القاهرة ــ «القدس العربي»: جاءت كارثة كورونا لتغيّر من نمط حياة العالم، فوحد الفيروس ــ رغماً عن الجميع ــ الكيان الإنساني، كمحاولة لمواجهة هذا العدو الخفي. وباختلاف تعامل النظم الحاكمة مع الأزمة، وبالتالي وعي المواطنين، يدور التساؤل، حول كيفية تعامل الوعي المصري والخطاب الثقافي بشكل عام، سواء بالتعايش لوقت مع الأزمة أو عند تجاوزها؟ ولمحاولة الإجابة نستعرض آراء بعض الأكاديميين والمثقفين المصريين بهذا الشأن:
الخوف من المستقبل
بداية تقول الأكاديمية والناقدة اعتدال عثمان، إن العالم بعد كورونا لن يكون هو العالم الذي نعيش فيه الآن، فقد أحدثت الجائحة نقلة نوعية كبرى في نظم الحياة، وتفكير البشر، والتحول من نهج سائد إلى نهج مختلف في التعاملات السياسية والاقتصادية والعلاقات الاجتماعية. وبالطبع امتدت هذه التحولات إلى مجال الثقافة والأدب الفنون، فقد توقف مثلا النشاط الثقافي المعتاد في مصر، وازداد الاعتماد على التواصل الرقمي عبر شبكة المعلومات، بدلا من الاجتماعات المباشرة. وإذا كان التفاعل عبر النت قد حقق المطلوب في إنجاز المهام الثقافية العاجلة بنجاح، فإن آثار هذا التحول وأبعاده، في استيلاد أنواع أدبية وفنية جديدة، أو التأسيس لقواعد فنية مغايرة، حسب اختلاف الوسيط الحامل لها، لا يمكن حصرها في الوقت الراهن، ونحن ما نزال في قلب الأحداث، بينما يدرك المثقف والكاتب المتابع، ما حققته الرواية والقص التفاعلي مؤخرا، من وجود يكتسب أرضا جديدة على الساحة الأدبية العربية كل يوم، ما يفتح أمامه المجال واسعا في هذه الظروف لمزيد من التطور واجتذاب اهتمام ومشاركة شرائح جديدة من الجمهور. من ناحية أخرى أطلق المفكر والناقد المصري شاكر عبد الحميد دعوة استشرافية جديرة بالملاحظة والاهتمام، تنبهنا إلى ضرورة التفكير في ما بعد زمن كورونا، ونشر دعوته عبر وسائل التواصل الاجتماعي تحت عنوان (Post -Coronialism) وقد أثارت الدعوة ردود فعل مختلفة، وصدى يتجاوب مع دعوات تمثل نقلات نوعية سابقة في تاريخ الفكر الحديث والعلوم الإنسانية، لعل أشهرها دعوة «ما بعد الحداثة»، ودعوة « ما بعد الاستعمار» التي ينتسب إليها إدوارد سعيد.
وتضيف عثمان.. وإذا كان من الصعب الآن توقع الآتي أو الإلمام بنظرة مستقبلية تستهدف ما بعد انقشاع الوباء، إلا أن التفكير في هذا السياق قد يدفعنا إلى التنبؤ مثلا بأنه ستتولد أنظمة سياسية واقتصادية جديدة، وستتغير معايير النفوذ الدولي، وقد تخلقت بالفعل عولمة مضادة للمفهوم السائد، هي عولمة التوجس في الحاضر والخوف من المستقبل، بينما تساوى البشر في البلاد الغنية والفقيرة في التعرض لخطر داهم، يقتضي توحدهم على اختلاف مشاربهم ومعتقداتهم في مواجهته، ما سيكون له انعكاسه المؤكد على الأدب والفنون من حيث الرؤية وجماليات التقنية بدرجات متفاوتة.
الخطاب الثقافي والجائحة وضع الكثير من الناس في أزمة؛ الكثير من الخطابات الثقافية وجدت نفسها فجاة بدون شبكة دعم اجتماعي متراكمة، وأن عليها مواجهة الناس بدون جوقة، فاكتشفت هشاشة وجودها الإنساني وزيفه!
لحظة حضارية
ويرى الباحث والناقد حاتم الجوهري، أنه في ما يخص الوعي المصري الشعبي؛ حينما تأكد من جدية الأمر وبدء انتشار الحالات في مصر عبر بعض الوفود السياحية، أو عبر المصريين العائدين من الخارج ومع إعلان الحكومة المصرية إجراءات الحظر، اهتم قطاع كبير بالمسألة وإجراءات الصحة الوقائية، لكن قرار تخفيف الحظر في رمضان لم يكن موفقا نوعا، حيث خفف الصورة الذهنية لخطورة المرض عند الناس. ويضيف، عموما الجائحة طرحت الاهتمام مرة أخرى ببروتوكولات الطوارئ في مصر، وحالة الأخطار القومية كالحروب والأوبئة، وما تتطلبه من وجود خطط للإمداد والتموين والضبط الاجتماعي، واحتمالية انتقال الدولة للسيطرة على الموارد المتاحة لحفظ الحياة، لكننا في حاجة للمزيد من الكوادر المتخصصة في إدارة الأزمات والطوارئ، والاهتمام أيضا بالسياسات العامة للدولة مجددا، واحتمالية وجود إغلاق كلي يتطلب وجود خطط للاكتفاء الذاتي طبيا وغذائيا وصناعيا، يمكن أن تكون كورونا فرصة حضارية لإعادة الحسابات ثانية لتضع مصر على طريق جديد، خاصة في ظل تحديات كثيرة مثل ملف «سد النهضة» وعلاقته بضغوط «صفقة القرن». الخطاب الثقافي والجائحة وضع الكثير من الناس في أزمة؛ الكثير من الخطابات الثقافية وجدت نفسها فجاة بدون شبكة دعم اجتماعي متراكمة، وأن عليها مواجهة الناس بدون جوقة، فاكتشفت هشاشة وجودها الإنساني وزيفه! وكشفت الجائحة عن خطابات ثقافية قد لا تكون «نمطا سائدا» لكنها متجذرة في علاقتها بالناس وحاضنتها الاجتماعية، وقدمتْ خطابا للخروج من الجائحة. شخصيا طرحت عدة أفكار منها: مصر كـ»دولة صاعدة»، و«ما بعد المسألة الأوروبية» وليس «ما بعد كورونا»، وسياسة ثقافية لـ«استعادة الذات» كنموذج حضاري يتبادل «المزيج الثقافي» مع الآخر بمنطق الند للند، إضافة لأهمية الالتفات، لأن مصر حملت تيارين ثقافيين هما التنميط الثقافي والخصوصية الثقافية، وأن مصر يمكن أن تكون دولة صاعدة، بخصوصيتها، في ما بعد الجائحة التي ربطها بـ«المسألة الأوروبية» وأزمتها عن علاقة الدين والقيم بالعلم والتقدم وتمثلاتها.
أما الأدب أو الوجود الإنساني عموما فهو فكرة اتفاقية، ما اتفق على أنه أدب ومدارس أدبية قبل الجائحة قد يتغير، ربما سيتشكل عندنا تياران أحدهما سيصير أكثر إنسانية في تواصله مع الدائرة البشرية الأكثر اتساعا، ويعتمد على العلاقات الإنسانية البرية/ المتجددة/ الفطرية التي قد تنشأ خارج التراكمات النخبوية ومصطلحاتها والدوائر القديمة، والتيار الآخر قد يتمترس، حول ذاته وتراكمه الوجودي الخاص، ويظل يمارس الأدب وإنسانيته الخاصة مُصراً على دائرته المغلقة. الجوائح والحروب هي لحظات حضارية مفصلية كل أمة ستختار منها ما تتفق على أنه سيكون «نمطا سائدا»، كل أمة ستعيد صناعة نفسها، وعليها أن تختار جيدا.
فشل الرهان على الوعي الفردي
ويقول الناقد سيد ضيف الله، أعتقد أننا في أزمة حقيقية، لأننا مثل باقي شعوب العالم، نواجه عدوًا غير مرئي مهدد للجميع أغنياء فقراء، مسلمين ومسيحيين، هذه الصفات المرعبة للعدو تجعل أي إنسان في حالة فزع باستمرار، ولا يمكنه أن يتصرف بالحكمة اللازمة، لأنه لا يعرف بالضبط ما هي الحكمة اللازمة؟ لم تقدم منظمة الصحة العالمية سوى نصيحة البقاء معزولاً في البيت وغسل اليد بالصابون والتباعد الاجتماعي، وهو ما استهلكه الخطاب الإعلامي المصري، وأخذ يردده على آذان الناس. الجميع فهم الرسالة لكن التطبيق تفاوت لأسباب عديدة منها، أن البعض لديه رؤية قدرية تجاه الموت، جعلته يسيء تقدير الموقف منذ بداية المواجهة مع الفيروس. وهذه الرؤية القدرية المغلوطة جعلت البعض يتصرف بلامبالاة وبأدنى قدر من المسؤولية تجاه نفسه وأسرته، وبالتالي تجاه مجتمعه، وقد عزز الفقر والوضع العشوائي للعمالة غير المنتظمة في مصر من هذا التوجه الجماعي ناحية التهلكة، وكأنه سباق من أجل إثبات أنهم يحسنون الظن بالله، وبأنه يحمي مصر دون سائر الدنيا. المصريون عجينة طرية تتشكل حسب الخطاب الحكومي، خاصة في وقت الأزمات، لكن شريطة أن يكون واضحًا لديهم ما تريده الحكومة، وظاهرًا لهم صرامتها في تنفيذ ما تريد. وهذا لم يكن متوفرًا منذ البداية، نظرًا لصعوبة تحمل قرار إعالة العمالة غير المنتظمة وموظفي القطاع الحكومي والقطاع الخاص مع طول فترة العزل، ومع الانتقال لسياسة التعايش مع الوباء أصبح الرهان على الوعي الفردي وهنا تكمن الأزمة، لأن الوعي الفردي مرهون بمدى القدرة على تحويل ما نعرف إلى سلوك يومي. وهنا تتضافر الخرافات والإشاعات مع الفقر لاصطياد البسطاء في الشوارع، وهم يسعون وراء قوت يومهم.
والحقيقة أن الكلام عن فشل الرهان على الوعي الفردي في إنقاذ إنسان مهدد بالموت بمجرد خروجه من منزله، يدين الخطاب الثقافي في مصر على مدى عقود، بوصفه جزءا من خطاب الدولة حكومة وشعبًا، فالوعي الفردي المتشكل عبر العقود الماضية، لا يمكن الرهان عليه لتجنب الوقوع في المصيدة. والفارق كبير بين لامبالاة نتيجة غرور الذات، كما رأينا في أوروبا وأمريكا، ولامبالاة نتيجة تغلغل الخرافة وتحكم الفقر في الأرواح. أما بالنسبة للإنتاج الأدبي فأتمنى للناجين من هذه المصيدة البشرية المسماة كورنا، أن يعيدوا الاعتبار لصوت الإنسان، وأن يكفوا عن عبادة التقنيات وتقديس الأشكال الفنية! فلا نجاة سوى بالإنصات لصوت الإنسان.
العلاقات الإنسانية
ويقول الكاتب والباحث طلعت رضوان.. أعتقد أن تعامل شعبنا المصري مع كارثة وباء كورونا، يكاد يتشابه مع معظم شعوب العالم، وبصفة خاصة فى الأسابيع الأولى (قبل قرار الحظرالمفروض على المواطنين) ولكن بعد فرض الحظر، اختلفتْ الآراء، ما بين التأييد المُطلق، والتأييد النسبي، الذي كان على رأسه أصحاب النشاطات الحرة، كالمحامين مثلاً. كذلك كان أكثر المُـتضرّرين أصحاب النشاطات غير المُنتجة، أمثال أصحاب المقاهي والعاملين معهم. وهؤلاء ليس لديهم أي مصدر دخل غير ممارسة هذا النشاط اليومي، وإذا كان أصحاب المقاهي لديهم (رصيد) احتياطي، سواء في بيوتهم أو في البنوك، فإن وضع العمال يختلف تمامـًا، حيث أن معظمهم لا يملكون هذا الرصيد الاحتياطي، ومن هنا ظهر تذمّرهم، بل ساءتْ حالتهم النفسية، لدرجة ظهور أعراض الاكتئاب عليهم، وهم يمكثون الساعات الطويلة في بيوتهم (الكئيبة في الأصل) بلا عمل وبلا دخل، خاصة من لديه زوجة وأطـــفال، وهو عاجز عن تلبية احتياجاتهم الضرورية.
من الخطأ والخطل أن تعوّل الحكومة على وعي شعبٍ لا تدري الكثير عن طبيعة وعيه، فقد واجهت الحكومة في مصر الجائحة بمجموعة من القرارات والإجراءات المترهلة وأرقام لا تستند على كم مسحي حقيقي
أما عن الإجراءات الاحترازية، مثل وضع الكمامة على الوجه واستخدام مطهرات اليدين (بعد العودة إلى البيت) فقد اختلفتْ تلك الإجراءات، ليس من شخص إلى آخر فقط، وإنما من مستوى اجتماعي إلى مستوى آخر. والأسباب على رأسها دخل الأسرة، والمستوى المادي لكل رب عائلة، حيث أن أصحاب الدخول المتواضعة ــ ناهيك من الدخل المتدني الذي لا يُلبي الاحتياجات الأساسية ــ لا يمكن أنْ يفكّروا مجرد تفكير في شراء الأقنعة والمطهرات. أما أصحاب الدخول المرتفعة (كبارالموظفين وكبار التجار…) فإنهم ينقسمون إلى قسميْن: قسم يحرص على الالتزام بقواعد الإجراءات الوقائية، بسبب ثقافته ووعيه بمخاطر الوباء، وآخر لديه درجة من الاستهتار والاستهانة بالوباء. ومن واقع تجربتي الشخصية مع أقاربي وجيراني، رأيتُ وشاهدتُ كل ما ذكرته. وأكثر ما آلمنى ظروف الذين توقف نشاطهم، خاصة صغار المحامين وعمال المقاهي. أما في ما يتعلّق بالإنتاج الأدبي والخطاب الثقافي، فإنني أعتقد أنّ هذيْن المطلبيْن في حاجة إلى وقت طويل لتناولهما، لأنّ الوقت الطويل هو الذي يمنح الأديب أو الباحث الفرصة الكافية للتأمل، بعد مراجعة ما حدث طوال شهور الكارثة، منذ بدء انتشار الوباء، إلى لحظة القضاء عليه. وأعتقد أن هذا التأمل والتفاعل مع الوباء هو ما فعله البير كامو في روايته البديعة «الطاعون»، حيث تعامل مع الوباء من أكثر من محور، مثل دور الأطباء في القضاء على الوباء، ومحور علاقات المواطنين مع الحكومة، ومع بعضهم بعضا. ولكن أهم محور ــ من وجهة نظري ــ هو محور العلاقات الإنسانية.
سياسات عقيمة
وفي الأخير يرى الكاتب والإعلامي ياسر ثابت أنه من الخطأ والخطل أن تعوّل الحكومة على وعي شعبٍ لا تدري الكثير عن طبيعة وعيه، فقد واجهت الحكومة في مصر الجائحة بمجموعة من القرارات والإجراءات المترهلة وأرقام لا تستند على كم مسحي حقيقي، وتجاهلت صرخات الآلاف من مرتادي مواقع التواصل الاجتماعي وهم ينشرون صورًا وأفلامًا للتكدسات في العديد من الأماكن؛ بالتأكيد ليس المقصود من تضطرهم ظروف عملهم للخروج سعيًا وراء لقمة عيشهم، بل من يخرجون لتسوق ملابس العيد لأبنائهم، قبل زحام الأيام الأخيرة من رمضان، فهم يرون الناس في كل مكان حتى بعد مواعيد الحظر. وربما كان من الصعب أن تضع دولة مثل مصر رهانها على وعي المواطن، ذلك أنها تحصد الآن ثمرة مُرّة لسياسات دامت عقودًا طويلة من إدارة شؤون المواطنين مع تقليص حجم مشاركتهم في الشأن العام. والنتيجة أنه في المناطق العشوائية وقلب الريف المصري، لا يوجد أي احتياطات من قبل الناس، ولا اهتمام ولا تصديق، حتى أن هناك فيروس كورونا المستجد. الناس إمعانـًا في السخرية من كورونا واستهزاء بها يتعمدون المصافحة باليد والعناق، والتجمع في المناسبات السعيدة ومجالس العزاء، متجاهلين كل النصائح والإرشادات في هذا الشأن. الأسوأ هو الخطاب الديني التواكلي، الذي يقابلك على ألسنة كثيرين، من نوعية (سيبها على الله.. قل لن يصيبنا إلا .. نحن نتوضأ 5 مرات في اليوم…). هناك بالطبع من يلتزم بقواعد التباعد الاجتماعي والتحذيرات الخاصة بالحجر الذاتي في المنزل، ويمارس عمله عن بُعد أو إلكترونيًا، ويحاول قدر الإمكان تجنب كل ما شأنه الإصابة بـ«كوفيد-19». غير أن هؤلاء يظلون أقلية في بحر هادر من مجتمع، يضطر كثير من أفراده إلى الخروج يوميًا للعمل ومخالطة الآخرين، بحثًا عن الرزق، في ظل الظروف العصيبة التي تهدد بيوتهم وأسرهم في حال توقفوا عن البحث عن الرزق خارج البيت.
ويضيف ثابت أنه من الناحية الإبداعية، فمن المتوقع صدور أعمال أدبية في قوالب وأشكال مختلفة، تتحدث عن تجربة التباعد الاجتماعي، وتأثيراتها الإنسانية والاقتصادية وغيرها، خاصة أن الحجر المنزلي والإصابة بفيروس كورونا، وفرا مادة دسمة في هذا السياق، ومنها تعاظم دور الأطباء إلى حد إسباغ لقب «الجيش الأبيض» عليهم، والتعايش مع فيروس مجهول أو مرضٍ لا علاج له حتى الآن، والصراع بين الثقافة الشعبية المنغلقة والاعتبارات الإنسانية، كما جرى في حوادث متعلقة برفض بعض أهالي القرى دفن جثث متوفين ــ منهم أطباء ــ في مدافن البلدة، بدعوى الخوف على حياة باقي الأهالي!