بغداد ـ «القدس العربي»: أطلقت العديد من الهيئات المالية الدولية وخبراء الاقتصاد، صرخات تحذير من كارثة تهدد مستقبل الاقتصاد العراقي نتيجة ارتفاع الدين الداخلي إلى مستويات تاريخية غير مسبوقة، لتغطية العجز الكبير في الميزانية، وسط نقص السيولة المالية ومخاوف حقيقية من انخفاض متوقع لأسعار النفط العالمية، ما يعرض الرواتب والمشاريع إلى مخاطر عميقة.
وتسود هذه الأيام لدى الموظفين والمتقاعدين في العراق مخاوف جدية من عدم تمكن الحكومة من دفع رواتبهم في حال استمرار مستوى الانفاق الحكومي المرتفع مقابل تدني الموارد المالية، وخاصة بعد أن أطلق العديد من الخبراء الاقتصاديين تحذيرات من عواقب انخفاض أسعار النفط العالمية لأقل من 60 دولارا، حيث سيشكل ذلك أعباء ثقيلة على الاقتصاد العراقي ويضع الحكومة في موقف صعب في توفير مستحقات الرواتب والمشاريع.
تحذيرات الخبراء من الكارثة
وفي ضوء المخاوف المشروعة من تزايد أعباء الدين الداخلي، حذر العديد من خبراء الاقتصاد والمال من المخاطر المتوقعة لارتفاع الدين العام.
وحذر الخبير الاقتصادي، منار العبيدي، من «خطورة» ارتفاع الدين الداخلي في العراق، الذي أكد أنه شهد ارتفاعًا خلال سنة واحدة، ما يعادل 4 سنوات من 2020 إلى 2023.
وذكر العبيدي في تدوينة على مواقع التواصل، تابعتها «القدس العربي»، أنه «خلال عام واحد، شهد الدين الداخلي للعراق زيادة كبيرة بمقدار 13 تريليون دينار عراقي، وهو ما يمثل 4 في المئة من إجمالي الناتج المحلي»، مبينًا أن «هذه الزيادة في الدين الداخلي خلال سنة واحدة فقط فاقت حجم الزيادة المسجلة خلال أربع سنوات كاملة من 2020 إلى 2023، حيث ارتفع الدين الداخلي خلال تلك الفترة بـ 6 تريليون دينار فقط، أي ما يعادل 2 في المئة من الناتج المحلي».
وبالنسبة للعبيدي، فإن «اللافت أن هذه الزيادة جاءت رغم ارتفاع أسعار النفط في عام 2024 مقارنة بالسنوات الأربع السابقة، ما كان من المفترض أن يخفف من الحاجة إلى الاقتراض الداخلي، إلا أن زيادة الدين الداخلي رفعت نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي لتصل إلى 25 في المئة». ونوه العبيدي إلى «أن استمرار النمو السنوي للدين بنفس الوتيرة، إلى جانب احتمال انخفاض أسعار النفط في المستقبل، قد يؤدي إلى تجاوز نسبة الدين 60 في المئة من الناتج المحلي، وهو مستوى خطير ربما يعرضه إلى خفض تقييمه الائتماني الدولي».
ويوضح العبيدي الخلل في «كيفية توجيه الدين الداخلي، حيث يتم إنفاق معظم هذه الأموال على نفقات تشغيلية بدلاً من توجيهها نحو مشاريع استثمارية إنتاجية»، مؤكدًا أن «هذه النفقات التشغيلية لا تخلق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني ولا تسهم في تحسين الناتج المحلي، ما يجعل عملية سداد هذا الدين أكثر تعقيدًا في المستقبل»، مبينًا أن «13 تريليون دينار عراقي كزيادة سنوية في الدين الداخلي ليس مجرد رقم، بل جرس إنذار يتطلب من صناع القرار إعادة النظر في استراتيجيات الإنفاق. من الضروري توجيه هذه الأموال نحو مشاريع استثمارية يمكنها تعزيز الاقتصاد الوطني ورفع الناتج المحلي، بدلاً من الاعتماد عليها لتغطية النفقات التشغيلية المتزايدة».
وكشف العبيدي أن «كل هذه التحديات الاقتصادية تعود إلى ارتفاع النفقات العامة، ما يستدعي ترشيد الانفاق وتوجيهه بالاتجاه الصحيح. إذا لم يتم اتخاذ خطوات فورية لضبطه، سنواجه في المستقبل القريب مستويات غير متوقعة من الدين، ما سيضع الاقتصاد العراقي في وضع لا يُحمد عقباه»، مؤكدا أن «معالجة مشكلة الدين الداخلي تتطلب إرادة سياسية قوية وخططًا اقتصادية مستدامة، لأن استمرار الوضع الحالي قد يؤدي إلى أزمة اقتصادية أعمق لا يمكن الخروج منها بسهولة».
وكشف الخبير الاقتصادي محمود داغر، في لقاء تلفزيوني، عن وصول الاقتصاد العراقي إلى حالة الحرج، لافتاً إلى أن الوضع المالي لا يسمح بدفع غير الرواتب، والدين العام الداخلي ازداد من 69 ترليون دينار إلى 85 ترليونا، ولا توجد مبالغ لأي شيء آخر للمشاريع، مذكراً بوضع العراق أيام التسعينات (الحصار) في حال فرضت عقوبات على مصارف مهمة، فيما نصح الحكومة باعتماد سعر 60 دولاراً لبرميل النفط في موازنة 2025، كما دعا النواب الذين يفهمون في الاقتصاد إلى تشكيل لوبي لتغيير الاتجاهات الاقتصادية والضغط للحد من الانفاق الاستهلاكي.
وكشف داغر وخبراء اقتصاد آخرون سبب لجوء حكومة بغداد إلى الاقتراض الداخلي وليس الخارجي، وهو ان البنك الدولي يضع العراق ضمن الدول المتوسطة في الاقتصاد، وهو مستوى يمنع البنك من منح القروض لتلك الدول لكون وضعها المالي غير سيء، في ضوء حجم تصديرها للنفط
أما صندوق النقد الدولي فقد حذر في آخر تقرير له من تضاعف الديون في العراق، عبر زيادة العجز، إذ توقع «أن يصل عجز المالية العامة إلى 7.6 في المئة في عام 2024 وأن يتسع أكثر بعد ذلك مع الانخفاض التدريجي المتوقع في أسعار النفط على المدى المتوسط»، ما يؤدي إلى «تضاعف الدين العام تقريبًا من 44 في المئة في عام 2023 إلى 86 في المئة بحلول عام 2029».
ورغم أن رئيس الحكومة محمد السوداني، أعلن خلال افتتاح معرض بغداد الدولي في شباط/فبراير 2025، إن ديون العراق الخارجية انخفضت إلى أدنى مستوياتها، وان الإيرادات غير النفطية في العراق ارتفعت إلى 14 في المئة بعد أن كانت 7 في المئة، إلا ان إيرادات موازنة 2024، وفقاً للسوداني، بلغت 144 تريليون و336 مليار دينار، في حين بلغت النفقات 210 تريليونات و936 مليار دينار، حيث بلغ العجز 64 تريليون دينار (نحو 48 مليار دولار).
وجاء قلق المواطنين عندما تداولت وسائل الإعلام ومواقع التواصل، مراسلة رسمية صادرة من وزارة المالية بتاريخ 9 شباط/فبراير الحالي، تشير إلى وجود «عجز كبير» في تأمين الرواتب، وذلك في خطاب رسمي بين وزارة المالية ومكتب رئيس الوزراء، وحمل توقيع وزيرة المالية طيف سامي، التي قالت فيه «تعاني الخزينة من عجز كبير في تمويل الرواتب والرواتب التقاعدية وشبكة الحماية».
وكان مظهر محمد صالح، المستشار المالي للسوداني، أشار العام الماضي إلى «انخفاض في مقدار الديون المستحقة الخارجية»، وذلك «لانتظام العراق في تسديد ديونه الخارجية المستحقة سنويًا والتي لم يتبق منها سوى ما يقارب 20 مليار دولار».
وقال صالح، إن الديون الخارجية للعراق تمثّل 20 في المئة من الناتج المحلي، الا انه أكد «ان قيمة العجز في موازنة عام 2024 يصل إلى 64 تريليون دينار». وأقر أن «ما نشهده اليوم من الصراعات السياسية، وأسباب أخرى أدت إلى تشتيت للموارد الاقتصادية».
وبدوره كشف وزير التخطيط، محمد تميم، في (27 آذار/مارس 2024)، عن ارتفاع عجز الموازنة إلى 80 تريليون دينار، حيث تعوض الحكومة هذا النقص بالقروض الخارجية والداخلية.
فيما ذكرت وزارة المالية العراقية، أن العائدات المتأتية من النفط انخفضت قليلاً إلى 88 في المئة، إلا أنه ما يزال يشكل المورد الرئيسي للموازنة العامة، ما يشير إلى أن الاقتصاد الريعي هو الأساس في موازنة البلاد.
وأشارت جداول المالية إلى أن إجمالي الإيرادات لعشرة أشهر من عام 2024 بلغت 124 تريليوناً و659 مليار دينار، وإن إيرادات النفط تشكل 88 في المئة من الموازنة العامة، في حين بلغت الإيرادات غير النفطية 12 في المئة من الموازنة العامة.
ولعل أحد أسباب تراكم الدين الداخلي هو ارتفاع المبالغ المخصصة للاستيراد التي يتم تحويلها إلى الخارج، وعدم مطابقتها مع أرقام الواردات من السلع والخدمات، وبالتالي فهناك دائما عجز في الميزانية.
فقد سجل العراق 70 مليار دولار سنويا، استيرادات موزعة بواقع 60 مليار دولار للقطاع الخاص و10 مليارات دولار للقطاع الحكومي التي تتم عبر مصارف أهلية ومصرف حكومي واحد.
ويقول خالد البياتي الباحث في الشأن الاقتصادي، إن «العراق يصدر سلعة واحدة (النفط) ويستورد الآلاف من السلع، ولذا فهو اقتصاد مثالي لاستدامة الاستيرادات بعد ان انتهت مساهمات القطاعات السلعية وحتى الخدمية».
وأضاف، أن «العراق يستورد 60 مليار للقطاع الخاص ويتجاوز 10 مليارات دولار للقطاع العام، فمن المنطق ان يتحول العراق إلى متجر يستورد لسد احتياجاته بدليل حجم الاستيراد الكبير الذي يسجل زيادة في كل عام».
ووصل حجم التبادل التجاري للعراق في منتصف 2024 مع مجموعة دول إلى 65 مليار دولار بارتفاع بلغت نسبته 10 في المئة مقارنة مع نفس الفترة من 2023 ومتوقع أن يبلغ حجم التبادل التجاري لغاية نهاية 2024 بحدود 130 مليار دولار.
ولا يختلف الخبراء الاقتصاديون على أن لجوء حكومة بغداد إلى زيادة الديون الداخلية لتغطية العجز الكبير الدائم في الميزانية ولتحقيق أهداف سياسية (محاولة إرضاء الشارع والأحزاب)، هو أبرز مؤشرات الفوضى في السياسة المالية والفشل في إدارة موارد العراق، إضافة إلى مؤشرات أخرى أبرزها زيادة الانفاق التشغيلي على حساب الانفاق الاستثماري، وتضخم الجهاز الإداري الحكومي وتعدد الرواتب والامتيازات للمسؤولين والأحزاب المتنفذة، والفساد والتهريب الهائل للدولار عبر بيع العملة في البنك المركزي العراقي، والتنفيذ العشوائي للمشاريع خدمة لمصالح حيتان الفساد، مع إهمال قطاعات مهمة كالصناعة والزراعة والسياحة وغيرها، وسط القناعة بأن تفاقم الدين الداخلي في حالة انخفاض أسعار النفط، أو فرض عقوبات مالية أمريكية، ستكون له آثار كارثية على الاقتصاد والمواطنين في العراق.