كارثة البحرين: ما حاجة الفلسطينيين لأموال ستديرها إسرائيل؟

حجم الخط
0

الاحتجاجات ضد عقد «المؤتمر الاقتصادي» في البحرين، التي ملأت الشبكات الاجتماعية العربية، أوضحت مرة أخرى الفجوة التي بين قرارات الزعماء العرب والشعوب العربية. «فلسطين لا يمكن أن تُشترى بـ 50 مليار دولار أو بـ 500 مليار دولار»، غرد د. عبد الخالق عبد الله، المحاضر للعلوم السياسية في دولة اتحاد الإمارات. في الوقت نفسه شكر جميع رجال الأعمال في دولته الذين رفضوا دعوة الولايات المتحدة للمشاركة في المؤتمر. متصفحون آخرون انتقدوا بشكل شديد ما سموه «التطبيع الذي تجريه البحرين ودول الخليج الأخرى مع إسرائيل». وآخرون اقتبسوا بشكل موسع أقوال مراسلين صحافيين إسرائيليين تأثروا من هبوطهم للمرة الأولى في هذه الدولة الصغيرة. في حين جرت في المناطق مظاهرات غير كبيرة احتجاجاً على ما سماه شخص ما «كارثة البحرين».
ولكن بين طلب وقف التطبيع مع إسرائيل ومعارضة «شراء» فلسطين بالمال، ولدت في البحرين سابقة لا يمكن تجاهلها، لقاء علني برعاية أمريكا بين العرب والإسرائيليين، من أجل التباحث في النزاع بين إسرائيل والفلسطينيين. لقاء لم يكن هناك منذ عشرات السنين لقاء يشبهه.
يبدو أنه قيلت وكتبت جميع التحفظات عن هذا المؤتمر. إنه من غير مشاركة الفلسطينيين ومن غير تمثيل إسرائيلي رسمي لا يمكن الحديث حتى عن تحريك العملية السلمية أو إجراء مفاوضات. المقاطعة الفلسطينية ربما هي علنية وصارخة بشكل أكبر، لكن الطرف الإسرائيلي أيضاً لم يتحمس بشكل كبير للخطة التي تشمل ضمن أمور أخرى إقامة معبر بين غزة والضفة.
في ظل غياب حكومة دائمة في القدس ـ وفي ظل التركيبة السياسية التي تدير الدولة الآن بدون صلاحية أو رغبة في دفع خطوات سياسية مع الفلسطينيين ـ فإن إسرائيل الآن في نفس المستنقع الرافض، مع الفلسطينيين. النزاع الداخلي الفلسطيني بين فتح وحماس سيستمر في العمل مثل سور منيع ضد العملية السلمية وسيسلح إسرائيل بذريعة قوية ضد التفاوض مع محمود عباس. الخلافات الإسرائيلية الداخلية واستمرار حكم اليمين سيعمل على وقف أي محاولة أمريكية أو غيرها من أجل التقريب بين الطرفين.
ولكن تقديم القسم الاقتصادي في الخطة على القسم السياسي ليس بالضرورة عقبة لكل العملية. لقد قال مستشار دونالد ترامب في السابق بأن الأمر يتعلق برؤيا. على ذلك ستضطر الدول المانحة، لا سيما السعودية ودولة الإمارات، للإجابة. هذه الدول امتنعت عن الإسهام بما التزمت به في مؤتمر القمة العربية الذي تقرر فيه أن يتم تحويل 100 مليون دولار شهرياً للسلطة الفلسطينية. هناك شك كبير إذا كانت سترغب في تجنيد بضع عشرات مليارات الدولارات من أجل تمويل خطة لا تشمل الشرط الأساسي بالنسبة لها وهو إقامة دولة فلسطينية عاصمتها شرقي القدس، وحدودها تتطابق مع خطوط حزيران 1967. ولكن لتعهدها ستكون أهمية سياسية. هذه ستكون المرة الأولى التي توافق فيها الدول العربية على التنازل عن الخطوط الأساسية التي وضعت في قمم الجامعة العربية على مر الأجيال، وأن يتم إعادة تشكيل المبادرة العربية من العام 2002 وبناء خطة مراحل جديدة ستوضع بدايتها على قاعدة اقتصادية. شيء جديد آخر يكمن في حقيقة أن إدارة «صفقة القرن» ستنتقل من الآن إلى أيدي أربع أو ثلاث دول عربية هي التي ستقرر جدول الأعمال، ولن تكون من الآن فصاعداً في أيدي جامعة الدول العربية التي تحتاج قراراتها إلى الإجماع. لذلك، يمكنها فقط التوجه إلى العامل المشترك الأوسع لها.
ولكن حتى لو تم الاتفاق على مبلغ الهبات، وحتى لو تم التوصل إلى تعهد حقيقي لاستثمار هذه الأموال لصالح صفقة القرن، فإن السؤال الرئيسي هو من الذي سيقرر حول توزيع الأموال. نحو نصف أو أكثر الـ 50 مليار دولار تم تخصيصه لصالح الفلسطينيين في المناطق المحتلة. هذا مبلغ كبير يمكن استثماره في البنى التحتية والشوارع وميناء في غزة ومطار في الضفة الغربية وتطوير مناطق صناعية ومستشفيات وإقامة جسر بري بين قطاع غزة والضفة وإغراق المناطق بالوحدات السكنية للأزواج الشابة. ولكن هذا الحلم يحتاج إلى موافقة إسرائيل على كل بند من بنود هذا الاستثمار، إذ ما المبرر لشق شارع فاخر يربط بين جنين والخليل إذا وضعت في الطريق عشرات الحواجز الإسرائيلية التي ستصعب على الفلسطينيين حرية الحركة. ماذا ستفيد المصانع الكبيرة إذا استمرت إسرائيل في التمسك بالتقييد على الاستيراد إلى الضفة وغزة؟ وكيف سيتم بناء أحياء جديدة إذا استمرت سيطرة موظفي الحكم الإسرائيلي على إعطاء تصاريح البناء؟ هذا ناهيك عن النقاش حول المطار والميناء الفلسطينيين وعن السيطرة على جباية الجمارك التي هي في أيدي إسرائيل. على كل ذلك سيطلب من إسرائيل الإجابة بشكل مفصل وملزم حتى قبل ضخ دولار واحد إلى المناطق.
مقابل حقل الألغام هذا كان يمكن للقيادة الفلسطينية أن توافق بدون صعوبة على المشاركة في المؤتمر الاقتصادي. وأن تضع إسرائيل بذلك في موقف غير مريح، الذي كان يتطلب منها توفير تفسير وإجابة على «السلام الاقتصادي»، الذي يحرص ترامب وهي على تسويقه، حتى قبل الحديث عن الحدود واللاجئين والقدس والمستوطنات.
هنا يكمن الإخفاق الرئيسي للخطة والعرض في البحرين، حتى لو أراد المبادرون الأمريكيون مناقشة القسم الاقتصادي، كان يجب عليهم استغلال اللقاء غير المسبوق هذا، من أجل طرح تفاصيل الخطة، بل أيضاً القدوم وهم مسلحون بإجابات عن هذه الأسئلة. بدونها لا يمكن إقناع الفلسطينيين والدول المانحة بأن صفقة القرن ليست قناة مشتريات للفلسطينيين. بعد أن نقل ترامب السفارة الأمريكية إلى القدس واعترف بها كعاصمة لإسرائيل، وبعد أن ضم هضبة الجولان لإسرائيل، وسفيره ومستشاره أعلن أن لإسرائيل الحق في ضم أجزاء من الضفة، لم تعد هناك ثقة بنوايا الرئيس الأمريكي. الصور المشتركة لعرب وإسرائيليين على الشاطئ الرائع في البحرين لا تكفي من أجل حل النزاع بين إسرائيل والفلسطينيين.

تسفي برئيل
هآرتس 26/6/2019

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية