حلب – “القدس العربي”: تعد الأزمة الإنسانية التي تشتد بشكل يومي في الشمال السوري، الأخطر والأكبر منذ اندلاع الثورة السورية في البلاد عام 2011، فموجات النزوح من كل حدب وصوب نحو مصير مجهول تزداد مع كل عمل عسكري للنظام السوري وروسيا في محافظتي إدلب وحلب، كما أن المواقف الدولية التي توصف بالهزيلة حتى الساعة تعود بنتائج عكسية على السوريين، وتدفعهم للنزوح، إذ يعتبر الغالبية اليوم في منطقة خفض التصعيد شمال البلاد، أن الصمت الدولي والعجز مؤشران لتصاعد أعمال العنف أكثر من المستويات التي وصلت إليها.
ووفق المصادر الحقوقية فقد وصلت أعداد النازحين جراء الحرب المتصاعدة إلى أكثر من مليون ونصف مليون نازح منذ توقيع اتفاق سوتشي في روسيا عام 2018 النازحون في الشمال السوري يفترشون الحقول والحدود والمناطق الجبلية، ومنهم من اتخذ من المحال التجارية مساكن لهم، وآخرون استوطنوا في السجون، وتحولت ساحات تلك السجون إلى باحات لعب للأطفال الذين باتوا خارج المدارس التعليمية، وغياب تام للاستقرار وكذلك المستقبل.
في حين وثق فريق “منسقو استجابة سوريا” مقتل 1992 شخصًا، بينهم 549 طفلًا، خلال الفترة ذاتها. فمنذ منتصف كانون الأول/ ديسمبر الماضي صعدت قوات النظام السوري والميليشيات الإيرانية، المدعومة بغطاء جوي روسي، عملياتها في إدلب، لتسيطر على عشرات القرى والبلدات كان آخرها معرة النعمان وسراقب، أدت إلى مقتل العشرات من المدنيين، وتهجير قرابة مليون، جزء كبير منهم نزح مرتين أو ثلاث مرات خلال وقت قصير.
في حين طالب الفريق بضرورة فتح تحقيق دولي كامل حول الجرائم التي ارتكبت من قبل قوات النظام السوري وروسيا وإيران من قتل للمدنيين، وعمليات التغيير الديموغرافي، وقصف واستهداف الطرقات الرئيسية العامة بشكل متواصل الأمر
الذي يعرض حياة مليون و200 ألف مدني سوري إلى النزوح نحو مدينة إدلب ومحيطها، إضافة إلى قيام القوات المهاجمة على منطقة خفض التصعيد في الشمال السوري بتدمير ما يزيد عن 120 منشأة خدمية خلال الأشهر القليلة من العام الحالي.
ووجهت المنظمات الدولية في بيان مشترك نداء عاجلاً لوقف فوري لإطلاق النار مع استمرار تصاعد الأعمال العدائية في شمال غربي سوريا، وحذرت من أن مئات الآلاف من الناس غالبيتهم من النساء والأطفال، الذين يفرّون من أعمال عنف لا هوادة فيها عالقون في كارثة إنسانية.
مدينة في مرحلة الخطر
لم تعد عمليات النزوح تشمل فقط المدن والبلدات الداخلة في مرحلة الحرب المباشرة، بل انتقل صداها إلى داخل مدينة إدلب والبالغ عدد قاطنيها أكثر من مليون سوري، إذ بدأت الهواجس الأمنية تحيق بالعائلات، وسط موجات نزوح لا تزال قليلة استباقا للمصير المجهول الذي ينتظرها، في حين اختارت الغالبية البقاء فيها إلى أطول فترة ممكنة، وتفضيل الانتظار المخيف على النزوح والتشريد المبكر.
محمد أبو خالد، وهو نازح سوري من غوطة دمشق الغربية، يقيم في إدلب المدينة، يقول لـ “القدس العربي”: نزحت وعائلي مجبراً إلى الشمال السوري منذ عامين ونيّف، لم أستطع الظفر بمنزل لانعدام المقومات المادية، وأقيم مع عائلتي بغرفة لا تتجاوز مساحتها الأمتار الستة داخل أحد مساجد المدينة.
اليوم أصبحت هذه الغرفة الصغيرة تشبه “القصر” فإن خرجت منها، ربما لا أستطيع، وسط النزوح غير المحدود، من الحصول على خيمة في أحد الجبال الجرداء، بل أفضل البقاء هنا أطول وقت ممكن. وبكل الأحوال ليس بوسعنا اختيار هذا أو ذاك، وكله يفرض علينا بالقوة.
تركيا من جانبها تعتزم بناء وحدات سكنية للنازحين السوريين في المناطق المحاذية للشريط الحدودي مع سوريا، ضمن مخطط إقامة “منطقة آمنة”، إذ أشار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى أن بلاده تريد تأسيس منطقة آمنة للسوريين، من خلال هذه الوحدات السكنية، مشيرًا إلى أن العمل على بنائها مستمر بمساعدة عمال سوريين.
عجز أممي ودولي
وقال المبعوث الأممي إلى سوريا غير بيدرسون، خلال جلسة لمجلس الأمن حول إدلب يوم الخميس الماضي: “لا بد من وقف لإطلاق النار في إدلب، ولابد من إيصال المساعدات للمدنيين”، مذكّراً بأن “إدلب ملاذ لمئات آلاف اللاجئين السوريين”. وتابع: “أهيب بإيجاد حل للأعمال العدائية في إدلب”، إلا أنه استدرك قائلاً: “لا يوجد لدي حل سحري”.
وأضاف، “هناك حاجة ملحة وعاجلة لوقف النار في إدلب”، وتابع قائلاً: “فقدنا الرؤية الصحيحة للوضع في ريف إدلب”. وأوضح أن “إدلب تضم مقاتلين رافضين للتسوية”، مضيفاً: “يجب عزل المقاتلين الأجانب وتقييد حركتهم”.
واقترح بيدرسون، خطوات من أجل حل ملف إدلب في الشمال السوري، منها إرسال قوى دولية بموافقة النظام السوري.
أما المنسق للشؤون الإنسانية والإغاثة في الأمم المتحدة مارك لوكوك، فقال: “رأينا تصعيداً كبيراً في الأسبوع الأخير” في شمال سوريا “والقصف طال الأحياء الشرقية لحلب”، موضحاً أن “أكثر من 40% من القصف طال مناطق خارج سيطرة قوات النظام”.
وأضاف أن “البنى التحتية المدنية تعرضت للقصف و53 منشأة طبية توقفت عن العمل في إدلب، بينما تعرضت 3 منشآت طبية للقصف في ريفها”، مشيراً إلى أن “خطر انتشار الأمراض وخاصة كورونا قد يصل إلى مناطق الاقتتال”.
واستطرد لوكوك قائلاً: “الحل الوحيد للأزمة الإنسانية (في إدلب) هو من خلال وقف القتال الفوري”، وأردف: “شهدنا حتى الآن عمليات نزوح هائلة باتجاه الشمال نحو المناطق الخاضعة للسيطرة التركية في عفرين والباب وأعزاز، ويصل عدد النازحين إلى تلك البلدات أكثر من 144 ألف شخص”.
كما كشف لوكوك عن تخصيص 30 مليون دولار لدعم العمليات الإنسانية في إدلب من خلال صندوق الأمم المتحدة للاستجابة الطارئة.
على صعيد مجلس الأمن، اعتبرت المندوبة الأمريكية أنه “لا يمكن الوثوق باتفاق أستانا.. روسيا تغطي الدمار الذي تسببه قوات النظام… نظام الأسد زاد من تدهور الأزمة الإنسانية”، في حين طالبت بريطانيا بوقف إطلاق نار “مستدام” في سوريا، مشيرة إلى أن النظام “ضرب عرض الحائط باتفاق وقف النار”.
حقوقي: روسيا سبب المأساة
حمل مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني، روسيا مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع الإنسانية في الشمال السوري، واعتبر أن العامل الأساسي في تهجير السوريين، هو المقاتلات الحربية الروسية، ووجود عجز دولي عن ايقاف الحملة الوحشية، إذ أن موسكو تتحمل المسؤولية الأكبر عن تهجير السوريين.
ما يميز إدلب في هذه المرحلة من الجهة الحقوقية تواجد أعداد كبيرة من السوريين المهجرين والنازحين من بقية المحافظات السورية، وحالة من التغاضي عن موجات النزوح التي حدثت مؤخراً من مدينتي خان شيخون ومورك، فموجات النزوح المتراكمة من هاتين المنطقتين تتسبب بضغط مضاعف على الأوضاع الإنسانية، خاصة بعد استهداف مواقع جديدة من قبل النظام السوري وروسيا.
لقد عاش الشمال السوري، حسب ما قاله عبد الغني، لـ “القدس العربي”: ضغوطا كبيرة بسبب سياسة النزوح التراكمي، وهنا الوضع يختلف عن موجات نزوح من الغوطة الشرقية، إذ أن المهجرين ما أن مكثوا ببعض المناطق في ريف إدلب، حتى عادت الهجمات مما اضطرهم للنزوح مجدداً مع السكان الذين كانوا يقطنون في المواقع التي استهدفت مؤخرا.
كما كان هنالك ضعف في نسبة الاستجابة الإغاثية، وهذا الضعف مرده إلى سيطرة هيئة تحرير الشام على مساحات واسعة من محافظة إدلب شمالي سوريا، مما جعل قسما كبيرا من المنظمات الإغاثية الممولة دوليا تكف عن دعم هذه المنظمات، ووصل ذلك إلى المنظمات القائمة في مناطق السيطرة المشتركة مع المعارضة السورية.
إن وجود هيئة تحرير الشام، هو سبب معاناة كبيرة للسوريين، وحرمانهم من المساعدات الدولية، والموقف الحالي هو أصعب موقف إغاثي واجه السوريين منذ انطلاق الثورة في البلاد، ولا يمكن تخيل حجم المعاناة الحالية، بسبب هذه العوامل.
وتم إنشاء مئات المخيمات كـ “تجمعات صغيرة” في الحقول والمناطق غير المؤهلة، وسط انعدام أبسط المقومات، مما يعكس – حسب المصدر الحقوقي- حالة الضعف التي آلت إليه المساعدات الإنسانية. يضاف إلى ذلك ضعف الاستجابة السياسية الدولية على صعيد الإدانات وخاصة تلك الجرائم التي وصلت إلى مستوى جرائم حرب، ولم نوثق إدانات أوروبية أو دولية واضحة لهذه الانتهاكات، مما يولد حالة من الإحباط بين الأهالي، وصولا إلى غياب المناصرة للمدنيين.
جرائم حرب
وثق تقرير صادر عن الشبكة السورية لحقوق الإنسان- منظمة غير حكومية، خلال شهر كانون الثاني/ يناير المنصرم، ما لا يقل عن 111 حادثة اعتداء على مراكز حيويَّة مدنيَّة، 105 من هذه الهجمات كانت على يد قوات الحلف السوري الروسي ومعظمها في محافظة إدلب.
وكان من بين هذه الاعتداءات 14 حادثة على مدارس، و3 على منشآت طبية، و33 على أماكن عبادة. وذكر التقرير الحقوقي أنَّ الأدلة التي جمعها تشير إلى أنَّ الهجمات وُجّهت ضدَّ المدنيين وأعيان مدنية.
وقد ارتكبت قوات الحلف السوري الروسي جرائم متنوعة من القتل خارج نطاق القانون، إلى الاعتقال والتَّعذيب والإخفاء القسري، كما تسبَّبت هجماتها وعمليات القصف العشوائي في تدمير المنشآت والأبنية، وهناك أسباب معقولة تحمل على الاعتقاد بأنَّه تم ارتكاب جريمة الحرب المتمثلة في الهجوم على المدنيين في كثير من الحالات.
كما أكَّد التقرير على ضرورة توقُّف النظام السوري عن عمليات القصف العشوائي واستهداف المناطق السكنية والمستشفيات والمدارس والأسواق واستخدام الذخائر المحرمة والبراميل المتفجرة، وإيقاف عمليات التعذيب التي تسبَّبت في موت آلاف المواطنين السوريين داخل مراكز الاحتجاز والكشف عن مصير قرابة 82 ألف مواطن سوري اعتقلتهم الأجهزة الأمنية وأخفت مصيرهم حتى الآن والامتثال لقرارات مجلس الأمن الدولي والقانون العرفي الإنساني.
السوريون يحرقون منازلهم
وفي مشاهد تعكس الأهوال التي آلت إليها أوضاع السوريين أظهرت مقاطع مصورة متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي، قيام عدد من السوريين بإحراق منازلهم بأيديهم قبل الخروج منها نحو رحلة نزوح لا يعرفون فيها أين الوجهة وأين المستقر.
ويقول بعض الذين أحرقوا منازلهم بما بقي فيها من أمتعة لم يستطيعوا حملها معهم: بإنهم أقدموا على ذلك بهدف منع قوات النظام السوري من الاستفادة منها، أو المكوث فيها، فهم – أي قوات النظام-ليسوا بأحق من أصحابها فيها.
من جانبه يقول خالد عبد العزيز، سوري نزح مؤخراً إلى المناطق الجبلية الحدودية مع تركيا: لقد أفنيت 7 سنوات من حياتي في تحصيل منزل بريف حلب الغربي، وصلت الليل بالنهار لأسدد الأقساط المالية له، لكن المعارك هناك أجبرتني على الرحيل عنه مع عائلتي ومعنا فقط حقائب لا تكفي لشخصين، وأنا اليوم أسكن في هضبة جبلية لا يوجد فيها أي نوع من أنواع الخدمات، منطقة تغزوها العقبان ومليئة بالأشواك، لكنها آمنة حاليا لأطفالي، ولا أدري ما إذا أبقى هنا، أو ستجبرني الأيام على النزوح مجدداً.
وأشار عبد العزيز في حديثه لـ “القدس العربي”: هذه الهضبة تضم قرابة 200 ألف سوري، نزوحوا من أرياف حلب وإدلب. وفي وصف المشهد الحالي يقول: “والله لو نثرت بعضا من التراب في السماء، لما سقطت منه ذرة على الأرض، بل يستقر فوق رؤوس النازحين هنا”، في إشارة منه إلى مدى اكتظاظ المنطقة غير المؤهلة بالعائلات.