كارتر في كتابه: سلام وليس تمييزا عنصريا

حجم الخط
0

سيأتي السلام لاسرائيل عندما تلتزم بالقرارات الدولية وتتوقف عن حرمان الفلسطينيين من اراضيهمالاسد تحدث بلغة صلاح دين معاصر.. وزهوة عرفات تعلقت بكارتر الجد.. والسادات هدد بفضح بيغن علنا

عرض وتقديم: ابراهيم درويشفي القراءة الاولي لكتاب الرئيس الامريكي السابق جيمي كارتر، فلسطين: سلام وليس تمييزا عنصريا، لا يختلف السرد الحذر عن اي كتاب يصدر في امريكا عن فلسطين او الصراع العربي ـ الاسرائيلي، الا ان القراءة الفاحصة تظهر رؤية جديدة من الرئيس الامريكي السابق الذي رعي محادثات كامب ديفيد عام 1978، فهي تحاول تقديم رؤية شخصية للرئيس الامريكي السابق الذي بدأت بمعرفة المنطقة في عام 1973 عندما زار اسرائيل بناء علي دعوة رسمية من اسحق رابين حيث كان في حينها حاكما لولاية جورجيا قبل ان يرشح نفسه للرئاسة الامريكية، وفي تلك الزيارة التي قام بها وكانت اول تجربة له في الاراضي المقدسة، وضعت رئيسة الوزراء في حينه غولدا مائير تحت تصرف زوجته روزالين سيارة قديمة وسائقا ودليلا حيث عرفهما علي المعالم الهامة في البلاد، اضافة لزيارة المراكز المسيحية التي درسها وتعلم عنها عندما كان صغيرا. الملاحظات الاولية عن اسرائيل كانت ايجابية نوعا ما، حيث لاحظ كارتر ان اسرائيل وسكانها دولة واعدة، ولم يشاهد مجتمعا عسكريا يلبس سكانه الزي العسكري والذي تنتشر فيه نقاط التفتيش. مشاهدات كارتر الاولية عن الارض المقدسة امتزجت برؤيته كسائح مسيحي للاراضي المقدسة يحاول ان يزاوج بين ذكرياته وما تعلمه عن مهد السيد المسيح، ويعترف انه قارب بين تهجير الفلسطينيين وترحيل الهنود الحمر من مناطقهم في منخفضات الينابيع لور كريك في جورجيا من اجل افساح المجال امام اجدادنا البيض، حيث تم ترحيلهم غربا الي اوكلاهوما فيما عرف بطريق الدموع، لكن اخذ اراضي الفلسطينيين تم بدعم من القانون الدولي. يقدم كارتر جسر اللنبي كعلامة او باروميتر للطريقة التي تعامل فيها اسرائيل سكان الضفة الغربية، ففي السبعينات وفي اول زيارة له للمنطقة يلاحظ ان حركة المرور ذهابا وايابا كانت كبيرة وفي حديثه مع مسؤولي التفتيش علي الجانب الاسرائيلي اكدوا ان عمليات تفتيش روتينية تتم. ولكن الحركة علي الجسر والعوائق ستقام عليه وفي كل مكان لتحول الضفة الغربية لسجن كبير. القصة التي يسردها كارتر معروفة فهي عن السياسات الاسرائيلية وعن المعاناة اليومية التي يعيشها الفلسطيني، وعن الاقتصاد الذي اعادته اسرائيل لعصر ما قبل الثورة الصناعية، وهو عن الاستيطان في الضفة الغربية والجدار العنصري، ففي السبعينات من القرن الماضي كان عدد المستوطنين في الضفة الغربية لا يتجاوز الالف وخمسمئة وبعد اكثر من ثلاثة عقود زاد عدد المستوطنين والمستوطنات الي اكثر من مئتي الف مستوطن، يعيشون علي اراض سرقت من الفلسطينيين. قصة معروفة وسرد مختلفالقصة اذا معروفة لكن طريقة سردها هي المهمة، فهو كرئيس سابق للولايات المتحدة ورجل ترك بصماته علي العملية السلمية من خلال تأمينه اتفاق كامب ديفيد، يقدم لنا ذكرياته عن المنطقة وتحولاتها التي رافقها ورافق الرجال الذين صنعوا احداثها، وظل يراقب ما يسمي الان تحولاتها الديمقراطية، فمركز كارتر الذي يديره وزوجته قام بمراقبة اكثر من ستين عملية انتخابية في العالم، والانتخابات التي جرت في فلسطين منذ اوسلو الذي وقع في ايلول (سبتمبر) 1993 وحتي بداية 2006 تعتبر من اهم العمليات الانتخابية التي قام المركز بمراقبتها، وهي انتخابات عام 1996 و 2005 و2006. ويعترف كارتر ان علاقته بالمنطقة جاءت من اجل تحقيق حلم راوده منذ ان غادر البيت الابيض عام 1980 بعد ان خدم لولاية ثانية فيه هي المساعدة كما يقول تحقيق السلام الدائم للاسرائيليين والاخرين في منطقة الشرق الاوسط. ويعتقد ان الخطوة الاولي للتوصل للسلام هي البحث عن الاسباب التي اوصلتنا للوضع الحالي في المنطقة، والعقبات الموجودة امامنا والاشياء التي كان يجب تحقيقها من اجل السلام والامن. لكن دراما الشرق الاوسط المتفجرة تحمل الكثير من المفاجآت والاثارة، فالكاتب هنا يقدم سلسلة من وجهات النظر المختلفة التي تتمحور حول التوصل للسلام وتحقيقه، ويري ان الوضع الحالي جعل من الحديث عن سلام غير ممكن، بسبب الرغبة الاسرائيلية الدائمة في الاستيلاء والسيطرة علي اراضي الفلسطينيين ورغبة عدد من الدول العربية في عدم الاعتراف باسرائيل وحقيقة وجودها. ومع هذه الرؤية فكارتر يعتقد ان الحل يجب ان يأتي من داخل اسرائيل، ولكن الاشكالية ان كارتر في رحلته شاهد وجهين لاسرائيل، الوجه الذي واجههه في بداية السبعينات من القرن الماضي، واسرائيل في الضفة الغربية والقطاع التي تمارس نظاما تعسفيا وقهريا ضد الفلسطينيين. وفي هذا السياق ينقل عن حاييم وايزمن الذي اصبح رئيسا لاسرائيل وتبني خط الاعتدال مع انه بدأ متشددا قوله ان العالم سيحكم علي اسرائيل بناء علي الطريقة التي ستعامل فيها الفلسطينيين.

يرسم كارتر موقفه عندما عاد لامريكا من رحلته الاولي ويقول انه ظل متابعا لاحداث المنطقة وفي حملته الانتخابية كان يواجه العديد من الاسئلة حول سياسة الولايات المتحدة في المنطقة وكان يحاول تأكيد الموقف التقليدي للادارات الامريكية السابقة من ان الحل يجب ان يتم بناء علي قراري الشرعية الدولية 242 و 338 واللذين يعتبران اي محاولة من اسرائيل للاستيلاء بالقوة علي اراضي الفلسطينيين غير شرعية وان علي اسرائيل الانسحاب من الضفة الغربية والقطاع وبالمقابل فلاسرائيل الحق بالعيش بسلام وامان ضمن حدود معترف بها. واكد كارتر علي ان سياسة الاستيطان في الضفة والقطاع هي غير شرعية وعقبة امام تحقيق اي سلام. امتحان مواقف كارتر جاء بعد انتخابه باسابيع ولقائه مع الرئيس المصري السابق انور السادات الذي التقاه في البيت الابيض في لقاء مطول عبر فيه السادات عن رغبته في السلام، وناقشا خلاله عددا من الموضوعات منها حدود اسرائيل الدائمة، وضع القدس، وحقوق الفلسطينيين. منذ البداية يشعر كارتر ان الرئيس المصري كان جادا في حديثه عن السلام، وبعدها كتب له رسالة بخط اليد وهي التي تحدث عنها الصحافي المعروف احمد بهاء الدين في كتابه حوارات مع السادات، حيث رفعها الاخير متفاخرا واظهر منها ما يشير الي ان موقعها كان الرئيس كارتر. بيغن والساداتيعتقد الرئيس الامريكي السابق ان شخصية السادات وبيغن متناقضتان بشكل كبير، فالزعيم الليكودي الذي انهي عقودا من التسيد العمالي في السياسة الاسرائيلية كان مشغولا في التفاصيل وبنود الاتفاقات ولم يكن معنيا الا بالاستيطان والتمسك بما استولت عليه اسرائيل في حرب عام 1967. ويتحدث كارتر عن اسلوبين في التفاوض، ففي الوقت الذي كان فيه الرئيس المصري لا يهتم بالتفاصيل ويفوض فريقه للعمل عليها كان بيغن معنيا بكل صغيرة وكبيرة، مما سبب احباطات للرئيس المصري الذي هدد بعد زيارته المعروفة للقدس بانه سيحضر لواشنطن ويعقد مؤتمرا صحافيا يفضح فيه بيغن، مما استدعي الرئيس كارتر لدعوتهما معا للتفاوض بعيدا عن اعين الاعلام في منتجع كامب ديفيد. في استعادته لقصة كامب ديفيد يؤكد كارتر ان الاتفاق قام علي اساس الاعتراف بالقرارين 242 و338 كأساس للحل الشامل في فلسطين. ويقول انه كان بامكان اسرائيل تحقيق هذا السلام لو التزمت بحيثيات الاتفاق وامتنعت عن استعمار الضفة الغربية وقطاع غزة في الوقت الذي يعترف العرب فيه باسرائيل بحدود معروفة. ويري كارتر ان الجميع فوتوا فرصة تاريخية، طبعا سيعود للتذكير بما اعترف به الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات بانه اخطأ عندما لم يوافق علي الاتفاقية وعلل عرفات الامر بانه لم يقرأ بنود الاتفاق بشكل جيد، حيث دعت معاهدة كامب ديفيد الي صيغة من الحكم الذاتي للفلسطينيين، وسيذكرنا كارتر بالمبادرة العربية الاخيرة في عام 2002 التي دعت لدولة فلسطينية في حدود 1967 واعتراف كامل عربي باسرائيل، وفي حديثه مع المسؤولين السعوديين، سألهم عن طبيعة الاعتراف باسرائيل اجابوا بانها اقامة علاقات طبيعية مع اسرائيل كعلاقة اي دولة عربية مع دولة اخري، لكن ما يفرق بين معاهدة كامب ديفيد والوضع السابق هو ان الظروف تغيرت فما كان ممكنا وعمليا اصبح تحقيقه صعبا ولكن ليس مستحيلا كما يعترف الكاتب في نهاية كتابه. كارتر في نبرته الكتابية وان كان حذرا في ادانته لاسرائيل الا انه لا يتردد في توجيه النقد لما يراه قرارات تمس السلام الشامل. ومع اعجابه الشديد بالسادات فانه كان يكن اعجابا خاصا وشخصيا لرابين وعزرا وايزمن الذي يقول انه اقام علاقات جيدة مع المصريين وكان يخرج من مقصورته في المنتجع لكي يشرب الشاي والقهوة مع الفريق المصري او يلعب الدومينو او الورق معهم. وفي اثناء الحملة الانتخابية التي لم يفز فيها كارتر قام وايزمن وبناء علي مبادرة شخصية بزيارة للولايات المتحدة حيث طاف المدن الامريكية داعيا اليهود الامريكيين لدعم كارتر وحملته الانتخابية.

يسرد كارتر سيرة اللاعبين الرئيسيين في النزاع، الفلسطينيين والاسرائيليين، وهو في سرده يستعيد ما هو معروف عن رؤية الصراع من كلا الطرفين، ومع انه عندما رعي اتفاق كامب ديفيد كان حريصا علي جلب الفلسطينيين لدعم الاتفاق، وما منعه من الاتصال بعرفات هو ان منظمة التحرير الفلسطينية كانت بحسب الادارة الامريكية منظمة ارهابية ولكن كارتر يقول انه اوصل رسالته لعرفات من خلال قنوات غير مباشرة، ويستعيد في مرحلة ما بعد 1990 لقاءاته المتكررة مع عرفات خاصة في عهد كلينتون وقنوات اوسلو حيث كان كارتر في اليمن عندما تلقي رسالة من عرفات يخبره برغبته في لقائه وكشف له عن المفاوضات التي وصلت نهايتها. في حديثه عن اسرائيل وانشائها يختم كارتر ملاحظاته بالقول بان مستقبل اسرائيل وفلسطين بالضرورة يقرره الاسرائيليون والفلسطينيون، وفي حالة اسرائيل يري كارتر ان مستقبلها لن يقرره العرب عسكريا او حتي من خلال التأثير الامريكي عليها، فمستقبل الضفة والجولان والحقوق الفلسطينية مرهون بالخيارات الاسرائيلية ونقاشاتها الديمقراطية.

عندما تحدث الاسد كصلاح دين معاصرمن بين الزعماء العرب الذين التقي بهم ويعتقد ان بلده لاعب رئيسي في المنطقة هو الرئيس حافظ الاسد، حيث يقول انه دعاه الي واشنطن للقائه الا ان الاسد اخبره بان لا رغبة له، وهي رغبة نهاية بزيارة واشنطن، وعلي الرغم مما يراه كارتر، الا انه قرأ عنه وجمع معلومات عن سورية غير المعلومات التي قدمها له وزير الخارجية السابق هنري كيسنجر، ويعتقد كارتر ان الاسد الذي التقاه في حزيران (يونيو) 1977 في سويسرا يعتبر من اكثر الزعماء العرب فصاحة وصراحة في التعبير عن الموقف العربي فيما يتعلق باسرائيل والسلام ومنظوره. في هذا اللقاء اكد الاسد علي اهمية بناء اي عملية سلمية علي القرارين 242 و 338 ورفض مفاوضات ثنائية واكد علي ضرورة ان يكون الاتحاد السوفييتي حاضرا وجزءا من اية عملية سلمية.

يقدم كارتر استعادة مثيره لحواره مع الاسد الذي قدم له رؤية شاملة عن النزاع وتساءل ان كانت اسرائيل تريد السلام فلماذا تريد الاحتفاظ بالقدس الشرقية وقال ان حدود اسرائيل يجب ان لا تقام علي اراضي الغير ولماذا يجب ان تكون قرب دمشق وبعيدا عن تل ابيب. واكد الاسد علي اهمية القدس التي لو ضاعت لصار المسلمون بلا روح. ويتذكر كارتر لقاءاته المتكررة مع الاسد في دمشق وكيف كان يستمع لتحليلاته حول الوضع في الشرق الاوسط، وغضبه عندما علم بخطة السادات لزيارة اسرائيل، حيث كان يعتقد ان السادات تم التغرير به لكي يقبل محادثات ثنائية مع اسرائيل يستعيد من خلالها سيناء علي حساب المصالح والحقوق العربية. وقامت دمشق بكل الجهود لكي تمنع عقد محادثات مباشرة بين اي طرف عربي واسرائيل، وحتي في الموت لم يتم الغفران للسادات كما يقول كارتر فقد امتلأت شوارع دمشق بالحشود التي ابتهجت باغتياله. ويقول كارتر ان السادات عزز من قوة اسرائيل عندما وافق علي عقد محادثات معها، حيث قال ان اسرائيل لم تكن لتضرب لبنان وتتطاول علي الفلسطينيين لو لم تعقد سلاما اخرج القوة المصرية من المعادلة. يتذكر كارتر لقاء اخر مع الاسد الذي وقف في مكتبه الي جانب رسم يصور معركة حطين عام 1187، حيث ناقش الاسد الحروب الصليبية والحملات الاخري المتعاقبة في الاراضي المقدسة بطريقة توحي انه كان يتحدث كصلاح دين معاصر. كان اخر لقاء مع الرئيس السوري في اثناء جنازة العاهل الاردني الملك حسين عام 1999. حيث يقول ان الاسد الذي كان ضعيفا ومريضا قد حقق بعض النجاحات. بعد وفاته 2000 تولي ابنه بشار السلطة وفي عام 2005 قام بسحب القوات السورية من لبنان. ويقول انه قام بزيارة للمنطقة العام الماضي وخطط لمقابلة الرئيس بشار الاسد واعلم كعادته مجلس الامن القومي، حيث اخبره مستشار الامن القومي انه لن يحصل علي موافقة لمقابلة الاسد. وفي نقاش حاد، قال انه يعرف الرئيس الاسد منذ كان طالبا في الجامعة وانه قد يستخدم تأثيره عليه لحل بعض الاشكالات العالقة بين سورية وواشنطن. واكد ان رفض الحديث مع القادة الذين لا يتفقون مع فكرة الادارة الامريكية سيترك اثارا سلبية. في النهاية كان علي كارتر الانصياع للامر والغاء الزيارة لدمشق. ويقول انه علي الرغم من محاولات احراج واضعاف بشار الا انه نجا حتي الان ولمدة ستة اعوام في منصب يعتبر من اكثر المناصب صعوبة في المنطقة. ويري كارتر ان الاسد اجبر علي ان ينضم لتيار معاد لامريكا في المنطقة، يضم ايران وحزب الله والقوي المعادية لامريكا في العراق. ويشير الي انه عندما تتم العودة واحياء العملية السلمية فستلعب سورية دورا مهما في هذا المجال. اما عن الاردن فيتذكر زيارته الاولي لها مع زوجته وعلاقته بالملك حسين، والتركيبة السكانية للاردن، وغضب الاردنيين من التصريحات الاسرائيلية التي غالبا ما تربط بين الفلسطينيين والاردن كوطن بديل.

السعودية: ثراء ولكن تأثير محدود وحذريقول كارتر انه لا يعرف كثيرا عن لبنان، ولهذا في السنوات الاولي من حكمه طلب من مدير الاستخبارات المركزية سي اي ايه تضمين تقرير عن لبنان، تشكيلته السياسية والفصائل والاحزاب والاليات السياسية المعمولة فيه والتكوين السكاني، الديني والطائفي، وهو يسرد سريعا اهم الاحداث التي مرت في لبنان منذ الثمانينات، ويتوقف عن التواجد الامريكي القصير علي الشواطئ اللبنانية وتفجير السفارة الامريكية ومقر المارينز الذي قتل فيه 241 جنديا في عام 1983. بالنسبة للسعودية يعتقد كارتر ان ثروتها النفطية لا تعني انها تستطيع ممارسة دور سياسي ومؤثر في المنطقة. وهو يعترف ان السعودية وان كانت بعيدة عن فلسطين واسرائيل الا انها لها دور يمكن ان تلعبه. ويتذكر زيارته الاولي، حيث يقول ان السعودية كبلد مغلق يظل غريبا بالنسبة للغربيين الذين يرون انها تشبه حكايات الف ليلة وليلة. ولكن كارتر يتحدث عن علاقاته الخاصة مع المسؤولين السعوديين خاصة الملك فهد الذي كان يلعب دورا مهما في السياسة السعودية عندما كان وليا للعهد. ويعتقد كارتر ان الدور السعودي الحذر في السياسة الاقليمية نابع من كون هذا البلد النفطي محاط بعدد من الدول القوية، كما ان عدد سكان البلد القليل ومحدودية قواته العسكرية يجعل السعوديين، المسؤولين منهم، حذرين وحريصين علي علاقات متوازنة تهدف لتحقيق الاجماع العربي.

بعد عام من خروجه من البيت الابيض، زار كارتر المنطقة ولاحظ ان الامور تغيرت بشكل كبير، حيث قامت اسرائيل بضرب المفاعل النووي العراقي، وزادت حكومة بيغن من خططها الاستيطانية. وكمثال علي تغير المواقف الاسرائيلية وطبيعة الجدل السياسي الذي لا يهدف لشيء مما يشير لحالة من التوتر والتشوش، وفي زيارة له لمكتب بيغن الذي يقول انه لم يكن دائما علي اتفاق دائم معه وتحول خلافه معه في الرأي الي خلاف شخصي. ومع ان كارتر كان يعتقد ان علاقته الشخصية مع قادة اسرائيل ومواقفه الداعمة لهم جعلته يعتقد انه قادر علي ممارسة تأثير عليهم الا ان بيغن كان باردا في لقائه مع كارتر ولم يرد علي الكثير من القضايا المهمة التي طرحها، مثل خيبة امله من ان بيغن لم يف بعهده بتطبيق بنود كامب ديفيد والتوقف عن الاستيطان، كما انه لم يقدم اي بادرة حسن نية نحو الفلسطينيين. ويعلق كارتر ان بيغن كان جالسا امامه في غرفة صغيرة معتمة نوعا ما وتجنب النظر اليه، ولم يعلق الا بكلمات قليلة، وكان اللقاء باردا وغير مثمر، وبعيدا كما يقول كارتر. وكمثال علي التحول والتغير الذي لاحظه كارتر في اسرائيل، الموقف الذي عاينه بنفسه. فهو يقول ان من عاداته عندما يزور القدس ان يصحو مبكرا لكي يشاهد الارض المقدسة في ساعات الصباح الاولي، وفي الغالب يخرج للركض مع اثنين من رجال المخابرات الامريكية وحارسين اسرائيليين ويقول انه يبدأ رحلته الرياضية هذه من باب حيفا، وفي واحدة من جولاته مر علي فلسطينيين كانوا يجلسون علي قارعة الطريق وهم يقرأون الجرائد، فما كان من الحارسين الا ان بدآ بضرب الفلسطينيين وركلهم، مما ادي الي توقف الرئيس السابق واخذ يعتذر للفلسطينيين الذين لم يفهموا ما كان يقوله لهم، وعندما تساْءل عن سبب هذا التصرف، اجابا قائلين ان الامر تم علي خلفية امنية.

كارتر يقول انه خلال العشرة اعوام التي مضت علي تركه المكتب في البيت الابيض كان حريصا علي تعرف وجهة النظر الفلسطينية، حيث كان يزور المناطق الفلسطينية مع زوجته روزالين ويجتمع مع الفلسطينيين في بيوتهم او مراكز البلديات او في الاماكن العامة، وينقل هنا مجمل الشكاوي التي كان يسمعها من الفلسطينيين مثل المنع من التجمع، الحرمان من التنقل بحرية من مكان لاخر، الموقف الاسرائيلي المتشدد ازاء اي عملية احتجاج، القيود الاسرائيلية علي الاقتصاد الفلسطيني، ومصادرة اموال الدعم الدولي التي تقدم لمساعدة القطاع التعليمي والصحي، ويتحدث عن زيارة زوجته روزالين لاكبر مستشفي في غزة وكيف ان مديرها اشتكي من منع اسرائيل ادارة المستشفي لاستخدام سيارات اسعاف لانها لا تتوافق مع المعايير التي تراها اسرائيل مناسبة. وفي حديث مع ايهود باراك رئيس المحكمة العليا الاسرائيلية حول معاملة الفلسطينيين امام المحكمة اعترف له ان الفلسطينيين يجدون صعوبة في توصيل شكاويهم، وان المحامين الاسرائيليين الذين يرغبون في الدفاع عنهم قلة. كما اعترف مسؤول الضفة الغربية بأن له اموالا من الدعم الدولي احيانا تصادر قائلا ان القرار جاء خوفا من استخدام الاموال في انشطة معادية لاسرائيل. ويتحدث في هذه الفترة من علاقته مع فلسطين عن معاناة سكان الخليل الذين يعيشون تحت رحمة 450 مستوطنا متطرفا ويحميهم الاف الجنود الاسرائيليين، ويشير الي 150 نقطة تفتيش اقيمت لتعقيد حياة الفلسطينيين في المدينة. ويقول ان الفلسطينيين باتوا مقتنعين ان هذا جزء من سياسات تهدف لترحيل الفلسطينيين (المسيحيين والمسلمين) عن اراضيهم.

الجدار كسجن لم يتغير وضع الفلسطينيين في الايام الاولي من حكم جورج بوش الاب، حيث يقول ان هدف السياسة الخارجية الامريكية في هذه الفترة كان التركيز علي حل مشكلة الكويت واخراج القوات العراقية منها، ولم يكن هناك قيادة امريكية حقيقية في سياسة الشرق الاوسط قبل حرب الخليج، وعندما بدأ جيمس بيكر، وزير الخارجية رحلاته للمنطقة اثمرت جهوده لعقد مؤتمر مدريد عام 1991، ومع ان المؤتمر لم يؤد لثمار مرجوة الا انه اظهر استعداد كل الاطراف للجلوس علي طاولة المفاوضات. ولكن العائق الرئيسي للسلام ظل كما يقول كارتر، واكده قبله بيكر هو استمرار الاستيطان. في حديثه عن اتفاق اوسلو وكيف علم بقرب توقيعه عندما كان في شمال اليمن، يلاحظ ان العرابين النرويجيين اللذين قاما ببدء القنوات السرية بين الفلسطينيين والاسرائيليين جلسا في الصفوف الخلفية عند توقيع الاتفاق في ساحة البيت الابيض.

يقدم كارتر تقييما لمراقبته للانتخابات الفلسطينية والتي تمت بنجاح في ثلاث مرات ولكنه يرسم خلف هذا صورة عن المعوقات التي تمارسها اسرائيل ضد الفلسطينيين خاصة في القدس الشرقية، وكيف ان الامن الاسرائيلي يخرق تعهداته. وينقل كارتر حادثة ذات دلالة انه عندما زار عرفات في مكتبه في غزة حضرت زوجته سهي مع ابنتها زهوة وكيف انها تعلقت بكارتر الذي اخذ يداعبها كما يداعب احفاده وعندما اخذها عرفات، والدها اخذت تصرخ وتريد البقاء مع كارتر، فعلق الاخير قائلا ان علي الاب ان يقضي وقتا او اوقاتا مع ابنته حتي تعرفه.

في حديثه عن جهود ادارة كلينتون لتحقيق السلام في الشرق الاوسط، يلاحظ تردد رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق ايهود باراك، ويقول كارتر انه في الوقت الذي كان يقوم فيه الرئيس كلينتون بجهود سلام ارتفعت نسبة النشاطات الاستيطانية في الضفة الغربية الي 90 في المئة، حيث زادت بشكل كبير اثناء حكم باراك، وبنهاية عام 2000 كان عدد المستوطنين في الضفة الغربية قد زاد عن 225 الف مستوطن. ويقول ان احسن عرض تلقاه الفلسطينيون من كلينتون وليس باراك سحب 20 بالمئة من المستوطنين والابقاء علي 180 الفا في مساحة 10 بالمئة من اراضي الفلسطينيين. ويقول كارتر ان الارقام عادة مضللة لانها تتحدث فقط عن مساحة المستوطنات الحقيقية ولكنها لا تشمل المناطق التي صودرت لحماية المستوطنين وانشاء الشوارع الخلفية. ويقول ان تفتيت القري والمدن الفلسطينية من خلال الشوارع الالتفافية ونقاط التفتيش العسكرية والمناطق الاضافية لحماية المستوطنات جعل من اي عرض للفلسطينيين امرا مثيرا لان اي قائد فلسطيني سيرفض العرض. وهنا يقول انه علي الرغم من تضليل الارقام الا ان البيانات الرسمية من الادارة الامريكية واسرائيل كانت ناجحة في القاء اللوم علي عرفات.

يستعرض الكاتب اثر جدار الفصل علي حياة الفلسطينيين الذي يقول انه بني علي اراضي الفلسطينيين، حيث يصفه قائلا الجدار كسجن مشيرا الي انه في غياب المبادرات الدبلوماسية بادرت اسرائيل وقادتها الي اتخاذ سلسلة من القرارات الفردية متجاوزة واشنطن والفلسطينيين، حيث رأي قادة اسرائيل ان بناء جدار حول ما تبقي من الضفة الغربية سيحل مشكلة الفلسطينيين. ويقول ان اسرائيل تقوم باستخدام قوتها العسكرية والسياسية من اجل فرض نظام من الانسحاب الجزئي، وانشاء نظام تمييز، والفرق بين التمييز العنصري في جنوب افريقيا والتمييز الذي تقوم به اسرائيل ان الاول قام علي فكرة تفوق البيض علي السود عنصرية اما الثاني فهو محاولة اسرائيلية للسيطرة والاستيلاء علي اراضي الفلسطينيين.

ما يميز قراءة كارتر للوضع في الاراضي الفلسطينينة انها قراءة وان بدت حذرة الا انها تضع الكرة في ملعب الاسرائيليين وتحدد ان جذور المسألة تكمن في الجانب الاسرائيلي الذي يبدو مصمما علي مواصلة سياساته الاستيطانية واخذ اراضي الفلسطينيين بالقوة حتي وان ادي هذا لحرمانهم من حقهم في الحياة الكريمة الامنة في بلادهم. وهذا يبدو السبب الرئيسي الذي جعل الكثيرين في امريكا يرفضون الكتاب ويتهمونه بتزوير الحقائق، فكارتر وان بدا في تحليله للجذور التاريخية للصراع مقتصدا ولا يدخل في التفاصيل الا ان ما يعوض هذا القصور هو انه كان في قلب الاحداث منذ ان زار المنطقة في سبعينات القرن الماضي وعندما اصبح رئيسا واخيرا كمدير ومسؤول لمركز كارتر الذي يدعم قضايا الديمقراطية والتنمية في دول العالم الثالث. والكتاب هو في النهاية قراءة ذاتية وسيرة للاحداث التي عايشها عن قرب او خبرها من خلال علاقاته مع قادة المنطقة. ومن هنا تبدو مهمة ومقلقة للكثيرين الذين يتجنبون احيانا الحديث في القضايا الجدلية، وصراحة الكاتب هنا في التحليل لا تعني انه كان حادا في نقده لسياسات الادارة الامريكية تجاه المنطقة، فهو مثل غيره من الامريكيين في موقع السلطة والقرار لا يشكك في حق اسرائيل بالوجود ويربط بين وجودها ووجود دولة فلسطينية باعتراف عربي وتطبيع مع اسرائيل. لكنه في بحثه عن معوقات السلام والتقدم يضع النقاط علي الحروف ويري ان اسرائيل في سياساتها الاستيطانية تقتل اي منظور لسلام دائم في المنطقة وبالتالي حل عادل للقضية الفلسطينية وهذا جوهر الكتاب، وفي هذا شجاعة ادبية يستحق كاتبها التقدير والاحترام، وهي لم تأت بناء علي صحوة ضمير وشعور بالذنب ولكنها نتاجا للمتابعة والمراقبة والمحاولة. وكلمات كارتر في نهاية كتابه تشي بهذا الحس: سيأتي السلام لاسرائيل والشرق الاوسط، فقط عندما تكون اسرائيل مستعدة لتطبيق القرارات الدولية، والاعتراف بخريطة الطريق للتسوية، والالتزام بالسياسة الامريكية، والالتزام بآمال وتطلعات الغالبية من مواطنيها، والوفاء بتعهداتها السابقة، والقبول بحدودها القانونية. وكل الجيران العرب لاسرائيل يجب ان يتعهدوا بالاعتراف بحق اسرائيل في الوجود وبسلام ضمن هذه الشروط. الولايات المتحدة تقوم بالتأثير علي موقعها المتميز دوليا ونواياها الحسنة وتزيد من مظاهر العداء الدولية لها، من خلال دعمها غير الرسمي او مراهنتها علي مصادرة اسرائيل واستعمار اراضي الفلسطينيين. ويختم قائلا ستكون مأساة للفلسطينيين والاسرائيليين والعالم حالة رفض السلام والسماح لنظام الاضطهاد والتمييز العنصري والعنف المتواصل بالبقاء والاستمرار.

جيمي كارتر: ولد في بلينز في ولاية جورجيا، وخدم في البيت الابيض كرئيس رقم 39 للولايات المتحدة، وقام مع زوجته روزالين بانشاء مركز كارتر، وهو منظمة غير ربحية تساعد في حل النزاعات وتعزيز الحرية والديمقراطية وتعزيز الصحة في كل انحاء العالم. وكتب العديد من الكتب ساعة قبل انبلاج الفجر، وكتاب قيمنا المهددة بالخطر، عيد الميلاد في بلينز، محاسن الشيخوخة، الدين الحي، دم ابراهيم: نظرة فاحصة للشرق الاوسط، التمسك بالايمان: مذكرات رئيس، وغيرها..Palestine: Peace not Apartheidjimmy CarterSimon & SchusterNew York, London/ 20067

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية