القاهرة ـ «القدس العربي» ـ من كمال القاضي: في تطور مواكب للغة الأدبية الجديدة حيث العبارات الدلالية والسطور القليلة والنفاذ إلى جوهر الفكرة دون إجهاد القارئ كتب أيمن علم الدين، وهو واحد من جيل الشباب، مجموعته الثقافية «كانافاه» فقد أختار أن يعنون المجموعة كلها التي تقع في 108 صفحات وتحتوي على خمس عشرة قصة بالعنوان الذي يشير إلى واحدة من قصصه مميزا إياها على نحو ما ربما لأنها القصة الأولى في المجموعة من حيث الترتيب الأبجدي للصفحات أو لأنها تعتمد في بنائها الفني على تفاصيل يومية لثلاث فتيات وطفل صغير وتشبه خيوطها الدرامية خيوط الكانافاة الهواية الرئيسية لإحدى البطلات.
أو لعل العروج على حيوية التوافق والانسجام حسبما يتضح من سياق القصة بين العنصر المسيحي والآخر الإسلامي قد استهوى الكاتب فجعل يفتح به كتابه الأنيق ليدلل على ذوبان المعتقد الديني وانصهاره داخل البوتقة الإبداعية فلا يكون هناك اثر لتمييز أو عنصرية او تفرقة ولا فضل لشخصية افتراضية داخل القصة على شخصية أخرى إلا بقدر ثقافتها ووعيها واجتهادها فيما تصنعه وتقوم به من دور حياتي وإنساني.
يضع أيمن علم الدين اهدائين متعاقبين يخص بالأول أمه التي هي حبه الأول والأخير على حد تعبيره، أما الإهداء الثاني فهو لذلك الصديق الشاب الذي رحل مبكرا مخلفا وراءه عطرا ذكيا لعلاقة طيبة كانت له مع الثقافة والفكر والإبداع.
الإهداءان يقودانا إلى حالة من الشجن والحزن متلازمتين يصعب الفكاك منهما، لا سيما ان التصدير الذي كتبه المؤلف أيضا له هذه السمة فهو يقول: عندما بدا لي جليا أن الموت المحزن حقا هو ذاك الذي نموته ونحن أحياء نتنفس، ولأنني حاولت الارتقاء إلى حتمية قدري بفخر، فلم اعد أخاف الموت، خاصة وإنني قد رتبت أموري لأحيا حقا عندما أموت.
بداية تراجيدية تليق بالسياق العام لكتابة ينفث صاحبها فيها أحزانه لكونه يمزج بين همومه الشخصية ويسقط ما به على شخصيات لها ذات الطبيعة الرومانسية المرهفة صنعها كليا من خياله او لملم أشلاءها من ذاكرته العامرة بذكريات ومواقف دراماتيكية وبين حياة واقعية يدها قاسية على أبطالها فلا تمنحهم فرصة لالتقاط الأنفاس، لذا تأتي سلوكياتهم طردية مبنية بالأساس على الفعل ورد الفعل!
في قصة بعنوان «رجل طيب حقا» يسوق علم الدين لنا نموذجا لصبي صغير زامله في المرحلة الإعدادية من التعليم الأساسي ويتذكر كيف ان هذا الصبي كان خجولا شديد التأدب، يمتنع عن ممارسة ما تشي به ملامح المراهقة من محاولة للظهور وعطوف على علاقات رومانسية بريئة مع فتيات في مثل سنه.
هو فقط يجتهد في دروسه ويحرص على أن يأتي ترتيبه الأول في قائمة المتفوقين. ويذهب القاص الى الخلفية التربوية للأب ويحكي انه رجل وطني يؤمن بالحزم والحسم كمرادفين لضمان الانضباط، ولكنه يعود مستطردا كاشفا عن أسرار الصبي الشخصية في مرحلة التكوين، مشيرا إلى أن لكل وجه صورة غير معلنة وان النفس البشرية هي سرداب متعرج به منحنيات مضيئة وأخرى مظلمة، حتى لو أن هذا السرداب حديث الوجود، وهو بذلك يقصد أن للطفولة أسرارها المختلفة في كل المراحل.
هكذا تتجلى صور الحكي والبناء القصصي المحكم في مجموعة «كانافاه» في عدة قصص تتشابه في مزاجها التعبيري ونكهتها اللغوية فأيمن يعتني كثيرا باللغة كوعاء حاوي للأفكار والخواطر ومن ثم يمتلك ناصية الحوار ولديه القدرة على النسج والسرد وإيجاد العلاقة السببية بين شخصيات قصصه دون تعسف وهو ما يمكن إدراكه في قصص مثل «قتل خطأ والخادم والعجوز وقلب صغير…»
وتبرز القدرة لدى أيمن علم الدين في امتلاكه موهبة الجمع بين كتابة القصة بشروطها الصعبة وتكثيفها وبين كتابة السيناريو التي تراعى فيها ملامح الصورة والحوار والإيقاع كمفردات أساسية لصناعة فيلم تسجيلي أو وثائقي أو روائي أو قصير، ولأنه تمرس على كتابة الفيلم التسجيلي كان له التميز في فن كتابة القصة على نحو شديد الانتباه ويلفت النظر فجمع خصائص مشتركة بين الإبداعين السينمائي والقصصي.