كتابات جمال الغيطاني التناصية بعيون مغربية
إبراهيم الحجريكتابات جمال الغيطاني التناصية بعيون مغربيةللسفر نكهته ومتاهاته وتعرجاته المحفوفة بالمخاطر، ولكن حينما يكون هذا السفر متخيلا أو هو شبيه بذلك، تصبح له نكهة مضاعفة ورغائب شتي، وإذ تجتلب بالذات دماء التحدي وتغلي شهوات ركوب المخاطر هذه، تعصف في أعماق النفس أنواء التحدي وتشتبك في وصل عميق مع حب البحث والتقصي وارتياد فضاءات أوسع. ذاك ما كان الباحث والكاتب الحبيب الدائم ربي يفكر فيه، بوعي مضاعف (وعي المبدع ووعي الباحث)، وذاك ما كان يؤرقه وهو علي مشارف الخوض في هذه الرحلة السردية المشرقية العصية، وقد كان مزودا إلي جانب فورته الإبداعية وخبرته في الكتابة، بشغف الباحث المتعطش لمزيد من المغامرات الكشفية الأركيولوجية في مفازات الحكي العربي، وبخاصة منه الروائي، وبتراكم قرائي في أسفار النقد الغربي ونظرياته، وهو إذ يصنع تجربته بتفرد ومقاسات خاصة ويشيد تصاميم إبداع سروده ومحكياته القصصية والروائية بطرق خاصة ومغايرة، فإنه كذلك يستهويه التعرف علي تجارب الآخرين في الكتابة والغوص في التجارب الإنسانية الفنية، علي اختلاف تجلياتها وتمظهراتها، خاصة حينما تكون مترعة بالشاذ عن القواعد والمنزاح عن الخطوط الحمراء المتداولة.وبالرغم أننا نعرف قيمة المغامرة في البحث والتقصي لدي الحبيب الدائم ربي (الكاتب)، إلا أننا وجدناه هنا حذرا محتاطا متريثا شديد الحرص، ولعمري إن ذلك أمر يقتضيه منطق البحث العلمي؛ والتزام تستوجبه قواعد استجلاء الحقائق المضبوطة. وقد نجح الحبيب، إلي حد كبير، في الفصل، داخل الذات، بين الكاتب المبدع المغامر؛ المشرع أجنحته للأفضية القصية اللاثابتة، وبين الباحث (وليس الناقد لأن الناقد يكون سيد مسافاته يرسم شكل انعطافها كما يشاء) الذي يقتفي أثر الأعراف والأقانيم المدرسية، ويكيف، وفقها جهوده وحفرياته، دون أن يتجاوز التعليمات التي يفرضها أمر الإشراف. لذلك نجده، في مقدمته، حريصا علي تحاشي المنزلقات والمهاوي السحيقة التي قد تؤدي إلي منزلقات وهفوات تخرج به عن سكة البحث العلمي. وإذا كانت طبيعة البحث العلمي قد حرمت الرجل من اقتحام سفراته السندبادية، فإن اختيار الباحث، في حد ذاته، ينم عن احتفاء بالمغامرة، والدليل علي ذلك هو سلكه لهذا الموضوع الشائك والعويص، والذي تتجلي متاعب خوضه علي الأقل في موقعين:- اتخاذه من موضوع التناص رهانا لبناء الأطروحة، وهو موضوع كما هو معروف ما يزال حديث العهد لم تُتَراكم فيه بعد الكثير من الدراسات والبحوث بما يكفي.ـ تناوله لهذه الظــــاهرة من منظور شمولي، وداخل تجربة ســردية عرفت بنهجها التجريبي المغرق بالفرادة والبحث عن الغريب والجديد والمغاير، تجربة تؤسس صوتها خارج المتعارف والمألوف؛ وبعيدا عن المتراكمات القرائية التي تحكم أفق القراءة لدي المتلقي العربي. ومع ذلك خاض الباحث هذا التحدي وحشد كل قواه وشحذ كل إمكاناته وصقل مواهبه واستنفر كل طاقاته ليلم شتات المراجع والمصادر ويفتك بكل العوائق التي تحف مماشيه في هذه الرحلة القرائية.وقد تناول الباحث هذا الموضوع المتشعب عبر مراحل، استفتحها بمدخل نظري، يوضح خطة العمل، ويضبط التصور النظري للمفاهيم المستعملة، ويبرم من خلاله تعاقده قرائيا مع المتلقي، سواء من خلال طرح الإشكاليات أو من خلال تقديم المتون المتناولة في الدراسة أو من خلال اقتراح الفرضيات المبحوث عن مدي تحققها انسجاما مع الطرح العلمي.بعد ذلك قسم مبحثه إلي أربعة أبواب كبري، كل منها ينقسم إلي فصول، وكل فصل يتوزع عبر محاور.ـ الباب الأول، وقد قسمه إلي فصلين، الفصل الأول ويفصل فيه الباحث القول في تحديد المفاهيم واستقصاء تطورها، ومن هذه المفاهيم نذكر: الكتابة- النص- التناص- تناص الكتابة- كتابة التناص وغيرها، وقد حاول الحبيب الدائم ربي البحث عن العلائق والدلالات الناظمة لهذه المقولات والمفاهيم البؤرية التي سوف يشتغل كثيرا في مبحثه هذا، وهو لم يصرف جهده إلي تتبع تمظهراتها التاريخية تبعا لاستعمالاتها عند العرب والغرب فحسب بل كان الهم عنده هو محاولة تحويل هذه المفاهيم وتطويعها بما يتسع لشمل الإبداع العربي، باحثا عن إمكانيات تلبيسها بزي الطابع العربي بعيدا عن أي إسقاط، إن الغاية هنا ليست استعراض المعارف والمعلومات كما أوردها السابقون فالمعارف مع سطوة التكنولوجيا أصبحت مطروحة في الطريق بتعبير الجاحظ، لكن الغاية هو حصر المراد من هذه المفاهيم، وقد اقتضت الضرورة هذه الوقفة لكون هذه المقولات فضفاضة وتخترق حقولا متعددة وشاسعة. أما الفصل الثاني من هذا الفصل، فقد خصص للإمكانات التي أباحتها الدراسات المتناولة لمفهوم التناص منذ نشأتها إلي حدود أن اصبح مصطلحا، ومن جملة المحاور المتناولة في هذا الباب نذكر: أسئلة التناص وحدوده- مصطلح التناص بين النشأة والامتداد- جدلية النص والواقع- العلائق التناصية (علاقة التحقق- علاقة التحويل- علاقة الخرق). ويتناول الباب الثاني مسألة تجنيس النص المشتغل عليه، في الفصل الأول من حيث الشكل: (فن الخطط- فن الرواية-الرواية العربية- خطط الغيطاني). وفي الفصل الثاني تناول الباحث تجنيس الخطاب من حيث (التاريخ – الأسطورة ـ كائنات أخري). الباب الثالث يتعرض لآليات التناص في خطط الغيطاني من حيث آلياته: (اللغة ـ المتخيل الأسطوري)، هذا في الفصل الأول أما الفصل الثاني فيبحث في تذويت الملفوظات من خلال: ( الذات المتكلمة [الضمائر ـ الأزمنة ـ المنظور السردي] وحوارية الذوات (المفردة القلقة ـ صخب الجمل). الباب الرابع والأخير يتضمن هو الآخر فصلين، الفصل الأول يتطرق لمسألة التشخيص اللغوي من خلال محاور (الوجه والقناع ـ التهجين ـ محاكاة أساليب الغير ـ المعارضة الساخرة ـ المفارقة [مصادرة الواقع علي الخطاب ـ مصادرة الخطاب علي الواقع]، وأما الفصل الأخير الموسوم بـ المرايا المتقابلة ، فقد خصص لمجموعة من القضايا نختزلها في: (الفضاء النصي أو الكتابة بواسطة العمارة ـ الانغلاق/ الانفتاح ـ التكرار ـ التجاوز ـ التشذير ـ تداخل الفضاءات ـ صورة نارسيس أو الأنا المضاعفة). وختم الباحث الحبيب الدائم ربي رسالته الشيقة هذه باستشراف دلالي أو سؤال استباقي بحثا عن أفق دلالي وفني من خلال مغازلة هذا المتن الذي يندرج ضمن مشروع مفتوح؛ فتح الحبيب الدائم ربي ومن أتي بعده ومن سبقه في الزمان والمكان، لكنه أكيد لن يغلقه.إن طبيعة الاشتغال في هذه الأطروحة تنم عن تأمل عميق في العمل المدروس وتمثل أعمق في سلطة المفاهيم الأدبية والنقدية المشتغل عليها هنا، حيث نلفي الباحث يقف علي كل مفهوم استعاره من منظومة معينة سواء كانت من حقل الأدب أو خارجة عنه إلا وقف عنده وقفة نظرية ملية ومركزة، قبل أن يوظفه لخدمة مشروعه النقدي الأكاديمي. ونشتم في هذا العمل رائحة الكاتب المتدبر للأمور الواعي بطقوس الكتابة وأقانيمـــها حيث تحبل اللغة في كثير من الأحيان بشعرية خلاقة وتراكيب تحفل بالمتــــعة في التعبير، وهذا العمل، بهذه الصورة لا يمكن أن يصدر إلا عن كاتب متمرس امتلك ناصية اللغة وخبر مسارب الكتابة وتجول كثيرا عبر باحاتها وعرصاتها واقتحم مجاهلها؛ ولا يمكن أن ترد سوي من لدن كاتب اسمه الحبيب الدائم ربي”. فالباحث تجنب في خطابه اللغوي الركاكات والأخلاط والهنات الكبري التي تحفل بها الرسائل والأطاريح الجامعية، وتسلح إلي جوار المنطق العلمي الأكاديمي بروح المبدع المتفنن في انتقاء العبارات الأشد تأثيرا والأعمق بلاغة لينزاح بذلك عن الخطاب الجاف الذي تشي به الرسائل الأكاديمية بحجة معانقة الصرامة العلمية والمنهجية اللتين لا يخلو منهما هذا الكتاب الرائع. لقد قام الحبيب بقراءة تفكيكية للمتن واشتغل بعمق علي المضامين ليفرز الغائب فيها، خفيه وبارزه، كاشفا عن الدلالات والسياقات التي تؤطر اشتغال جمال الغيطاني علي هذه النصوص الغائبة، متتبعا حضور نصوص ومقولات وكليشيهات أخري في الخطط مبرزا الدلالات التي تنتظمها والوظائف التي تلعبها في شد لحمة النص وتشييد المعاني فيه، وخلق شعريته وتمفصل بناه ونواياه التواصلية مبديا قدرة قل نظيرها في تمثل مناهج الغرب الأدبية ومعرفة كيفية تطبيقها علي متن عربي غريب عنها، وتكشف الأطروحة عن تمرس الباحث بكفاءات ومهارات عليا في التحليل والتأويل والقراءة والاكتشاف، إذْ إنه استطاع تخريج نصوص وظفها الغيطاني في متنه بشكل محور ومتصرف فيه، مما أضحي معه أمر ضبطها شيئا من الصعوبة بمكان! وهذه المهارة تأتت للكاتب انطلاقا من حبه العميق للقراءة وحرص شديد علي المطالعة باللغات الثلاث الفرنسية والإنجليزية والعربية.عموما لقد أطلعتنا هذه التجربة في البحث علي الوجه الآخر للحبيب الدائم ربي الذي عرفناه وجها مشعا في مجال الكتابة السردية بأنواعها، وكشفت لنا كم يختزله هذا الكائن الخجول من مهارات، حيث يجمع إلي جانب الكتابة الأدبية والنقدية اهتمامات في الترجمة والبيداغوجيا والتأطير! في وقت قلت فيه مثل هذه الموسوعية لدي كتابنا وباحثينا الذين قضت نقمة التخصص علي الكثير من مهاراتهم، وحدت من آفاق تبحر العقل والذهن المغربيين في أمدائه الرحيبة التي اعتادها منذ القدم.كاتب من المغرب0