كارل بوبر وخطـاب الحـداثة
د. لخضر مذبوحكارل بوبر وخطـاب الحـداثةلما كانت فكرة الحداثة وثيقة الصلة بالتاريخ وبتاريخ الأفكار التي تحدده وتهيمن عليه، يجدر بنا أولا أن نبرز بوضوح حداثية أفكار بوبر العلمية والسياسية وأن نتعرض بشيء من الايجاز المفيد لمكانة التاريخ في قلب المواجهة ما بين نمطين من الفلسفات: فلسفة تهيمن خصوصا علي البلدان الأنكلو ـ سكسونية، والأخري تهيمن علي القارة الأوروبية أو ما يصطلح علي تسميتها المدرسة الأنكلوسكسونية والمدرسة القارية.فالفلسفة الأنكلو ـ سكسونية فلسفة عقلانية، نجد فيها الفكر العلمي والتقني هما في نفس الوقت الموضوع الرئيسي للدراسة، وأفضل الأمثلة تتبع والتاريخ في هذه الفلسفة علم هامشي فهو في حدود الآداب. أما الفلسفة القارية فهي علي العكس وعلي الخصوص الفرنسية، فالتاريخ يمنح بديلا للفلاسفة الذين يريدون أن يبقوا مستقلين عن العمل الذي تنجزه العلوم الدقيقة. ونحن نعلم أن الفلسفة علي سبيل المثال في فرنسا هي في جزء منها تاريخ للفلسفة، الابستمولوجيا تاريخ العلوم، وأن نجوم الأنتلجنسيا الفرنسية اليوم هم، غالبا، اختصاصيون في الوصف التاريخي أو الأنتروبولوجي وزيادة علي هذا فان عددا معتبرا من مقالات الفلسفة العامة التي تصدر اليوم، تهدف الي التنبؤ بمستقبل الانسانية، مثلما حدث في الفترة التي ازدهرت فيها الماركسية، قصد استخلاص دلالة حداثتنا وأزمتها الحالية. ان وجود هذا التعارض بين هذين النمطين من التفكير الفلسفي، يستطيع أن يبرر فحص انتقادات بوبر المفصلة، الذي يعتبر من أشد المدافعين عن النمط الأول، الموجهة لما يسمي بالتاريخانية، التي تحتل مناقشتها ونقدها جزءا هاما في فلسفته كما سنري.يقول بوبر: انني آخر بقايا التنوير، أي أنني عقلاني أؤمن بالحقيقة، وأؤمن بالعقل البشري (…) وحين أقول أنني آخر بقايا التنوير أقصد أن رجل التنوير يتحدث بأبسط ما يستطيع من استخدام اللغة، حديثا يتسم بالوضوح والبساطة، والقوة مثل أستاذنا العظيم برتراند راسل، لأن الهدف من بساطة اللغة هو التنوير لا التسلط . بهذه العبارات يوجز بوبر خطابه الحداثي الذي طوره في مسعي فلسفي سماه العقلانية النقدية التي رآها استكمالا وتطويرا لخطاب الأنوار، خاصة في صيغته الانسانية المؤسسة علي العقل والايمان بالانسان، وهي فلسفة تتسم بنظرة تفاؤلية مؤسسة علي فكرة التقدم والتطور الخلاق، سعيا لتحقيق حرية الانسان وانعتاقه ورفاهيته واعداده لتقبل مشاكل الحياة ومواجهتها مواجهة عقلانية واقعية. فبوبر يعتبر فيلسوفا ثوريا بتخميناته العلمية الجسورة التي ضمنها كتابه منطق الكشف العلمي ، وفيلسوفا اصلاحيا اجتماعيا حذرا، ان لم نقل محافظا في مؤلفاته السياسية عقم المذهب التاريخي و المجتمع المفتوح وأعداؤه . فكتابه المجتمع المفتوح وأعداؤه يعتبر مفتاحا لمحاولته الجمـــع بين الديمقراطية والعلــم، كمسعي لتأطير حداثية عالمنـــا المعاصر، علي أسس انسانية تتجاوز خطــــــاب الأنوار، ومن المفــيد الاشارة بصفة خاصة الي أن الدفاع الليبرالي البوبري عن المجتمع الغربي وثيق الصلة بتصوراته الابستمولوجية.وحداثية فكرة المجتمع المفتوح تنبثق من قيمة يشترك فيها مع الخطابات الحداثية الأخري، وهي التخلي عن كل اليقينيات، وتجاوز ما هو قائم، لكنه لا يقع في العدمية النيتشوية والهيدغرية، ولا في التوتاليتارية الهيغلية الماركسية، فهي تقترب وتغرف من الروح الكانطية أكثر، فهو يدعو الي ابستملوجيا بدون ذات عارفة.ان الحد الفاصل بين قسمي فلسفة بوبر العلم والسياسة، يمكن الوقوف عليه، من خلال مقالته التي نشرها سنة 1940 بعنوان: ما هو الجدل؟ التي قدم فيها ثلاثيته الجدلية التي سماها منهج المحاولة واستبعاد الخطأ، وقدم فيها جملة من الانتقادات للجدل الهيغلي، مجردا من التغييرات التي أضافها اليه ماركس، انطلاقا من نقده للمنطق الماهوي eentialiste، الذي يعتمده هيغل بقوله: كل معقول واقعي، وكل واقعي معقول فمطابقة هيغل بين الفكرة والواقع، وتحطيمه لمبدأ عدم التناقض دفع بوبر الي اعتبار جدله جدلا مغلقا، واقترح الاحتفاظ بفكرة الجدلية مفتوحة قادرة علي التحسين والتعديل والتنفيذ والتكذيب بواسطة النقد والتجربة، عكس الحتمية الهيغلية والماركسية المغلقة، حسب المخطط التالي:حيث أن:ـ ظهور المشكلة .1ـ محاولة نظرية لحل المشكلة. ـ محاولة استبعاد الخطأ من النظرية المحاولة.ـ مشكلة 2 متولدة عن هذا الحل.وهكذا سيرورة العلم، فالعلم يبدأ بمشكلات، وينتهي الي مشكلات، ولهذا اعتمد فكرة محورية في فلسفته هي فكرة التفتح l’idژe d’ouverture، بمعناها العلمي الابستملوجي والسياسي، كقيمة علمية وأخلاقية تحكم مؤسسات المجتمع المفتوح وأفراده، وكمبدأ ينظــم حياتهم ويوجه أعمالهم، يقول كارل بوبر: ان المبدأ القائل بأن كل شيء متفتح علي النقد (الذي يكــون بموجبه حتي هذا المبدأ في ذاته ليس مستثني من التفتح علي النقد) يقود الي حل بسيط لمشكلة مصادر المعرفة كما أوضحتها في موضع آخر، هذه المصادر هي كل المصادر: العقل، الخيال، الملاحظة، وكل ما يمكن ويسمح باستعماله، لكن ليس لواحد منها أي سلطة .ولهذا نجده في أعماله العلمية ينحو منحي تطوريا، ينقد الاتجاهات الوضعانية المعاصرة، ويتفتح علي الميتافيزيقا، وفي السياسة يهاجم النزعات الكمالية والجمالية والطوباوية، لأنها حسب رأيه نبوءات زائفة يقدمها أصحابها علي أساس أنها علم، وخطأ أصحابها وتبعاته أعظم وأخطر من أخطاء العلماء الذين يتعاملون مع المادة، فانهم بسعيهم اقامة الجنة علي الأرض بنبوءاتهم سيحولون حـياة الناس الي جحيم لا يطاق، وشواهد التـــاريخ علي ذلك قائمة كالنازية والفاشية والشيوعية والستالينية. فالحداثة عند بوبر ليست خطابا مهولا ومهووسا يلعن الواقع والعالم أو مطالبة بتغييره كلية أو الفرار منه، انها عملية تعهد للمعقولية في المسيرة العلمية والسياسية الاجتماعية، وهكذا نراه ينقد جنبا الي جنب دعاة الأنساق الدوغمائية المغلقة في العلم كالتجريبيين المناطقة، أو المتعاملين المزيفين وأصحاب النبوءات التاريخانية كأفلاطون وهيغل والرومانسيين كنيتشه وهيدغر، يقول بوبر: لأنني قلت في هذا الكتاب كلمات قاسية حول بعض العظماء من قادة الفكر البشري، فدافعي الي ذلك، كما أتمني، ليس الحط من أقدارهم، انه ينبعث من قناعتي أننا اذا أردنا لحضارتنا البقاء، يجب علينا أن نتخلي عن عادة الاذعان للرجال العظماء، لأن الرجال العظماء يمكن أن يرتكبوا أخطاء فادحة . ومن جملة هؤلاء العظماء أفلاطون وهيغل وماركس، الذين اعتبرهم أعداء الديمقراطية التي يعتبرها كتشرشل النظام السياسي الأقل سوءا، لأنها تشكل في نسق تفكيره السياسي التطوري نظام المجتمع المفتوح، المنبثق عن النظام القبلي المؤسس علي النظرية العضوية البيولوجية للدولة كما صاغها أفلاطون، أول منظر اجتماعي للفكر التوتاليتاري، الذي سار علي نهجه هيغل وماركس، وذلك باعتبارهم التاريخ علما وحتميات صارمة، واعتقادا منهم أن بعبقرياتهم ونبوءاتهم يمكنهم تأويله وتفسيره، سواء بالاستناد علي مفهوم العناية الالهية أو تحقيق المطلق في التاريخ كما هو الشأن عند هيغل، أو احداث ثورة عالمية بالنسبة لماركس، وتأتي فلسفة كارل بوبر علي نقيض هذه الفلسفات، فلسفة واقعية حذرة، تحذر من التغيير الثوري العنيف.لهذا ساهم في النقاش حول علمية scientificit العلوم الاجتماعية، وحذر من المزاعم التي تدعي تماثلية بنيوية similaritژ structurelle ما بين الظاهرة الطبيعية والظاهرة الاجتماعية، وبالتالي فان القيام بتعميمات وتنبؤات في العلوم الاجتماعية، كما هو الشأن في العلوم الطبيعية، مبني علي فهم خاطئ للظاهرة الاجتماعية، وتفردها وتميزها عن الظاهرة الطبيعية، يقول كارل بوبر: لقد أقنعتني دراسة حذرة لهذه المشكلة، أن تنبؤات من هذا النوع تتجاوز امكانيات المنهج العلمي، المستقبل تابع لنا، ونحن من جهتنا لا نتبع أي ضرورة تاريخية، رغم التأكيدات المعاكسة لبعض المذاهب الاجتماعية المنتشرة الآن .ان أكبر خصم لبوبر هو القرن التاسع عشر في مجمله، القرن الرومانسي واللاعقلاني، الذي اتخذ عبادة الأمة شعارا له، القرن الذي يستمد أصالته الفكرية في زعمه اكتشاف التاريخ، أي زعمه أيضا أنه فهم أيضا، ليس فقط الحياة الاجتماعية، لكن النفسية والأخلاقية، انها تتغير تاريخيا، وأن التاريخ قوة تتجه نحو هدف خاص به، يوظف فيه الأفراد كوسائل، وأن المستقبل الموعود للانسانية هو مستقبل الانعتاق الكلي، الذي يفترض تجاوزا راديكاليا للقيم الخاصة بمجتمع ديمقراطي وعقلاني في حالة أزمة وتوتر طبعا.وهكذا ينكر بوبر امكانية أن تكون هناك قوانين عندما يتعلق الأمر بمسار فريد مثلما هو الحال بالنسبة لتاريخ الانسانية ويبقي مصرا علي القول أن الكون مفتوح وأن المستقبل مفتوح أيضا. ان الأفكار الجديدة التي طورها بوبر في سنوات 1960 ـ 1970 تثبت أصالة الابستومولوجيا التطورية البوبرية المتفتحة التي لم تكن ممكنة فقط مع القابلية للتكذيب، ان الجديد في أفكار بوبر المتأخرة، هو الاهتمام الذي منحه للبيولوجيا وفروعها التابعة، ورفضه عزل نفسه مثل باحثين آخرين (التجريبيين المناطقة علي سبيل المثال) في ميدان الفيزياء النظرية باعتبارها نموذجا وحيدا للعلمية، وأهمية فكرة المجتمع المفتوح، كفكرة حداثية تؤيدها مجريات الأحداث المعاصرة التي واكبتها ورافقتها، فالكسوف السياسي للشيوعية قاد الي انقلاب علي المستوي الثقافي، الذي تأثر بالأفكار التي طورها بوبر، في وقت لم يكن أحد يتصور فيه وقتها النتيجة التي آلت اليها الشيوعية اليوم، ومهما كانت انتقادات بوبر قاسية ضد التاريخانية، فانه لم يمنع شيئا واحدا اذ يعترف أنه يلبي حاجة لا يمكن حذفها، وهي صياغة تأويل عام للتاريخ، الذي يطبع المراحل الكبري ويستخرج منها المعني، ويحدد مرحلة في علاقتها بماضي الانسانية، ويعطي بوبر المثال بنفسه، ويقترح تأويله الخاص المعروف جيدا: انتقال الانسانية من المجتمع القبلي المغلق الثباتي، الذي تهيمن عليه ذهنية سحرية الي المجتمع المفتوح الفرداني التقدمي، المتميز بالروح النقدي والذي يواجه فيه أفراده مصائرهم بأنفسهم، بمسؤولية وحرية.وهذا الانتقال الذي بدأه اليونان في القرن الخامس الميلادي، الذي سرع وتيرته الغرب الحديث، هو انتقال ايجابي، فنحن هنا ازاء نظرية تفاؤلية للتقدم، تتعارض بصراحة مع كل النظريات التي تنظر للانحطاط الكثيرة الانتشار هذه الأيام، سواء كانت من الهام نتشوي أو هيدغري أو مسيحي أو ذات طبيعة اثنية أو ايكولوجية. ففكرة المجتمع المفتوح فكرة تعارض الذين يحنون للمجتمعات التقليدية (أفلاطون مجتمع القبيلة، هيغل سيطرة الجنس الآري، ماركس المشاعية البدائية)، ويعارض الأنبياء المزيفين لهذا القرن الذين يحلمون بمجتمع متناغم وشفاف. وبدفاعه عن المجتمع المفتوح، فان بوبر يقول علي العكس، يجب علينا أن نتعلم العيش في اللااكتمال، وعدم الرضا، والأزمة، وما يعترف به بالفعل، هو أن المجتمع المفتوح يخلق في الوقت نفسه، التقدم والتوعك، ويعزل الناس ويحملهم ثقل مسؤوليات جديدة، وعند الأزمة والتوعك يحلم بعض أفراده بالعودة الي البراءة المفقودة في المجتمع المغلق، ويسعون لتخطيط مستقبل لمجتمعات تجد فيه الطبيعة الانسانية كمالها. لكن هذه الأحلام خطيرة جدا، ولن تؤدي في غالب الأحيان الا الي أشكال من البربرية. وهي معاكسة للتوجه الانساني الذي هو بالنتيجة العقلانية والمعرفة، وضياع الوعي البريء. فيجب أن نخوض بحثا ممتدا لا منتهيا بالنسبة للمعرفة أو بالنسبة للتقدم الاجتماعي أيضا، والاستحقاق الهام لفلسفة بوبر في التاريخ هو أن نتخلي عن الحلم بالكمال.باحث من الجزائر 0