منذ أيام افتتح في قطر معرض الدوحة الدولي للكتاب، في دورة جديدة، جاءت بعد عامين من آخر دورة، وذلك بسبب فيروس كوفيد-19 كما هو معروف، والذي لم يعطل معرض كتاب، ولا أي نشاط ثقافي أو تجاري أو اجتماعي هنا فقط، ولكن في العالم كله. وقطعا لن يستطيع أحد تقدير الخسائر التي أحدثها، ابتداء من خسارة المال أو الوظيفة، إلى خسارة الروح والعقل لدى مئات الآلاف. وكنت كتبت مرة أننا لو غضضنا الطرف عن أفعال ذلك الفيروس، واعتبرناه سفيها يحاول أن ينحشر في حياتنا، وتجاهلناه تماما، لربما كان يئس وانقشع، وهذا هو الاتجاه الذي يبدو أنه سيسود هذا العام، وأعلن عنه في بريطانيا رسميا، أي العودة للحياة الطبيعية بكل ترفها وأخطائها.
معروف لدى كل من يهتم بأمر الكتاب أن معارض الكتب هي الفاترينة الأهم للعثور على كل عنوان ضائع، وهي القاسية أيضا تجاه عناوين كثيرة جدا، مكتوبة بلا فن، تعرضها بلا تسويق كثير، أو ربما تسوق لها ولكن بلا رواج. ومع كثرة العناوين، وانتشار دور النشر وتنافسها في زخرفة الكتب، وإدراج تصميمات جديدة للأغلفة، باتت خيارات الاقتناء صعبة للذين لا يعرفون لمن يقرأون، ويأتون بحثا عن كتب ليبدأوا بها مسيرات القراءة.
نعم انتبهت بشدة إلى ذلك الجمال، وتلك البهجة التي تشاهدها في كل جناح تقف أمامه، وأيضا التنظيم الجيد للمكان بحيث لن تعثر على زحام أو تدافع هنا وهناك كما كان يحدث قبل ثقافة وجود كوفيد، شريكا للناس في مجتمعهم، وحتى الذين كانوا يوقعون الكتب، وقراؤهم، كانوا يمارسون الطقس في تفاؤل حذر، مسلحين بعدة اتقاء الإصابات. باختصار كان عرسا جيدا للكتاب، حضره المحبون وغير المحبين، وسافرت كتب كثيرة في الحقائب، ربما لتقرأ، أو توضع في مكتبات داخل بيوت، لا أحد يدري.
هناك عبارة مألوفة، أشرت إليها مرة، تأتي أو تكتب على صفحات المبدعين في وسائل التواصل الاجتماعي، بداية كل معرض للكتاب، في أي بلد، وهي موجهة لمواطني البلد الذي يفتتح فيه المعرض، أو المقيمين فيه، إن كان بلدا خليجيا، حيث يعمل مئات الآلاف من الجنسيات المختلفة. تقول العبارة، وأتخيلها تبتسم: كتابي في معرض كذا، جناح رقم كذا، للذين يسألون عنه. وبحسب تجاربي العديدة مع نشوة الكتاب واعتزازهم بما يكتبون، وتخيلنا جميعا أن هناك من ينتظر ما نكتبه ليسعى إليه بضراوة، قد تكون تلك العبارة حقيقية، أي هناك من سأل، وقد تكون متخيلة، وجزءا من انتشاء الكاتب بعطائه الذي يتوقع أن هناك من ينتظره دائما.
ومع افتتاح معرض الدوحة للكتاب، وحتى قبله بأيام، جاء الإعلان عن وجود كتاب كاتب أو شاعر، في جناح ما، داخل المعرض، وهناك إعلانات تكررت، وصحبتها صور بعد ذلك للكتاب قانعا بمصيرة، على رف من الرفوف.
هذا الإعلان، إن كان صادرا عن سؤال حقيقي أو متخيل، لا ضرر فيه أبدا، وأنا شخصيا أعتبره من ضرورات ترويج الكتب الذي لا نبرع فيه نحن العرب مع الأسف، وغالبا نستحي من الترويج لكتبنا، وإن حدث وقمنا بالترويج، جاء من يكتب ضد المبدع، ولو سألته هل قرأ لذلك المبدع، لعرفت أنه لا يعرف عنه شيئا. إنها ثقافة الضد الشائعة في مجتمعاتنا، وتأبى أن تتقلص أو تبتعد: ضد النجاح، ضد الشهرة، ضد الجودة، وضد من يكتبون ومن لا يكتبون.
ولو تابعنا الشأن العالمي للكتابة، لعثرنا على كتاب أو شعراء أكبر منا كلنا، وبعضهم حصل على جائزة نوبل، أو ترشح لها، يمارسون طقس الترويج لمنتجاتهم. ستعثر على التركية إليف شافاق، صاحبة «قواعد العشق الأربعون»، وغيرها من الملاحم الرائعة، في مئات الصور، تروج لكتاب جديد من إصدارها، لعثرت على موراكامي يروج لإصدار جديد. وأمامي الآن عشرات الإعلانات للكاتبة التشيلية الشهيرة إيزابيل أليندي التي قد يظنها البعض نائمة في قصر من حرير، وكتبها تركض في الشوارع وحدها، لعثرت عليها تتحدث عن كتابها الجديد، في ندوات وإعلانات مصورة، وفيديوهات يبثها ناشرها بكل فخر.
لنعض إذن على جملة الإعلان عن كتبنا في معارض الكتب، لنلفت النظر، فلربما سمع قارئ بكتاب لواحد لا يعرفه، أو يعرف ناشره، وأراد اقتناءه وسيعثر عليه، إن قام كاتبه بالإعلان عنه.
وشخصيا عثرت في معرض الكتاب في الدوحة بسهولة، على كتب نوه كتابها عن وجودها هناك.
يأتي هنا سؤال ضروري: هل نستطيع اقتناء كل كتب أصدقائنا، المعلن عنها؟ هل نستطيع إيجاد ميزانية تستوعب شراء تلك الكتب؟ وهل ثمة وقت لمطالعتها إن حدث واقتنيناها فعلا؟
إنه سؤال محرج إذا فكرنا فيه بحساسية، وسؤال منطقي إذا فكرنا بمنطق، بالطبع لا تستطيع شراء كل الكتب التي يكتبها أصدقاؤك، لا تستطيع قراءتها كلها، حتى لو وصلتك هدايا، ولكن لا بد من خيارات، بمعنى أن تضع قائمة لخياراتك حتى بين كتب الأصدقاء، وأنت ذاهب لمعارض الكتب. لأن هناك ضرورات في الحياة كما نعرف كلنا، تقضي على شهوة اقتناء الكتب بسهولة، الأكل والشرب والعلاج والتعليم، خاصة في بلداننا التي تركت فيها الحكومات للمواطن عبء المناداة والهتاف بحياة الوطن ورفعته، من دون أن تمنحه حضنا حقيقيا يحتاجه من الوطن. وقد يقف القارئ بحسرة أمام كتاب لأحد أصدقائه، ولا يستطيع أن يقرر شراءه، لأن هناك ضرورة لشراء شيء أكثر أهمية، وتأتي هنا السلبية التي نوهت عنها من قبل، وهي سلبية سهلة، أن يرفع القارئ كتاب صديقه، يلتقط معه صورة أمام الجناح المعروض فيه، يرسلها للكاتب وتحتها عبارة: كتابك في قبضتي، ثم يضع الكتاب مكانه وينصرف. إنه تصرف سلبي حميد في رأيي، ومن علامات لا خبثه هو أن ينتشي الكاتب هناك، يضع الصورة على صفحاته في وسائل التواصل الاجتماعي، ولو تكررت تلك الصور مرات من آخرين، لتجددت النشوة.
الكتابة في الوطن العربي تعيش بالمعنويات التي تنخفض وترتفع بحسب الظروف.
*كاتب من السودان