كاتيا ناصر: امام صمود الناس لا نعود نشعر بالخوف
أتت من الدوحة لتشارك شعبها آلام الحربكاتيا ناصر: امام صمود الناس لا نعود نشعر بالخوفبيروت ـ القدس العربي ـ من زهرة مرعي: كاتيا ناصر مراسلة الجزيرة من جنوب لبنان خلال العدوان أتت من الدوحة خصيصاً لتشارك شعبها في الألام والمآسي التي تسبب بها الصهاينة علي مدي 34 يوماً. تطوعت للقدوم إلي لبنان رغم عملها في مكتب الأخبار ووصلت سريعاً إلي مرجعيون لترابط هناك لفترة طويلة.عن هذه الحرب الجبانة التي إستهدفت المدنيين أولاً كان لكاتيا ناصر موقفها وصوتها المدوي عبر ميكرفون الجزيرة وصورتها.معها كان هذا الحوار: في إحدي رسائل البث المباشر من الشياح شاهدناك قريباً جداً من الغارات الصهيونية ما هي المشاعر التي خالجتك في تلك الأثناء؟ إنها مشاعر كل إنسان سواء كان لبنانياً أو غير لبناني. في تلك الأثناء كانت العيون هي التي تتكلم حيث كنا نسير في تشييع شهداء مجزرة الشياح ومن بينهم 16 شهيداً من عائلة رميتي، فأي كلمة وأي شعور هو بالتأكيد لا يقاس بمشاعر عائلات الشهداء. في هذه الأثناء كنت مع زملائي نغطي الحدث وإقتراب الموت منا يمكن تصنيفه بالمسألة السخيفة خاصة عندما ندخل مكان التشييع ونري فيه 36 جثة مسجاة بينهم العديد من الأطفال. عندما يشم أحدنا رائحة الموت فهو لا يعود يخشاه. ظهورك كان مفاجئاً علي شاشة الجزيرة أين كنت من قبل؟ أعمل في غرفة الأخبار في الدوحة وعندما يحتاجون لتغطية خارجية أكون جاهزة للمهمة كما حدث تماماً بعد عملية أسر الجنديين حيث أبديت إستعدادي للسفر إلي لبنان. كيف وصلت إلي لبنان؟ حدث الأسر في 12 تموز وفي 14 تموز (يوليو) كنت في طريقي إلي بيروت عبر دمشق، وفي 16 تموز (يوليو) كنت في بلدة مرجعيون بحيث حللت مكان الزميلة بشري عبد الصمد مع التأكيد بأنها متألقة ولا أحد يملي مكانها. كيف كانت رحلة الوصول إلي الجنوب؟ إنها مغامرة بالنسبة لي لأني أخوض ميدان الحروب لأول مرة. وما خفف الأعباء عني وجودي مع الزميل المصور عصام مواسي الخبير بالحروب والخبير بمناطق الجنوب لأنه من بلدة عيترون. وجودي إلي جانب الزميل عصام منحني نوعاً من الأمان لأني كنت مع إنسان محترف. من أين أتيت بالحماس للتطوع لهذه المهمة؟ أنا صحافية ولبنانية.عندما وصلت إلي لبنان شعرت بأن وجودي وعملي يفترضان أن أكون هنا. شعرت بضرورة التعبير عن رأيي كإنسانة، كما شعرت بأنه عبر عملي سوف أتمكن من إيصال صوتي وصوت الناس بموضوعية. هل فكرت بالمخاطر المحدقة بمثل هذه المهمات؟ بالتأكيد فكرت قبل وصولي إلي لبنان إن كنت سوف أعود إلي بيتي مرة ثانية أم لا؟ فكرت إن كنت سوف ألتقي أحبابي وأصدقائي مرة ثانية أم لا؟ إنه سؤال طبيعي يطرحه الإنسان بينه وبين نفسه، لكن بمجرد الوصول إلي قلب الحدث ومعايشة مآسي الناس والقصف والغارات المستمرة، ومشاهدة النازحين، عندها يتحول الخوف إلي شعور ثانوي أو هو يختفي أحياناً. إلي أي حد أنت محصنة ضد الخوف؟ لا أحد محصن ضد الخوف مهما كانت تجاربه. أشعر ربما بسخف خوفي مقابل طفل في بلدة الهبارية في عمر الـ8 سنوات قال لي بأنه باق لأنها أرضه ومنزله فيما القنابل العنقودية تتساقط من حوله. كذلك أشعر بسخف الخوف في مقابل شاب هشمته الشظايا وأكلته الحروق وما زال يردد دمي فداء للمقاومة. أمام صمود الناس لا نشعر بالخوف بل هو يختفي. مع العلم أن الناس يعتقدون أنهم يستمدون صمودهم وشجاعتهم من الصحافيين والصحافيين يعتقدون بأنهم يستمدون شجاعتهم من الناس. حكايات الصمود كنا نتبادلها مع الناس من دون حاجة للتعبير. بمجرد أن يبتسم لنا الصامدون كنا نشعر بالتواصل الإنساني. إبتسامات الناس لا تزال عالقة في بالي وكذلك نظرات عيونهم. برأيي هذه التفاصيل هي أهم من الحدث رغم ضخامته. الغارات والقصف حالة دائمة في الحرب، وكذلك يصبح الهدم الممنهج والمجازر بحق المدنيين، لكن التفاصيل الإنسانية هي التي تصنع الذاكرة. هل كانت لك مشاهدات مؤلمة في خلال المجازر المتعددة التي أرتكبت في الجنوب؟ كنا في عيترون عندما وقعت المجزرة الثانية، ومن ثم قصدنا أنصار لتصوير مجزرة أرتكبت للتو. الشعور تجاه تلك المجازر هو العجز والضعف. عندما قصدنا بلدة أنصار كانت فيها فقط وكالة رويترز ثم نحن، مع العلم أن البلدة كانت آهلة كلياًَ حتي لحظة وقوع المجزرة، ومن بعدها بقي فقط 60 عائلة رفضت المغادرة رغم كل المخاطر المحيطة بهم. بماذا كان يتحدث الناس في تلك الأثناء؟ من رحلوا كان سببهم الأساسي ليس الخوف بقدر ما هو إفتقادهم لمقومات البقاء والصمود وبخاصة الخبز وحليب الأطفال. حتي وهم يغادرون كانوا يرددون سوف نعود سريعاً. وقع رحيل الناس كان أشد ألماً في نفسي من المجزرة. مع مشهد الرحيل الجماعي لم أكن أتمالك نفسي عن البكاء. هل لك إيجاز هذه الحرب بكلمات؟ الكلمة الوحيدة التي تمر في خاطري هي أن الأنتصار سيكون للحق ولو بعد مليون عام. كيف كنت تحمين نفسك أثناء إشتداد القصف؟ حماية النفس لا تعد هاجساً حتي الدرع الواقي والطاسة فنحن نرتديهما لأننا مجبرون علي ذلك بتوصية من الإدارة. وغالباً ما يخالجنا شعور مزعج عندما نري المصابين والجرحي والشهداء بحيث نتساءل هل نحن ضيعانا ؟ هل وجدت تعاوناً من الزملاء الذكور في المواقع الأمامية؟ لا أفكر بضرورة أن يساعدني الزملاء لأني فتاة لكننا جميعنا كنا في حالة تعاون. بالنسبة لنا في قناة الجزيرة أقول بأن كل ما قدمناه كان بفضل الفريق كاملاً المصور عصام مواسي، ومسؤول البث المباشر وسام موعد. كما نقدم الشكر للزميل في قناة المنار علي شعيب الذي كان أكثر من رائع في تعاونه. كذلك لا ننسي تعاون فريق مكتب الجزيرة في بيروت من أصغر عنصر حتي أكبر عنصر. هل تخلع المراسلة كل أثواب الأنثي وهي علي الجبهة؟ لم أفكر لحظة خلال عملي بأنني أنثي، وأرفض أن ينظر إليّ أحدهم علي كوني أنثي بل أنا إنسان في المرتبة الأولي. مع إستمرار وجودك في الجنوب لفترة طويلة هل شعرت بحنين للحياة العادية؟ مجرد التفكير بالحياة الطبيعية لم يعد أمراً متاحاً بالنسبة لنا. مشاعرنا كانت هي نفسها مشاعر النازحين. ومشاعر المواطنين عندما يعرفون بعزيز إستشهد، أو منزل تهاوي، أو صور العجزة غير القادرين علي النزوح. ماهي الذكريات التي ستحملينها عن هذه الحرب؟ صور كثيرة علقت في ذهني وفي ذاكرتي وأعتقد بأنها سوف تلازمني حتي نهاية الحياة، لكن الصورة الأبرز والأكثر حفراً في الذاكرة وفي حنايا القلب عندما دخلنا إلي مستشفي مرجعيون وإلتقينا الطفلة هدي خالد في عمر الـ10 سنوات من بلدة تبنين وسألتني مباشرة هل أنت قادمة لأجلي؟ هذه الطفلة فقدت والدها وشقيقها وشقيقتها خلال العدوان وأصيبت هي بإصابات بالغة. ما هو ردك علي الصحافي البريطاني الذي قال بأن المراسلات العربيات كثيرات علي الجبهة بهدف جذب المشاهدين؟ الزميل هيو مايلز يجهل ماذا يحدث علي الأرض حتي ذهب في هذا التحليل المتحامل والمجافي للحقيقة.2