زياد خداش
أثمة علاقة بين المرأة والشجرة؟ طلبت من تلاميذي مرة أن يرسموا امرأة، فرسم احدهم شجرة، آخرون رسموا ضبابا وبحرا وساحلا ومطرا وبابا، لم تهزني في رسوماتهم سوي الشجرة ـ لكني لم أعرف في حينها لماذا طلبت من تلاميذي أن يحولوا رسوماتهم الي جمل أو نصوص قصيرة، بينما غرقت أنا في صورة الشجرة بحثا عن امرأتي فيها أو بحثا عني أو عن أشياء مبعثرة أحسها ولا أستطيع أن احددها أو اقبض علي أجزائها.
سالم: هي كائن مثل الضباب غريب ينقشع بسرعة لكنه يجدد غموضه بسرعة أيضا. حسام: مثل البحر هي عميقة وواسعة قد يغرق فيها الرجال وقد ينجون وقد يبقون معلقين ما بين النجاة والغرق.
أيمن: مخلوق يشبه السواحل ترتاح فيه السفن أو تستعد لسفر بعيد.
عادل: انسان يشبه الباب حين نفتحه قد نري الجنة أو النار، وقد نري أبوابا أخري، فتمضي حياتنا في فتح الأبواب والبحث خلفها.
أحمد: كم تشبه الشجرة هذه المرأة ولا اعرف لماذا وكيف؟
انتهت الحصة، انتهي اليوم الدراسي، انتهي العام الدراسي، ذهب الطلاب الي عطلة الأذهان، سكنت السبورة، هدأت مقاعد الصفوف، ذهبت أنا الي تمزقاتي واضطرابات قراراتي: هل سأعود الي مهنة التعليم العام القادم؟
وجدت نفسي أعود الي دنيا الرتابة مسكونا بصورة المرأة الشجرة. نسيت متاعب المهنة من سياط الجرس الي ألم تكرار الأيام الدراسية، كان احمد يهاتفني طوال أيام العطلة، يسألني سؤالا واحدا: هل فككت لغز العلاقة يا أستاذ؟ يطول صمتي علي الهاتف، فيغلق احمد السماعة كأنه يعتذر عن ارباكي. علي جدران سور المدرسة العالي فوجئت بأربع شجرات مرسومات بتأن بالغ، علي جذوعها وجوه أربع نساء، في الصف كان احمد يبتسم بهدوء وهو يقول لي: أحببت أن أشرك طلاب المدرسة الستمئة في البحث عن لغز العلاقة.
البيت قديم ومتهالك، بعيد عن المدينة وقريب في آن، شجر كثير حوله وكلاب، يا الهي ماذا تفعل الكلاب حول هذا البيت؟ تسكنه امرأة عجوز مجنونة، الضوء لا يعرف هذا البيت، النوافذ مغلقة دائما وباصرار، المرأة العجوز التي لا يعرف اسمها وحكايتها احد، لا تخرج من البيت الا بعد منتصف الليل، تطلق الصيحات الغامضة وتحدث أشجارها، الكلاب تخرج عن هدوئها وتطلق هي الأخري نباحها المتواصل، تصحو الحارة، تتأفف النساء، يغضب الرجال، يخاف الأطفال، لكن أحدا لم يجرؤ بعد علي الاقتراب من البيت القديم المعتم والمرأة المجنونة والكلاب. وما علاقة هذه القصة بموضوع المرأة ـ الشجرة يا أستاذ؟
ماذا كانت تقول المرأة العجوز المجنونة للشجر؟
هل هو مفتاح لغزنا؟ لو أننا سمعنا بوضوح بعض الكلمات، لاقتربنا من الحل. لكن أحدا لا يستطيع أن يقترب ليسمع الكلمات الهامسة، فدائما الطريق الي اللغز محفوف بالخطر.
ـ هل أنت متأكد أن هناك شجرا كثيرا حول البيت القديم يا أستاذ؟ سألني طالب مبتسم دربته علي فن الربط بين الأشياء وتبديل المواقع.
ـ هل أنت متأكد أن هناك امرأة مجنونة وكلابا وبيتا قديما يا أستاذ؟ سألني طالب آخر علمته فن التشكيك في كل الحكايات لأن لا شيء نهائي ومؤكد في هذا العالم. طلب الطلاب عنوان بيت المرأة العجوز. قلت لهم حين تعرفون تفاصيل الكلام الخافت ما بين الشجر والمرأة ستعرفون فورا عنوان البيت. قال ليث: ما دام بعض الطلاب وأنا منهم نعتقد انك ابتكرت حكاية البيت والكلاب والشجر والعجوز فلنقم نحن أيضا بابتكار كلام المرأة للشجر وكلام الشجر للمرأة. وافقت علي الاقتراح دون أن أؤكد أو أنفي حقيقة الابتكار أو حقيقة الحكاية. سعيد: المرأة للشجر: ضموني اليكن يا شجراتي، اشعر بالبرد والخوف، اشعر بالموت يقترب. الشجرات تتحرك وتغطي جسد المرأة البارد.
حسن: مدت المرأة العجوز يدها المتجعدة، ألصقتها في جذع الشجرة العالية، تحولت اليد الي غصن جديد، همست الشجرة: يا الهي ما أجمل أن تعود غصوني الي بعد فقدان سنوات طويلة!
علي: وضعت المرأة خدها علي الأرض، تحول الوجه فورا الي جذع كبير وصلب، امتدت نحو الجذع غصون كثيرة كانت مقصوفة من شجر ميت كثير، أضيفت شجرة جديدة الي عشرات الشجر حول البيت القديم.
فتحي: قالت شجرة صغيرة للمرأة العجوز: لماذا أنت بعيدة عني يا أمي؟ اقتربي لأعيد لك شبابك وأعيدي لي توازني وروعتي.
أجابت المرأة: كم أود ذلك يا ابنتي لكن الكلاب تتربص بي.
سهيل: اقتربت المرأة العجوز المجنونة من شجرة عالية، وضعت علي جذعها بنطالا ازرق. تحول الجذع الي خصر امرأة، وضعت المرأة العجوز علي الغصون قميصا اسود فتحولت الأغصان الي يدي ونهدي امرأة.
هاشم: لم يكن ثمة شجرة ولا كلاب، ولا بيت قديم كان محض حلم، صحوت بعده، خائفا جدا وبحثت عن أمي وأنا ارتجف.
خلدون: هدمت جرافات البلدية البيت القديم واقتلعت الشجر، هربت الكلاب. ماتت المرأة، تحول المكان الي سوبرماركت كبير، لكن الجيران ما زالوا يسمعون صياح المرأة ونباح الكلاب. هل عرفتم الآن سر المرأة الشجرة يا أصدقائي؟ سألت طلابي. أجاب الطلاب بصوت واحد: لم نعرف شيئا بعد يا أستاذ.
انتهت الحصة، انتهي اليوم الدراسي، انتهي العام الدراسي. تركت مهنة التعليم، مرت سنوات طويلة، نسيت حكاية البيت والشجرة والمرأة العجوز والكلاب، ولم اعد اذكر ان كانت من ابتكارات ذهني لتدريب الطلاب علي تعلم التخيل والكتابة، أم كانت حكاية حقيقية، استخدمتها لأغراض تعليمية وتربوية. أنا الآن رجل مجنون بلا عمل، هكذا يقول عني الناس، لأنني ببساطة اعتقد أن الشجر نساء وأن النساء شجر، أتعرض دائما لضرب الناس وتعنيفهم حين يرونني المس عين امرأة معتقدا أنها ثمرة خوخ ناضجة للقطف، يا الهي أنا مجنون فعلا.