تقدّم السيرة الذاتيّة للكاتبة البريطانيّة المتخصّصة في دراسات الأديان المقارنة كارين آرمسترونغ إضاءة جديدة حول العلاقة الوثيقة بين الفن والدين. وتأتي أهميّة آرمسترونغ في أنها كانت قد كرّست سبع سنوات من حياتها للعيش والخدمة كراهبة داخل أحد الأديرة، ثم خرجت من الدير بعد أن شعرت بأنها لم تعثر فيه على ما أتت تبحث عنه: أي الوصول إلى يقين بحضور المقدّس في حياتها.
نقلت آرمسترونغ تجربتها في الدير في أول كتاب من كتابي سيرتها الذاتية والذي كان قد حمل عنوان “عبر البوابة الضيّقة”، وصدر عام 1982. أما الجزء الثاني من السيرة، والذي يغطِّي المرحلة اللاحقة، فقد حمل اسم “السلم الحلزوني”، وصدر عام 2004.
يتطرّق “السلِّم الحلزوني” للمرحلة الأخيرة من حياتها في الدير والتحاقها بكليّة سانت-آن في جامعة أكسفورد لدراسة الأدب الإنكليزي، وما صاحب ذلك من خروجها من الدير عام 1969. ويتناول الكتاب معاناتها مع العالم خارج الدير، وما مرّت به في جامعة أكسفورد من نجاحات وإخفاقات، بالإضافة إلى إصابتها بالصرع لبعض الوقت، وتجربتها في تدريس الأدب الإنكليزي في المدارس الثانويّة في لندن، وأبحاثها في الأديان وما أنتجته من كتب وبرامج تلفزيونيّة في هذا المجال.
يعتبر الفصل الأخير من كتاب آرمسترونغ “السلِّم الحلزوني” والذي حمل عنوان “العودة مرّة أخرى” أهم فصل في الكتاب، إذ أنها تتناول فيه اتخاذها لطريق جديد للاقتراب من المقدّس. وتقول آرمسترونغ أنها وجدت في الكتابة ما لم تجده في بحثها المضني السابق في الدير.
هناك إضاءة تقدِّمها في الفصل قبل الأخير، فهي تنسب لشخص يدعى هيام ماكوباي أنه أطلعها، أثناء لقاء ضمهما في مقهى قرب محطة فينشلي سنترال لقطار الأنفاق، على ما تعتبره “القاعدة الذهبيّة” لحاخام يهودي يدعى هِلال قائلاً “هل تعرفين القصة – قصة الحاخام هلال؟ لقد جاء بعض الوثنيِّين إلى الحاخام هِلال وقالوا له إنهم سيؤمنون بدينه إذا قام بتلاوة كل التعاليم اليهوديّة وهو واقف على رجل واحدة. وقف هلال مُكرَهاً على رجل واحدة كطائر اللقلق وقال: (لا تفعل بالآخرين ما لا ترضاه لنفسك. هذه هي التوراة، أما ما تبقى فهو مجرد شروح لها، أذهبوا وتعلّموها)”.
تواصل آرمسترونغ، في الفصل الأخير من الكتاب، سرد تفاصيل حوارها مع ماكوباي فتقول:” قال لي هيام أن الإيمان في معظم الأديان لا يتعلّق بالاعتقاد وإنما يتعلّق بالممارسة. فالدين ليس أن تقبل عشرين افتراضاً مستحيلاً في الصباح الباكر، وإنما أن تقدم على ممارسة أشياء تُحدِث تغييراً فيك. إنه خيمياء أخلاقيّة وجماليّة”.
تعتبر آرمسترونغ التراحم ومحبّة الآخر حجر الزاوية في التوجّه الروحي الذي يقود إلى المقدّس. وتقول في الفصل الأخير من كتابها “إن ما أدركته الآن من خلال دراستي للتقاليد الدينيّة المختلفة هو أن أيّ محاولة منضبطة لتجاوز الأنا تؤدِّي إلى حالة من النشوة الروحيّة”. وتواصل قولها “إن تاريخ الأديان يظهر أنه حين يحاول البشر تطوير نمط حياة لا يفسح مجالاً للجشع والأنانيّة فإنهم يبلغون درجة من السمو يمكن تفسيرها بطرق عديدة”.
وتقول أيضا” كلما يستند الناس في حوافزهم إلى مصالحهم الذاتيّة وحدها، كلما تجدهم قابعين في مستوى بهيمي. ولكن حين يتعلّمون أن يحيوا بقلوبهم ويحسّون بحاجات الآخرين، حينذاك يولد الإنسان الروحي”.
تجد آرمسترونغ، عند استرجاعها لتجارب صدور كتبها، أن قيم التراحم ومحبة الآخرين ظلّت ماثلة فيها على الدوام. وتقول “تغيّرت حياتي بعد صدور كتاب (تاريخ إله). أحرز الكتاب نجاحاً كبيراً، خصوصاً في الولايات المتحدة وهولندا، وبدأت أسافر كثيراً. لكن عملي ظل يدور حول الموضوعات نفسها، خصوصاً حول مركزيّة التراحم”. ومضت تقول” ظلّت ثيمة التراحم تظهر على سطح أعمالي لأنها محوريّة في كل المعتقدات الدينيّة وفي أقصى ذُراها”. وواصلت تقول “وعلى المستوى التوحيدي فإن هذا التراحم يمكن أن يضعنا في حضرة الإله مباشرة”، و”قد ظل التراحم يمارس في كل المعتقدات العظيمة لأنه الوسيلة الأكثر أماناً وتأكيداً للحصول على الاستنارة. فهو يخلع الأنا من مركز حياتنا ليضع الآخرين مكانها محطِّماً الدرع الواقي الذي تحتمي به الأنانيّة وتحول دون إقدامنا على تذوّق تجربة بلوغ المقدّس”.
وتلخص آرمسترونغ تجربتها في الكتابة عن موضوعاتها اللاهوتيّة، وعن الأحاسيس التي تجتاحها أثناء الكتابة، وعن الباب الذي أنفتح أمامها عبر الكتابة بعد أن ظل موصداً طوال بحثها المضني في الدير، فتقول:
“في ما يتعلق باللاهوت أعتبر نفسي عصاميّة، علّمت نفسي بنفسي، وإذا كان هذا الوضع يجعلني مجرّد هاوية فهذا ليس بالضرورة أمراً سيئاً. فكلمة amateur تعني حرفيّاً (شخص مُحِب)، وأنا كنت بعزلتي يوماً أثر آخر، وصمتي ساعة أثر أُخرى، قد وقعت في حب موضوع دراستي. لقد اكتشفت أنني أتشوّق كثيراً للحظة الذهاب إلى طاولة الكتابة كل صباح لأفتح كتبي والتقط قلمي وأظلّ أتوق لقدوم تلك اللحظة كتوق عاشق لموعد غرامي. وقد أرقد على سريري في انتظار النوم مبتهجة باسترجاع ما تعلّمته في ذلك اليوم. وأحيانا وأنا جالسة على طاولة الكتابة، أو منكبّة على مجلّد تراكم عليه الغبار في المكتبة البريطانيّة، تجتاحني بضع ثوانٍ من الشعور بالسمو والروع والدهشة تمنحني الإحساس بما يجري في عقل اللاهوتي أو المتصوِّف الذي أقوم بدراسته. وفي تلك الأوقات أشعر بأنني أتعرّض لإثارة داخليّة عميقة تحملني إلى أبعد من ذاتي على نحو ما يحدث في قاعة يجري فيها حفل موسيقي أو في مسرح”.
وتذهب آرمسترونغ أبعد من ذلك فتزعم وجود صلة بين اللاهوت والفن، فتقول دون مواربة: “ربما كانت دراستي للأدب الإنكليزي بمثابة إعداد مثمر لي لأنني ظللت أرى بشكل متزايد أن اللاهوت، مثله مثل الدين نفسه، يعتبر في الحقيقة شكلاً فنيّاً. وقد تكشّف لي أن الناس، في كل معتقد، ظلوا يتّجهون إلى الفن حين يحاولون التعبير عن تجربة دينيّة أو استدعاءها: يتجهون إلى الرسم أو الموسيقى أو المعمار أو الرقص أو الشعر. ونادراً ما يحاولون التعبير عن فهمهم للمقدس من خلال خطاب منطقي أو في لغة علميّة تقوم على الحقائق المجرّدة. واللاهوت، مثله مثل كل الفنون، يعتبر محاولة للتعبير عن ما يستعصى على التعبير”.