كتابا «هي عصايَّ» و«مياه صالحة للقتل»: مختلفان شكلاً مؤتلفان اختلافا

ما حيثيات الكتابة عن كتابين معاً؟

إنَّ التنبّه جائزٌ نقدياً خلاف الكتابة الإبداعية، ولهذا فنمذجةَ القراءة ضمن توصيف محدد مهمّ، ويسهّل عملية دخول عوالم النصّ المراد قراءتهُ، أو فكّ شيفرته، أو تبيان ملامحه وخطوطه العريضةَ التي ساقت النّاص النقدي لارتكاب جناية الاقتراب، الذي يفترض الحذر، وربّما هي حالي مع كتابين، كلّ منهما لهُ حقلهُ أو شكلهُ، وإن جمعتهما ثيمة واحدة ومبادرةٌ واحدةٌ: «الشعر» فاتفقا مبدئياً فيه من حيث التسمية، واختلفا مبدئياً أيضاً في سلوكية وطريقة الأداء، أمّا بشأنِ المبادرة فهي «حواس» التقاء رغبات ونيّات أصدقاء أرادوا وضع الكتابين في حيز المتلقي، الأول «هي عصاي» لعبد السلام العبوسي عن دار إرواد، والثاني «مياه صالحة للقتل» لحسين الضاهر عن دار موزاييك، لتكتمل دائرة المبادرة بالإشارة إلى أنّ الدار الأولى يديرها أحمد م أحمد، وهو شاعر ومترجم، والثانية يديرها الشاعر والناقد محمد طه العثمان، ما يعني أنّ الشرط التجاري لا يثقل الكفّة بمقدار ما يثقلهُ الشرط الإبداعي، الذي وفرّ مناخاً طيباً وسلساً أمام عملين، سأعرضُ لهما بقراءة تعريفية واحتفائية، أكثر منها قراءة ترتجعُ إلى السند النقدي الصارم، الذي يحتاجُ بدوره إلى مساحةٍ أوسع ومزاج مرتاح للتلقي!
إذا كان من فكرة سأطرحها، ستنحازُ وبما لا يقبل الشكَّ إلى الدرس النقدي الذي أوصت بهِ اللسانيات، من حيث ازدحام النصّ، وأي نصّ بتعدد الشيفرات ووفرة الدلالة، وبالتالي التناقض ربّما، التناقض الذي يستلزمهُ العالم كحياة معيشة، بمعنى ما الكتابةُ كمحاكاة لها، وقد يكون قول مالارميه: «لا شيءَ يضافُ إلى الطبيعة» يعني الشطوط التي يرتادها النّاص الإبداعي ويتوزّع عليها بتنافراتهِ وتوافقاته، وهذا ما يتوفرُ بطريقة أو بأخرى في «هي عصاي» و»مياه صالحة للقتل، وتكادُ لا تسلَم من هذا التشظي الدلالي أو تعدداتهُ الأعمال المنجزة في تاريخنا المعيش، ذلك أنّ الحياة نفسها تتمايز عن نفسها وبشكل صادم ومفاجئ، وهذا بالضرورة يسمُ النفس الكاتبة بوسمها، باعتبارها الأكثر حساسية وتنبّها لهذه التبدلات، وغالباً هي تبدلّات غير انسيابية أو موضوعية أو منهجية، بمقدار ما هي انفجارية ومخالفة للتوقعات والرتابة في التحولات. بمعنى إحالي: الكتابةُ الحياةُ.

«هي عصاي» للشاعر عبد السلام العبوسي:

نفترقُ أنا والعبوسي كجيل شعري وشكل كتابة، إلّا أنني أعرفهُ ونشغلُ وننشغلُ بالمكان ذاتهُ، كلانا يكتبُ عن جنوب ما، وقضايا ما بطريقته وبأغراضه، لماذا أعرضُ هذا المفصل الذي سيبدو شخصياً، أولاً لأدلّل على البيئة التي كتب فيها صاحب «هي عصاي» التي تكاد تكون نفسها بيئة صاحب «مياه صالحة للقتل»، أقصدُ الوسط الريفي أو البدوي، بميلهِ أساساً إلى البساطةِ وعلاقتهِ بالطبيعةِ، واقترابهِ من السلف الشعري أكثر من الاقتراب المديني له، الأمرُ الآخر يتعلّقُ بشكل القصيدة، في مجملِ، أو لأقل كلّ كتابته، يُخلصُ العبوسي لأوزان الفراهيدي ويُجيدُ بها، في حين غالبية مجايليه خطوا طريقهم في النثرِ أو التفعيلةِ، ذلكَ أنّ الكثير من الوزن لم يذهب بعيداً عن محاكاة بائسة للقصيدةِ القديمة، أو تلبّس حالاتٍ تطريبيةٍ اكتفت بالوزنِ والغنائية والفكرةِ الطافية بسذاجة، حتى صارت قصيدة العمود محكوما عليها سلفاً بالانتماء إلى أحدِ الشكلين الآنفين، ما عطّل قراءة خروجات على هذا المنحى، الذي عزّز القطيعة قرّاء كُسالى وغياب كليّ للنقد، يدرسُ المادةَ بوصفها فعلاً أصيلاً، كما في حالةِ العبوسي، الذي يتجاور مع النثر بحساسية شديدة، وبدونَ أن يُخلّ بمقترحه الوزني، وأجدُ هنا مقولة باسترناك معبّرة للغاية التي في نفسي: «إن أجملَ سطرٍ في القصيدة هو ذاك الذي يبدو نثرياً» يقول:» لستُ امرأَ القيس في ما كانَ يشبهني/ ولاسَكِرتُ على صنّاجة الأعشى/ وحدي أفتّشُ في صندوقِ زينتها/ ليلاً، لأتركَ في مِرآتها خَدْشا»، ربّما يأتي النثر كقصيدة صعباً، فهو يتخلىّ عن المعادلِ الإيقاعي لحسابِ تلك الحمولةِ المعرفية، أو التجريبية متحرراً من الإطار الذي يحدّد ويحدُّ من الانفلاتِ إلى الدهشة، المعني هنا حالات منجزة وأصيلة في قصيدة النثر، وليس مجموع الكتابات، وهو ما يتفهّمه العبوسي، ويتّضحُ من أدائهِ المتمثّل في سرقةِ خيطِ الدهشةِ بالسلاسةِ والاعتناء بالإيقاع، كجزء من أجزاء كثيرة تتكامل، لتصنعَ في النهايةِ شكلاً يتوافر على الموسيقى والعمق معاً: «قليلون، اختصِرنا من زحامٍ/ ولم نُدرك بكثرتنا ازدحاما».
في «هي عصاي» وإن كان العبوسي يستحضرُ قاموساً له علاقة بالموروث والتراث الشعري والديني والأسطورة، هو في الوقت ذاته يعدّدُ أغراضهُ، ويتناولُ قضايا وأفكاراً، حيناً بالتصريح وحيناً بالتلميح، وبدونَ الإخلال بالفكرةِ الشعرية لصالح الفكرة لمجرد أنّها فكرة وفي متناول يَد الجمع: «أصيحُ بالعود والعوّادُ جارحُهُ/ أنا وأنتَ بها ياعودُ نرتجِفُ/ وكلما انكسرتْ في الحزنِ ضحكتُها/ وجدتُ روحي على أطلالِها تقفُ»، ويقولُ: «من فائتِ العمر أم من عمري الباقي/ سأشربُ الآن حتى يتعبَ السّاقي/ الفرقُ ما بيننا مَحضُ اختلافِ أسىً/ حزني الرخيصُ يُداري حزنِك الراقي».
جملةُ العبوسي أنيقةٌ ترتكزُ على المزاوجة بين العمقِ وما يحملهُ، غير متكلّفة، وتشيدُ علاقة مع المتلقي، من حيثِ سهولتها، روحها الخفيفة، باختيار بحرها، وكذلكَ بجمالياتها وإحالاتها إلى مستويات عدة للتلقي، أي يمكنُ لشبهِ قارئ أن يشدهُ الوزن، فينحازُ إليها، ويمكن لقارئ ذكي أن يتلمّس ذلك الخيط الخفي، وتلكَ العناية الذكية من شاعرٍ، يستطيعُ أن يصل في ذاتهِ الناثر بالشاعرِ.

«مياه صالحة للقتل» للشاعر حسين الضاهر:

«الجندي الذي خسرَ قدمه/ يتمنى لو أنّه شجرة/ حتى ينمو غصنٌ في فراغ بنطاله» بهذه الروح التي تنتصرُ للحالِ التي عليها البلاد يكتبُ الضاهر، وهو يقاربُ قصيدة الحرب، باعتبارهِ قريبُ تلكَ الأصوات العالية، ولربّما صار جزءاً منها، وبالتالي لا يمكن للغتهِ أنْ تنفكّ منها، تتفارقُ تجربة الضاهر عن العبوسي شكلاً ومكان إنجاز، وتتفقُ معها من حيثِ الإخلاص للبساطة المتنبّه لها، تأتي أغلبُ النصوص مستفيدةً من لعبة النثر، أو لنقل اللعبة الذكية، التي تتوفر في القصيدة النثرية وتكاد تغيب عن الكثير جداً من منجز قصيدةِ العمود. في مياه صالحة للشرب تظهر اللازمة التي تخلقُ مناخاً موسيقياً، وتقسّم النصّ ليكونَ مقطعياً، بعيداً عن الملحمية التي قد تشتت منتجها ومتلقيها، وهي نقطة أخرى تضاف إلى مجموع الحيّل في جرّ المتلقي والتصالح معه في نقطة ممتعة ومفهومة ومفخخة بالدلالة في آن:
«ثلاثون سنة/ ونحن نرمي للنوارس خبزاً بائتاً وابتسامات/ هكذا بلا مقابل/ ثلاثون سنة/ ونحن نسكر في الخرائب و»مازتنا الخوف/ ثلاثون سنة/ في مديحِ الرمل المستقرّ في قعر الكأس/ ثلاثون سنة/ يمكن خلالها لبندقية أن تشيخ/ ويمكن لحرب أن تملأ جيوبها دموعاً/ وتغلق الباب».
من الواضح أنّ كتاب «مياه صالحة للقتل» يتكئ على منجز قصيدة النثر، لكن من الواضح أيضاً الحالة الفطرية أو التفاصيل الصغيرة التي تتوازعُ الكتاب، وتجعلهُ أقرب إلى سيرة سردية، تحافظ على روح الشعر.
ينطلقُ الضاهر من شخصه الذي يعاين الأشياء بعينين، عين الشاعر وعين الرائي، ولهذا تتعدد ثيماته، وهي غالباً تتراوحُ بين ما يجمعه بالآخرين وأحزانهم وآمالهم وخساراتهم وهي بالضرورة انشغالاته وتفاصيلهُ اليومية أو ما راكمتهُ الحياة له، وما نصّه الذي تتبدّى فيه خيوط السيرة، إلّا انعكاس مبكرّ لتلك الرواية المسرودة شعراً، وبحساسية لافتة وبانكسارات وتفاوتات بين نصّ وآخر، كما لو أنّ الكتابة هي نفسها الحياة، بحسب فكرة مالارميه» يقولُ: / كلّما ظننتها خمدت/ نيران المعركة/ يتطايرُ الشررُ من تلفازي الصغير».
في «مياه صالحة للقتل» تتواجد الأفكار بوصف الكتاب يحفلُ بما يقرّبه من سيرةِ أحدٍ لهُ عينُ الأشخاص الذين يجلسون إلى أنفسهم، في لحظات يغيبُ هاجس الكتابة، أو لن يكونَ مُفكّراً بها، ربّما ذلك الشعور الخفيّ باللاجدوى، وقد تكون هذه اللحظة ذاتها فكرةً أو مادةً شعرية، تتمايزُ عن «الفكرة المرمية على قارعة الطريق» السهلة والمتناولة من الكثيرين، ولعلَّ هذا ما عنيتهُ بالاختلاف أو المغايرة، الثيمة التي سحبتني لأكتبَ عن كتابين يتفارقان شكلاً ويأتلفان في أصالة الطرح والجودة.
اللغةُ في «هي عصاي» مسبوكة، تتناصُ مع الديني والموروث، ولهذا نرى العنوان قد جاء استجابة لهذه المفارقة، التي أخذ بها عبد السلام العبوسي، في حين اللغة في «مياه صالحة للقتل» تتساوق مع اليومي والهامشي والتفصيل، يكاد يكون عنوان العبوسي قريباً من متنه، وعناوينه الداخلية هي قراءة أولى لنصه، ولا تتساوق مع علوّ النصوص من حيث إيلاء الأهمية لها بوصفها عتبة مهمة، بينما يأتي عنوان الضاهر مجازياً ومشغولاً عليه شأنهُ شأن عناوينهُ الداخلية.

٭ شاعر وناقد سوري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية