وحده الحاضر هو فرحنا، ولذلك فإن الكاتب لا يجد فرحه سوى في النفس، في الجزء الأفضل من النفس، هكذا يكتشف جماليات الوجود حين يغمد نفسه في كلية العالم، علاقة النفس بالنفس، كتابة النفس، فبأي معنى تتحدد هذه العلاقة الأنطولوجية بين النفس والكتابة؟ وماذا تعني هذه المتعة المقدسة؟
الكتابة مجرد تدريبات روحية، ملاحظات حول الكينونة، علاج للانفعالات والقلق، والاضطرابات، لأن الكتابة تكشف عن عيوب الذات، إنها مدخل إلى علاج النفس من ثقل الماضي وقلق المستقبل: «شيئان عليك أن تنقصهما عنك؛ الخوف من المستقبل، وذكريات المتاعب الماضية فهذا لم يعد يعنيك، وذلك لم يقع بعد»، كما قال سنيكا، يجب أن نصبح سادة على أنفسنا، وإلا لن نكون سعداء.
اليوم سيكون آخر يوم، لقد عشت ما يرغمنا على التفكير في الحاضر، هو أمراض النفس من قبيل الانفعالات، الثروة، المجد، السلطة: «دع الروح السعيدة بالحاضر تتعلم العودة إلى العقل، فمن خلال الكتابة تهاجر الروح نحو برزخ العقل الفعال.
ما مضى فات ولن يعود، فلماذا التفكير فيه، فكيف يمكن لشخص أحب الحياة أن يكره الوجود؟ فهل لك الحاضر الذي أنت فيه؟
قال سقراط: أي كريتون: إنما الحياة داء والموت هو الطبيب، ولذلك فإن نيتشه اكتشف أن سقراط كان يحب الموت، أراد أن يموت، وإلا ما معنى: أي كريتون نحن مدينون بدين لاسكليبوس، هل كان يريد الشفاء من الحياة في هذه اللحظات الأخيرة من حياته، فأسكليبيوس إله الطب والشفاء عند الإغريق.
بإمكانك أن تكون سعيدا الآن وإلا لن تكون سعيدا أبدا، البحث عن الاسترخاء والعيش البهيج في الحاضر والفرح في الوجود: «بينما نحن نتحدث فقد فرّ الزمن الغيور. اقبض على اليوم ولا تضع ثقتك في الغد».
منذ بدأنا الحوار اقتربنا أكثر من الموت، وهايدغر يقول إن استباق الموت شرط ضروري لما سماه الوجود الأصيل. إذ يصف الوجود الإنساني بأنه وجود للموت باعتباره الفعل الوحيد الذي لا يستطيع أن يكله إلى غيره. وما الفلسفة سوى تدريب على الموت بوصفه انفصال الروح عن الجسد.
فكل يوم جديد تطلع عليك شمسه سيكون يومك الأخير ولسوف تتلقى كل ساعة غير منتظرة بالشكر والعرفان.
كاتب مغربي