنا، لكن في الوقت نفسه امتلأت بهموم أخري.كان قربي من مكمن الشر، يوترني ويفقدني القدرة الحرة علي التعبير. أما حين ابتعدت عن البلد ورغم الحنين الذي سرعان ما تفاقم، فان طاقة ايجابية وحرة صارت تدفعني لقول ما أريد. لو فكرنا بدلالات الاغتراب بعيداً عن المتداول!أليس الحنين لمكان يجعلنا أقرب اليه بالروح مما لو كنا بداخله؟حقا شعرت أن اغترابي عن البلد زال تماماً حين غادرتها. قلت لصديقتي التي اشتقت اليها كثيراً، والتي أكثرت من هجومها علي حين صرت في الخارج: لا أحس بالاغتراب، بل بالاقتراب، أحس بالحنين والحب، وأشعر أني أقرب الي بلدي أكثر من أي وقت مضي. لم أسألها لِمَ هي متوترة مني؟. ولم أسألها لِمَ تحمّلني اليوم أسباب كل ما حدث وما يحدث؟. لأني أعرف الأجوبة الحقيقية. تذكرت احساس العداء والاغتراب الذي كان يعيقني كثيراً عن الكتابة وعن الحياة، ويملأ صباحي ومسائي وكلي.. عذرتها. وتفهمت رغبتها بالخلاص، وان صاغتها بطريقة مختلفة. كان آخر ما كتبته في سورية هو احساسي اليومي بعدائي للحكومة، واحساسي اليومي بالاغتراب عن بقية تفاصيل يومنا، عن البيت والشارع، عن البائع والبضائع، عن الشجر القليل والنهر والجيران. كنت مشحونة برغبة دائمة وجامحة، للهرب، أصم آذاني بسماعات تبث موسيقي أو أغنية، تمنع صوت خطيب الجمعة يدعو لحماية أولياء الأمر، وأعالج الغبار الكثير، بأن أحدق بلوحة خضراء، وأنتظر الليل كي أحاول النوم وأشحذ حلماً أبيض ينسيني تناقضات النهار. ولكن ما ان غادرت البلاد، ورأيت سماء البلاد الجديدة، والتي لا تخصني ولا تعنيني أيضاً، امتلأت بالحنين والشوق لسماء بلادي، وصار صياح بائع المازوت والغاز أنساً، ورائحة حاوية الزبالة عطراً معتقاً، وابتهالات خطيب الجمعة تعبيراً عن بؤس وخوف مشروعين، واستعراض الفنانات حرية علينا احترامها وقبولها. أعرف أنه ليس برأس كل من يعيش في بلادنا، أكثر من حلم ببيت صغير، غرفة آمنة ودافئة ولقمة نظيفة، وأن تنساهم حكومتهم. وينسوها أيضاً. فسحة الكاتب والفنان وكل الناس، حرية وأمان. أتذكر كيف كنت كل حين، أوصي الأهل بابني وبأوراقي، من خوفي أن أغيب كما يغيب كثيرون. أضطر للسفر المفاجئ أو أعتقل. قال عبد الرزاق عيد عن البلاد: بلاد الخوف. نعم كنا مملوئين بالحذر والتوجس وكثير من الغضب. تري هذا الغضب المتراكم ألا يولد أمراضاً؟. وان نجونا من أمراض جسدية ألا يولد أمراضاً نفسية؟. وان نجونا منها أيضاً، ألا يهيل سماكات علي شعورنا فيتبلد من شدة الضغط؟. ومع ذلك كنا نبذل وقتنا وجهدنا ومقدراتنا الصغيرة والقليلة من أجل تجنب كل هذا كي نخلص الي لغة سلام واسعة تنجينا وتفيد، ونبقي بعداء أقل. لكن للارادة حدود، وللتحمل حدود. صارت همتنا في بلاد الغربة، من أجل تجميل ما نحب ونشتاق اليه، أصفي وأقوي. وصار الحنين أيضاً أشد وأشقي. داهمتني رائحة شواء باذنجان، فأحسست بالهلع: هذا باطرش أمي. وليست هي الآن من تعد الغداء، وليس أبي من أدار مفتاحه بالباب ودخل، وليس أخي هذا الذي يداري سيجارته. كان يفعل هذا وهو يقبل كتف أمه من خلف ظهرها، ولا يوجد غبار كاف حولي لأفترض أنها حارتي، والبائع هنا لا يغش ثم يبتسم مثلما يفعل أبو سعيد. وهذه الدراجة لا تشبه أبداً دراجة ابن جيراننا حين جرب أول مرة أن ينظر الي نظرة مختلفة، وهذه التي تتبختر ليست أختي التي تحب الثياب والعطور الأوروبية، وهذا التلميذ لا يشبه أبداً ضجر تلميذ حارتنا حين يمضي صباحاً الي مدرسته. لدي الكثير لأقوله عن الحنين، والكثير كي أقوله عن احساس الوحدة في بلد لا تعرف لغته ولا تفهم كيف أن عدد أعضاء النوادي يبلغ خمسة أضعاف عدد السكان، يعني كل مواطن عضو في خمسة نواد. هذا الفرق الحضاري يأخذني لأتذكر آخر جمعية نسوان حضرتها، والتي لا تعني الا بأمور الثياب والطعام والقهقهات. حدث أن أحضرت احداهن زائرة جديدة، طبيبة تقرأ وتفكر، سألت علي هامش الطعام والقهقهات، عن احساس كل منهن بعيد الجلاء!.في اليوم الثاني وجدت كل امرأة كانت حاضرة، استدعاء من أمن الدولة. كانت دهشة الأزواج كبيرة، زوجاتهن اللواتي لا يتقن الا فن النق، يشتغلن بالسياسة من دون أن يعلموا!! أتذكرك أيتها الكاتبة حين قلت: أكتب كي لا أموت. وأتذكر قول أحدهم كاذباً: أنا سعيد جداً. وهو لا يحظي بأي منبر لنشر ما يكتب. وأتذكر شكوي صاحب دار النشر من صراعه بين طلبات الكتاب وافلاس الدار. ولن أتحدث الآن عن أصدقائنا الذين يلتقطونهم من بيوتهم كل يوم وكل يومين ليوضعوا في السجون الي ما شاء الله.. وهل أنسي جواب بركات عرجة حين سئل عن مقتل أبيه بأحداث حماة: كيف يقتلونه وهو مسيحي؟. أجاب وهو يمسح لوحته: متلو متل غيرو. لهذا الحد تراكم الألم فألغي الحقد؟ أم أن اليأس من الوصول الي العدالة، صار بديهة وطريقة تفكير عامة؟.لم أترك الشقا علي من بقي. ربما هو ذنب العالم أجمع. لكني أفكر أن الوقت ليس وقت لوعة، بل وقت عمل. كاتبة سورية مقيمة في السويد0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية