أُشتهر الشاعر بني أندرسن 1929-2018 في بداية السبعينيات بالذات، بكتابه الغنائي الساخر «أغاني سفانته الشعبية « الذي حقق اختراقا شعبيا، وأصبح كاتبا محبوبا من قبل الدنماركيين وأُطلُقَ عليه لقب كاتب الشعب، لأنه عرف كيف يلامس روحهم المحبة للدعابة والفكاهة الشعبية والاسترخاء.
أصبحت قصائد سفانته ملكا للشعب تُغنى في المدارس الشعبية العليا، وفي الحقيقة أنها لم تكن لتنتشر لولا غناؤها من قبل صديقه الفنان بول ديسينج، وبالذات أغنية «يوم سفانته السعيد» حيث هي النص الإيجابي المتفائل الوحيد في الكتاب.
يتحدث الكتاب عن صداقة بني أندرسن الراوي الذي يلتقي بشخص سويدي سوداوي (ميلانكولي) مؤلف أشعارغنائية اسمه سفانته سفِندسِن، رغم أنهما مختلفان تماما، فالأول (الشاعر نفسه بني أندرسن) ينظم الشعر التجديدي، بينما الثاني تقليدي يلتزم بالقافية والإيقاع، ومتشائم يشكو من كل شيء حتى من أعضائه الجسدية، وليس له ما يسعده في الحياة.
يقدم بني أندرسن شخصية سفانته بطريقة فكاهية ساخرة، حيث يصفه بأنه يمشي حاملا كيس «عليجة» من جلد ماعز، مدعيا أنه التقاه عام 1946 عندما كانا يدرسان معا الصف المنتهي من الثانوية، وفقده سنة 1948 ثم تواصل معه مرة أخرى حوالي 1960 إلى عام 1971 حيث اختفى أو توفي.
يقول بني أندرسن عنه «عندما التقيته عام 1960-1961 وجدته مختلفا عن السابق، كان نحيفا سطحيا مبتسما، يدرس في الدورة الدراسية 1946-1948 بينما الآن أصبح أصلع قليلا، سمينا، نادرا ما يبتسم، وعندما تَحدُثُ أن يبتسم فيبدو أنه بدون قواطع». ومرّة قال الراوي بني أندرسن لسفانته ساخرا منه «نحن نعيش في عام 1971 حيث السوق الأوروبية المشتركة، والتمييز العنصري، بينما انت مشغول بالحب الفاشل».
ويقول الراوي عن بطله أيضا «كان سفانته يريد دراسة الطب بينما تفرغتُ لعزف البيانو في النرويج والسويد، ثم التقينا مرة ثانية نهاية 1959.. في منطقة فانليوسه في العاصمة كوبنهاغن، حيث ترك الطب لأنه كان عليه أن يقطعَ الجثة، واضطر للعمل حسب الفرص كمصحح في مجلة محلية «صندوق رسائل طبية» ثم اختفى، ومن المحتمل وفاته عام 1971…كنا نلتقي باستمرار».
ويقرأ الشاعر لبطله سفانته بعض قصائد ديوانه المنشور أصلا «داخل قبعة بولهارت» فكان رد فعله بأنه (الشاعر بني أندرسن) يجب أن يكملها فكانت صدمة كبيرة له، ويقول «كان يعتبرني موسيقيا، وأني الوحيد الذي يمكنني أن ألحّن قصائده».
يقدم البطلُ نفسَه «أنا سفانته سفِندسِن، بالولادة سفينسون، فقدت والديّ السكونيين (نسبة إلى مدينة سكونه السويدية حاليا) في عبّارة مالمو آب/اغسطس 1935 وكان عليّ منذ ذلك الحين أن أعتمد على مساعدة الآخرين». تُصورُ هذه القصة صداقتَهما «العوجاء» بدون قواسم مشتركة كثيرة غير كتابة الشعر، إذ إن قصائد بنِي أندرسن تجديدية منشورة فعلا، في حين سفانته كتب قصائد دنيوية غير منشورة عن حياته الخاصة، بكل ما فيها من الصالح والطالح. يعتقد سفانته أن هذه القصائد قابلة للغناء، ويطلب من بني أندرسن أن يلحنها فيضع لها الأخير طبعا موسيقى ويكتب نوتاتها في نهاية الكتاب.
تضمن الكتاب 13 قصيدة كتبت بتأثير من الشاعر الغنائي السويدي كارل بيلمان 1740-1795 مثل «أغنية قصيرة إلى نينا» و«أغانِ سفانته الخمرية» و«سفانته في المخزن الكبير» و«سفانته في الجنة» و«شوق سفانته للسويد» و«مواسم السنة» و«أغنية سفانته الربيعية» و«الهدف الطيني» و«أغنية سفانته السوداء» و«رسالة منك» و«يوم سفانته السعيد» و«الجوع الأسوأ» و«أغنية سفانته عن البجع» وغيرها. وكان منذ البداية لدى بني أندرسن فكرة أنه سيعزف على البيانو، بينما سيغنيها بول ديسينج، الذي لم يكن في البداية مهتما بها، لكنه وافق، بسبب افتقاره للعمل، على الغناء مع بني أندرسن في الحفلات أوائل عام 1973.
وقد غنى بول ديسينج بالفعل أغنية «رسالة منك» في برنامج إذاعي أواخر الستينيات، واتفقا على أنه ينبغي أن لا يمثل شخصية سفانته، بل أن يغنى الأغانيَ وحسب. بعد أربع حفلات موسيقية، سَجّلَ الفنانان الأغاني لإصدارها في ألبوم، رغم أنه مشروع غير ناجح كما كانوا يعتقدون، حيث لم تكن هناك ثقة كبيرة في نجاح إصدار ألبوم أغاني حفلات شعبية باللغة الدنماركية في فترة كانت الغلبة فيها للموسيقى الإنكليزية beat music على الأنواع الأخرى وانتشارها، لكن المنتج بيتر أبراهمسِن كرّسَ مدخراتِه الشخصيةَ له ونشره على نفقة شركته الخاصة الصغيرة للإسطوانات، والذي حصل فاق التوقعات فقد كان المرء يتوقع بيع 5000 آلاف نسخة عام 1973، لكن بعد عام تضاعف عدد النسخ المباعة عشر مرات، وبعد أربعين سنة تم بيع 100 ألف نسخة. إحدى هذه الأغاني الإيجابية المتفائلة الوحيدة «يوم سفانته السعيد» التي تثير ضحك الدنماركيين، والتي أصبحت نوعا من كلاسيكيات الموسيقى evergreen وسُجلت في كتاب المدرسة الشعبية العليا. وتم تسجيل هذا الألبوم في المنجز الثقافي الدنماركي عام 2006 ضمن عشرة ألبومات موسيقى شعبية مفضلة، الذي نظمه وزير الثقافة المحافظ آنذاك بريان ميكيلسن.
واصدر في ما بعد بني أندرسن وبول ديسينج أكثر من ألبوم على هذا المنوال مثل «فوق مياه معينة» 1981 و «تراتيل ودغل» 1984، «على مدى عدة حدود» 1988.