في 20 أيلول من السنة الماضية التقى رئيس الوزراء نتنياهو والرئيس الأمريكي بايدن في فندق “إنتركونتننتال” في وسط منهاتن، لأول مرة منذ عاد نتنياهو إلى الحكم في 2022. استغرق اللقاء وقتاً أكثر من ساعة بقليل، والعنوان الرئيس الذي خرج منه كان القلق الذي أعرب عنه بايدن من الانقلاب النظامي. لكن في حديث ثنائي بين الزعيمين، بعد نحو سنة، امتنع بايدن استعراضياً عن دعوة نتنياهو إلى البيت الأبيض – برز موضوع مركزي آخر: التطبيع بين إسرائيل والسعودية.
في الأيام ما قبل وما بعد هذا اللقاء، كان يبدو أن اتفاق التطبيع مع السعودية مسألة وقت، وأنه بالإمكان تحقيقه في غضون بضعة أسابيع. وجدت وسائل الإعلام صعوبة في متابعة سلسلة العناوين والمنشورات التي تشهد تقدماً في الموضوع. وبالتوازي، في لقاء بين نتنياهو وبايدن قال ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، إن اتفاقاً بين بلاده وإسرائيل قد يكون “الأكبر منذ الحرب الباردة”. في مقابلة مع قناة “فوكس نيوز”، قال بن سلمان: “نقترب في كل يوم” من تحقيق هذا الاتفاق، وهو تصريح فاجأ حتى البيت الأبيض ومكتب رئيس الوزراء في إسرائيل في مدى التفاؤل الذي عبر عنه.
في الغداة، أفادت “وول ستريت جورنال” بأن نتنياهو يميل للموافقة على الشروط التي تطرحها السعودية في موضوع تخصيب اليورانيوم، رغم مخاوف كبار رجالات جهاز الأمن في إسرائيل من تداعيات إقامة صناعة نووي في المملكة. مر يوم آخر وصرح نتنياهو، في خطاب أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة، بأن إسرائيل والسعودية “على شفا اختراق لاتفاق سلام تاريخي”.
موضوع واحد كاد لا يظهر في هذه التقارير: المسألة الفلسطينية. بين رغبة نتنياهو في عرض إنجاز في المجال السياسي – بعد سنة من التوترات الداخلية الشديدة في إسرائيل – وبين رغبة بن سلمان في تحقيق اتفاق دفاع متبادل مع الولايات المتحدة، كان يبدو أن الفلسطينيين ليسوا أكثر من ملاحظة هامشية. في خطابه في الأمم المتحدة العام الماضي، قال نتنياهو إنه “محظور إعطاء الفلسطينيين حق الفيتو على مسيرة السلام مع الدول العربية”، لكن بن سلمان اكتفى في المقابلة مع “فوكس نيوز” بقول عام عن الحاجة إلى التسهيل على حياة “الفلسطينيين”، دون أي تعهد بدولة فلسطينية.
لم يختف تأثير الموضوع الفلسطيني على الاتصالات مع السعودية تماماً عن جدول أعمال نتنياهو. ففور عودته إلى إسرائيل في نهاية أعمال الجمعية العمومية للأمم المتحدة، ركز على موضوع واحد كان يمكنه أن يلقي بظلاله على التطبيع المقترب: التوتر على طول حدود قطاع غزة. بالتوازي مع وجوده في الولايات المتحدة والعناوين المتفائلة التي كانت تنشر يومياً في الموضوع السعودي، كانت مظاهرات كبرى تجري كل مساء على الجدار الحدودي بين غزة وإسرائيل، بمشاركة آلاف الفلسطينيين. وسمع جهاز الأمن تحذيرات من تصعيد محتمل.
وكان مسؤول إسرائيلي كبير شارك في المباحثات في تلك الفترة، قال لـ “هآرتس” إن التخوف من تصعيد في القطاع، لرد إسرائيل على موجة المظاهرات، طرح في عدة مداولات في السياق السعودي. وعلى حد قوله، “كان واضحاً بأنه إذا تصاعد الوضع في غزة وتدهور ربما يبرد السعوديون ويزيد تركيزهم على العنصر الفلسطيني في التطبيع”. في محاولة لمنع هذا، حاولت الحكومة الوصول إلى تفاهمات مع حماس على وقف المظاهرات مقابل امتيازات اقتصادية، مع التشديد على زيادة المنحة القطرية.
بالتوازي، واصل نتنياهو الضغط للتركيز على الموضوع الذي لا يزال يعتبر عائقاً مركزياً وهاماً أمام تحقيق الاتفاق: الطلب السعودي لتخصيب اليورانيوم. في الأسبوع الثاني من أكتوبر 2023، فور “ما بعد الأعياد” كان يفترض إجراء سلسلة مداولات حاسمة في الموضوع بمشاركة نتنياهو وديرمر وكبار رجالات جهاز الأمن.
عندها بالضبط، حين بدا أن الطرفين أقرب من أي وقت مضى من تحقيق اتفاق، عاد الموضوع الفلسطيني إلى مقدمة الساحة الدولية، مع هجمة حماس في 7 أكتوبر. فالمذبحة التي قادها زعيم المنظمة في غزة، يحيى السنوار، أمسكت بمفاجأة مطلقة ليس فقط إسرائيل، بل السعودية أيضاً. وكان رد المملكة الأولي على الهجمة بياناً من وزارة الخارجية في الرياض، نشر في اليوم ذاته في الساعة 15:00 بعد الظهر.
بعثت الصيغة خيبة أمل وغضباً في إسرائيل، وعلى حد قول مسؤول إسرائيلي، كان يمكن الاستنتاج منها إلى أين تهب الريح في المملكة. فقد جاء في البيان بأن السعودية “تتابع التطورات والوضع غير المسبوق عن كثب بين عدد من الفصائل الفلسطينية وقوات الاحتلال الإسرائيلية، التي أدت إلى مستوى عال من العنف في عدة جبهات. وتدعو المملكة إلى وقف التصعيد فوراً”. مصطلحات “حماس” و”إرهاب” لم تظهر في البيان.
امتداد الحرب واتساعها إلى ساحات أخرى جعلا تطلع إدارة بايدن لتحقيق اتفاق تطبيع حتى قبل انتهاء ولاية الرئيس، متعذراً. وبالتوازي، أصبحت الرسائل في الموضوع الفلسطيني لدى الجانب السعودي أكثر وضوحاً، وبرزت على المستوى الجماهيري. وزير خارجية المملكة، فيصل بن فرحان، نشر الأسبوع الماضي مقالاً في صحيفة “فايننشال تايمز” أوضح فيه أن المملكة ملتزمة بإقامة دولة فلسطينية، ولن تقيم علاقات مع إسرائيل دون وجود مسار واضح لإقامة مثل هذه الدولة.
في خطاب ألقاه بايدن بعد أسبوعين على هجمة حماس، قال إنه عشية الهجمة “أراد السعوديون الاعتراف بإسرائيل”، وأضاف بأن “أحد أسباب هجوم حماس، معرفتهم بجلوسنا مع السعودية”. بعد سنة من الهجوم، يبدو أن السنوار نجح في تحقيق هدفه في هذا المجال على الأقل.
أمير تيفون
هآرتس 9/10/2024