ثمة طرائق متعددة لترديد اسطوانة المعنى، فحيث يوجد شيء ما، يوجد هو، إما بصيغة فكرة أو بصيغة «شيء». وبقدر ما يوحي المعنى بحضور حالة معينة من التسامي، إلا أن واقع الأمر لا يفتأ يطالعنا بغير قليل من تردياته. تلك التي يمكن معاينتها في سائر المجالات الثقافية والمجتمعية.
لكن مع ذلك، ففي الحالتين معا، تتأكد الحاجة الملحة إليه. ما دمنا ملزمين بالحسم في اختياراتنا، بين ما يبدو منها منسجما مع النسق المعرفي، الذي نكون بصدده، وما يبدو مضادا ومناوئا لجوهر هذا النسق، بصرف النظر عن طبيعة مساراته، المراوحة عادة بين حد الإيجاب والسلب.
ليس الكائن البشري وحده المعني بالموضوع، العناصر المرئية والمجهرية التي يتشكل بها ومنها الكون، هي أيضا معنية به. وضمن هذا السياق، يندرج السؤال المعرفي الباحث عن الحقائق المتأصلة في صلب التفاعلات الفيزيائية، المحيطة بالكيان البشري، خلال تفاعلاتها المؤطرة بقوانين الانسجام أو التنافر. ما يوحي بأن علة الوجود البشري، تتلخص في هاجس الكشف عن المعنى، حيثما وجد ذلك الغموض المكتنف لظاهر الشيء وباطنه. وحيثما ألحت الحاجة على امتلاك ما يستعصي علينا امتلاكه. وهي المقومات التي ينهض بها سؤال المعنى، حيث سيكون عليك البحث في المنهجية التي يفكر فيها الفراغ، داخل الحلم وخارجه، ليس فقط في الأشكال المركبة، ولكن أيضا في ما يبدو منها بسيطا وجاهزا لتقمص غلالة المعنى. باعتبار أن الحكم على الشيء ببساطته، لا يعدو أن يكون في واقع الأمر، إلا تنصلا من بذل أي جهد معرفي، يروم تعقب خطوات ما نتوهم أنه بسيط وواضح المعنى.
وإذا كانت حظوة القبض على المعنى، هي الدليل الرمزي على تمكننا من أشياء المكان أو الزمان، فإن هذا التمكن يعتبر في حد ذاته إشكالا حقيقيا، بالنظر إلى تواضع مستوياته. باعتبار أن التفاعلات الكونية كافة، تتحقق بدون أي حاجة ماسة، أو ضرورية لحضورنا، مع الاعتذار للقائلين بمركزية الإنسان. لأن الكون يشتغل بقوانينه الخاصة، التي تقع خارج حدود علاقة الكائن بالفهم والتفسير. وبالنظر للدقة والسلاسة التي تشتغل بها هذه القوانين، فإنها تظل خارج دائرة إدراكنا الحالي، الذي نستند إليه في وضعنا لخطاطات المعنى.
إنها غير موجودة على الإطلاق بالنسبة للإمكانيات البسيطة التي يتبجح العقل التجريبي بامتلاكها. وتلك هي الخاصية الأساسية للقوانين الكبرى المؤثرة في آلية اشتغال الوجود. وبالنظر إلى إمعانها في التخفي، كان من الطبيعي أن تستفرد بمعانيها المنفلتة، التي تستهوي كلا من المقاربات الدينية والإبداعية، على حد سواء. والقول بالقوانين الكبرى، يتضمن إشارة إلى القوانين المعتمدة من قبل العقل البشري، والمتميزة أساسا بخصوصيتها التقنية المنتمية إلى المنجز العلمي، بمجموع ما تتميز به مهاراته من تفاعلات. علما أن الحد التقني يوجد أيضا في القوانين الطبيعية. فحركة الشروق والغروب من حيث الجوهر، ذات منحى تقني. والشيء نفسه بالنسبة للمد والجزر، وكذلك لدورة الفصول، وغيرها من الظواهر المرئية والخفية. فإذا كانت التقنية البشرية تخص علاقتك الذاتية بأشياء العالم، فإن التقنية الطبيعية تخص علاقة العناصر الكونية بغيرها.
نستحضر في هذا السياق، السيولة المفرطة للكتابات المتلذذة بطعم الانتكاسات، باعتبارها حجر المعنى الذي يصيب الأكباد «المفطورة» كافة سلفا. من هنا يمكن القول، إن الفضاءات العامة هي الإطار الموضوعي الذي تكتسب فيه الأشياء دلالاتها ومعانيها.
عموما، إن إثارة إشكالية المعنى تقتضي حضور نسق، بما يفيده النسق من حضور لسؤال البناء، الذي يقتضي حضور استراتيجية عمل. كما أن تحقق الاستراتيجية، يتم عبر التفاعل الحي لعناصر معلومة في المكان والزمان. وعلى سبيل الاستئناس، إن رقصة شعبية تخص هذا البلد، أو ذاك الطقس، لا تؤدى بشكل اعتباطي، بل ضمن تصور فني وجمالي مواز للأداء، وموجه بالرغبة في إنتاج معنى متطابق إلى حد ما، مع الخطوط العريضة التي يتشكل بها التصور. غير أن الإشكال الذي سيعترض طريقنا هو، التساؤل عن حقيقة التطابق المزعوم، بين المعنى المجرد الحاضر في تضاعيف التصور، و مقابله المجسد في صورة /هيئة الرقصة. إن المسافة الفاصلة بين الطرفين مهما تقلص مداها، ستكون حتما كافية لإحداث هوة عميقة بينهما. فالمعنى الحاضر في التصور، لن يكون هو ذاته المجسد في الرقصة.
وبالنظر إلى التعدد اللانهائي لطبيعة الأجساد المؤدية للرقصة ذاتها، وأيضا بالنظر للاختلافات المحايثة للإيقاعات المرافقة لها، فإن المعنى سيظل منفتحا إلى الأبد على المزيد من المعاني، التي يستحيل حصرها في سباق ثابت. وكما هو واضح، فإن هذا النموذج قابل بشكل أو بآخر للتعميم المؤطر بطبيعة الموضوع، وكذلك بطبيعة السياق. باعتبار أن جوهر الإشكال، يظل محتفظا بخطوطه العريضة، رغم تخفيه النسبي أو التام بين الخيوط اللانهائية الناظمة لشبكة المواضيع، ولما ترد فيه من إشكاليات متفردة بسياقات خصوصيتها. وإذا ما اعتمدنا النموذج ذاته، في محاولة ضبط تحولات المعنى الممتدة بين مجال التصور النظري، ومجال التلقائية الإبداعية، أو الإنشائية، فإننا سوف نجد أنفسنا في عمق إشكالية أكثر تعقيدا، والمعبر عنها بمسار التلقائية الموجهة، حيث يحدث ذلك الانقلاب العضوي في الصيرورة التكوينية للأشياء، والمؤدي عمليا إلى إحداث تغيير جذري في دلالة التلقائية والعفوية، بما هي منتجة للمعنى.
أيضا، يمكن الإشارة في السياق ذاته، إلى آلية هذا التحويل، التي ينتقل عبرها المسار التكويني لدلالة الشيء من سياقه الشخصي، المنغلق والخاص إلى سياق آخر متميز بعموميته، وانفتاحه، أي بانتقاله من مجال الحياة الخاصة، إلى مجال الحياة العامة بقوة امتلاكه لمقوم المنفعة، والبراغماتية، فالشيء لن يحظى بحضوره في المجال العام، ما لم يكن معززا بقيمة المعنى، لأن قيمة المعنى هي التي تمده بآلية الحركة، كي يمارس انتشاره في صيغة معلومة، سواء بين الأفراد أو الجماعات.
نستحضر في هذا السياق، السيولة المفرطة للكتابات المتلذذة بطعم الانتكاسات، باعتبارها حجر المعنى الذي يصيب الأكباد «المفطورة» كافة سلفا. من هنا يمكن القول، إن الفضاءات العامة هي الإطار الموضوعي الذي تكتسب فيه الأشياء دلالاتها ومعانيها. ومرد ذلك أن قوانين التواصل تستند إلى التبادل الشفاف والواضح للمعلومة، باعتبارها حمالة معنى، تمارس دورها التواصلي، داخل المجالات المتعددة والمتنوعة، التي تتشكل فيها هوية الخطابات المجتمعية. وكلما انزحنا بالمعنى من صخب الفضاءات العامة، باتجاه الفضاءات الخاصة، لاسيما تلك المنكفئة على حميمية ذاتيتها، إلا وتحرر المعنى من إكراه الشفافية، والوضوح، أو بالأحرى، تخلص من مسؤولية توصيل الدلالة الممهورة بسلطة الإجماع.
فالعلاقة الذاتية والحميمية بالشيء والقائمة في الهواش المعزولة، تغريها بتجريب مختلف المتع التي لا تمس بالسلامة التواصلية للشرائح المجتمعية المتواجدة في الفضاءات المشتركة. من ذلك مثلا، ما يمكن توصيفه بمتعة تقشير المعنى، من الزوائد التي ألصقتها أزمنة التواصل العام بالشيء، كي ينظر إليه وقد أمسى مكشوفا، على هيئته الأولى. وكلما أوغلت لعبة التذويت في «تقشير المعنى»، إلا وألفينا أنفسنا داخل مسكن الكتابة، أي في قلب ذلك المختبر السري، الذي تتم فيه عملية تفكيك المعاني المشتركة، من أجل إنتاج دلالات تجريبية، تهدف إلى تنشيط المخيال وتحفيزه بداعي إنتاج معان جمالية، خاصة بالتقاسم الشخصي غير المقيد بقوانين المصلحة العامة، الموجه عادة بمنطق الضرورة العملية والبراغماتية، وهي التي تتدرج عادة في خانة اللامعنى. ليس بوصفها عديمة الصلاحية، لكن بوصفها نواة دلالية، مؤهلة لإنتاج أنساق جديدة، ومختلفة من أنساق القول، والتأمل والسؤال.
شاعر وكاتب من المغرب