الناصرة- “القدس العربي”: يواصل معهد إسرائيلي مختص بنبش الأرشيفات الصهيونية الكشف عن انتهاكات وفضائح تاريخية، معتبرا أن ذلك يقرّب الإسرائيليين من الحقيقة ومن احتمال تسوية الصراع مع الفلسطينيين.
يعدّ معهد “عكيفوت” لبحث الصراع الإسرائيلي الفلسطيني- كما يُعرّف نفسه من خلال موقعه الإلكتروني- مركزاً للتوثيق والبحث والنهوض بحقوق الإنسان في إطار الصراع، من خلال الكشف عن، وفهرسة، الأرشيف الإسرائيلي والمحفوظات المختلفة حول قضايا متعدّدة ومتنوعة في إطار الصراع مع الشعب الفلسطيني.
هذا الأسبوع صدر عن معهد “عكافوت” الذي تأسس عام 2014، كتاب هام عن فترة الحكم العسكري يستند لمستندات تاريخية يفضح فيها أهدافه غير المعلنة والبشعة ويتوقف عند جرائمه بحق فلسطينيي الداخل في العقدين التاليين للنكبة.
ويشمل كتاب “عكافوت” الجديد (الحكم العسكري في إسرائيل) 100 وثيقة أرشيفية، خرائط، تسجيلات وصور، وتلقي هذه المضامين مجتمعة الضوء على جهاز الحكم العسكري (1948-1966) وطرق عمله وأهدافه المعلنة والخفية علاوة على تبيان ملامح الحياة اليومية للرعايا العرب الفلسطينيين الذين خضع 85% منهم تحت سيطرته باستثناء المدن الساحلية حيفا، يافا، اللد والرملة أما عكا فقد خضعت له ويبدو لكونها محصورة داخل الأسوار بعكس بقية شقيقاتها.
ويوضح “عكافوت” أنه وجد هذه الوثائق في عدة أرشيفات رسمية بعضها يكشف عنه للمرة الأولى هنا نفسه فيما ينقسم الكتاب إلى ستة أبواب يتمحور كل منها في بعد معيّن من أبعاد الحكم العسكري وبرأيه فإنها سوية ترسم صورة متعددة الأبعاد لفترة مركزية في التاريخ الإسرائيلي وتؤثّر لحد بعيد على صياغة علاقات الدولة مع مواطنيها الفلسطينيين حتى اليوم وفي هذا التقرير نشير لبعض معاناة أهالي صحراء النقب في فترة الحكم العسكري.
وتفيد واحدة من الوثائق الأرشيفية أن مخطّط إحاطة مناطق البدو في النقب البالغة مساحتها 1.1 مليون دونم (10% من مساحات النقب) استهدف تركيز المتبقين منهم بعد النكبة وإخضاع تحركاتهم للمراقبة والسيطرة وتركيز الأراضي تمهيدا لاستيطان يهودي فيها عرف غالبا بـ”الاستيطان الأمني” خاصة في غرب النقب (وثيقة للحكم العسكري خاصة بمخطط بناء منطقة السياج من 24.06.1956. عكافوت).
وتفصّل الوثيقة المذكورة سلسلة تغييرات في حدود منطقة السياج ونقل البدو لخدمة مصالح إسرائيل فيها. يشار إلى أنه عشية نكبة 1948 أقام في صحراء النقب 65-70 ألف بدوي فلسطيني ينتمون لحوالي 100 قبيلة وخلال آب/ أغسطس- أيلول/ سبتمبر 1948 قامت وحدتا “نيجف” و”يفتاح” سلسلة عمليات شملت طردا وإخلاء لمجمعات بدوية. وقد استمرت عمليات طرد البدو من النقب بعد انتهاء الحرب فلم يبق فيه سوى نحو 12 ألف بدويا ينتمون لـ18-19 قبيلة مقابل 3000 يهودي عاشوا في 30 مستوطنة متباعدة.
فلسطينيو الداخل صمدوا أمام التهجير الصامت رغم السلب والنهب والترهيب وتضييق الخناق
وبموازاة طرد قبائل كاملة لخارج البلاد تم تركيز البدو المتبقين في منطقة عرفت بـ”منطقة السياج” التي أعلنت منطقة عسكرية مغلقة امتدت بين ديمونا، عراد، يروحام وبئر السبع وخضعوا للحكم العسكري. وقد أدت عمليات طرد وتركيز البدو لتغييرات سياسية، اجتماعية، اقتصادية كبيرة في حياتهم بعدما اقتلع عدد كبير منهم بالقوة من مواطنهم التي أقاموا فيها وتم ضرب نسيجهم الاجتماعي دفعة واحدة.

وتعرضت حدود منطقة السياج لتعديلات عدة مرات لتلبية احتياجات الاستيطان اليهودي والجيش كما يظهر على سبيل المثال في منتصف 1956 عندما أرسل العميد أهارون حارسينا رئيس قسم الاستيطان في الجيش مذكرة لقائد الأركان موشيه ديان يشّدد فيها على الحاجة لتغيير حدود منطقة السياج لصالح بناء مستوطنات عبرية وخلق جزر فيها لـ”كسر تواصل جغرافي” بين مجمعات بدوية.
في مذكرته على سبيل المثال يوضح حارسينا أنه يتبنى عرض قيادة لواء الجنوب في الجيش بإبعاد قبيلة الهزيل عدة كيلومترات من مكان إقامتهم الحالي كـ”حل مؤقت”.
وسارعت إسرائيل بعد النكبة لتشريع عدة قوانين لتيسير سيطرتها على أراضي العرب في الجليل والمثلث والنقب وخارجه بالإضافة لتسويات الأراضي الرامية لتكريس ملكية على الأرض وتصفية الخلاف حولها.

في مسحه للعلاقات بين جهات استخباراتية والحكم العسكري مع جهات من قبيلة العزازمة في النقب عن الفترة 1953-1959 يقول العميد بينحاس عامير الحاكم العسكري في النقب عن علاقة إسرائيل بالنقب إن العلاقات بدأت بمحاولات متكررة لاستغلالهم لصالح الاستخبارات الإسرائيلية وإنتهاء بمعاقبتهم وطردهم من المنطقة.
وتشمل المذكرة من جملة ما فيها وصف عملية “هاجار” لطرد أغلبية بدو النقب في أيلول/ سبتمبر 1959 وفيها قتل خمسة بدو بعدما طرحت وكأنها ردّ على مقتل ضابط وحدة جوالة المظليين يائير بيلد في منطقة “سديه بوكير” في مطلع ذات الشهر. لكن نص المسح المذكور يظهر أن العملية المذكورة جاءت لتصحيح نتائج عملية طرد سابقة “عملية بيعور حاميتس” لكنها لم تنجح في منع البدو من مغادرة منطقة السياج التي حشر فيها الحاكم العسكري بدو النقب هناك (عكافوت وثائق الحكم العسكري 2021).
ووفقا للمسح المذكور شملت العملية إنذارا، مسحا، تصنيفا وطردا من النقب في تلك المنطقة إلى سيناء وسط إحراق بيوت شعر البدو ومصادرة مواشيهم” ورغم كل هذه الضغوط لم يرحل بدو النقب كما يستنتج من شكوى أحد ضباط الحكم العسكري.
ويتضمن الكتاب الجديد وثائق أخرى تكشف الآن مدى قدرة أهالي النقب على التحّمل والصمود وهو يكشف مظالم الحكم العسكري خاصة في عقده الأول المثقل بعمليات ملاحقة وإرهاب بربرية تجلت بسلب ونهب أراضيهم ومصادرة حرياتهم واستباحة دمائهم دون علاقة للأمن المزعوم.
وبلغ الظلم حدّ مصادرة مصدر الحياة شبه الوحيد في أحيان كثيرة منها على سبيل المثال مصادرة أراضي عشيرة الهزيّل في النقب بعد ثماني سنوات من النكبة. في رسالة لوزير الزراعة الإسرائيلي كاديش لوز يروي قائد عشيرة الهزيل الشيخ صقر سلامة الهزيّل أن ضابطا يدعى شوشاني زاره في 21/12/1955 وأبلغه باسم الحاكم العسكري بأن كل الأراضي الموجودة جنوب وادي الفخاري باتت “منطقة عسكرية” مغلقة بأمر من قائد الجيش.
ويوضح الشيخ الهزيل في شكواه بعدما لم يتمكن من لقاء وزير الزراعة إياه أن هذا الإجراء المفاجئ أغلق في وجه القبيلة 4000 دونم بعضها زرعت في خريف 1955، بعضها تعود ملكيته للقبيلة وبعضها الآخر “أراضي متروكة” لكن القبيلة تفلحها منذ 1953. كما تنضم مذكرة الهزيّل لبراهين أخرى على فساد استشرى داخل نظام الحكم العسكري بقوله إن وزارة الزراعة صادرت المحاصيل الزراعية بعد حصادها من هذه الأرض وباعتها لميخائيل هنغبي (وشركاؤه) وهو الحاكم العسكري السابق في النقب. مثلما تعكس مذكرة الشيخ الهزيل وتبعية البدو للبيروقراطية الإسرائيلية الثقيلة وللحواجز التي تضعها أمام وصول البدو لأراضيهم ويختتم كاتبها بالمطالبة بتحقيق أساسي.

في المقابل تدلل هذه الوثائق الخاصة بالحكم العسكري التي تكشف الآن مدى قدرة أهالي النقب على التحّمل والصمود كما يظهر في رسالة سرية من 25/8/1960 حول “الاستخبارات وطرد البدو من النقب” وضعها العميد بينحاس عامير الحاكم العسكري في النقب عن علاقة إسرائيل بالنقب.
في مسحه للعلاقات بين جهات استخباراتية والحكم العسكري مع جهات من قبيلة العزازمة في النقب عن الفترة 1953-1959 يقول عامير إن العلاقات بدأت بمحاولات متكررة لاستغلالهم لصالح الاستخبارات الإسرائيلية وإنتهاء بمعاقبتهم وطردهم من المنطقة. وتشمل المذكرة من جملة ما فيها وصف عملية “هاجار” لطرد أغلبية بدو النقب في أيلول/ سبتمبر 1959 وفيها قتل خمسة بدو بعدما طرحت وكأنها ردّ على مقتل ضابط وحدة جوالة المظليين يائير بيلد في منطقة سديه بوكير في مطلع ذات الشهر.
كما تتجلى قدرة فلسطينيي الداخل خاصة في النقب على التكيف والبقاء في مذكرة سرية داخلية لهيئة قيادة لواء الجنوب في الجيش الإسرائيلي من 25/8/1960 بعنوان “مسح خاص بجبل النقب”. تعنى المذكرة قضية البدو في “جبل النقب” (سلسلة جبال النقب تشمل عدة مناطق منها عبدة، لصان، الجرافي، السهلي، غرير وحفير) وتقول إن قائد لواء الجنوب في الجيش يعقوب بارولوف تلقى عام 1955 مقترحا من قبل يعقوب نمرودي قائدة الوحدة العسكرية 154 بإجراء اتصالات مع قبيلة العزازمة وتستند على ما يلي: “يقيم في جبل النقب 500-750 بدويا لم يقوموا بإخلاء المنطقة رغم كل عمليات الجيش ضدهم”.
وتستبطن هذه المذكّرة فرصة للاطلاع على الصراع الدائر حول بقاء بدو النقب أو قسم منهم إذ تقول إن هؤلاء البدو قد أصيبوا على يد الجيش لكنهم أصابوه أيضا”. ويفترض المقترح المذكور أنه بالإمكان استخدام هؤلاء البدو كمتعاونين بعد الاتصال بهم واعتمادهم قاعدة مخبرين ورسل لإسرائيل وبالأساس كجسم يعطيها إنذارات مبكّرة.
كما يقول المقترح إن الأمم المتحدة تداولت مصير المنطقة منزوعة السلاح في منطقة نيتسانا (عوجا الحفير) وإن مصر قدمّت عرضا بتحويلها لمنطقة أممية محايدة. ويشير المقترح أعلاه لوجود بدو ليسوا تابعين لإسرائيل ولا لمصر في منطقة “نيتسانا” ولذا يقترح بمنحهم بطاقات هوية إسرائيلية وبذلك يتم تحويل المنطقة لسيادة إسرائيل وبالتالي وقف أفعالهم ضد مستوطنة “سديه بوكير” ومنع دخول متسللين من سيناء بهدف الإقامة أو القيام بأعمال تخريبية.
وتفيد مذكرة قيادة لواء الجنوب أن الحكم العسكري رفض هذا المقترح لأن أي اعتراف بهؤلاء البدو في جبل النقب برأيه سيزيد من أعدادهم. كما سوّغ الحكم العسكري رفضه لهذا المقترح لكون هؤلاء البدو خليطا من عدة عشائر معظم أقاربهم وكافة قياداتهم موجودون في سيناء حيث يقام هناك سوق يخدم بدو النقب ممن لهم علاقات اقتصادية مع سيناء أيضا ولذا لن يتعاونوا مع إسرائيل ضد الجيش المصري وهناك خطر بأن ينشطوا ضدها بدلا من خدمتها.
كما سوّغ الحكم العسكري رفضه هذا بالقول إنه بما يتعلق بتوطين بدو إسرائيليين في هذه المنطقة هناك إمكانية لبناء نقطتين استيطانيتين فيها: “جفعات روت” و”جفعات راحيل” وعندها يمكن إثبات إسرائيلية المكان. وفي ختام المذكرة الداخلية الخاصة به يؤكد لواء الجنوب في الجيش رفضه لمقترح الحكم العسكري ويتبنى الاقتراح بالاعتراف بالبدو كـ”متسللين يمكن تحملهم”.
ويوضح المعهد أن أرشيف مكتب مستشار رئيس الحكومة لشؤون العرب داخل مقر ديوان رئيس الوزراء يشمل مئات الصفحات التي توثّق عمل جهاز الحكم العسكري في سنواته الأخيرة ضمن ملف رقمه (17005/6).
ويشير معهد “عكافوت” إلى تعليق فتح هذا الملف الأرشيفي الذي يحتوي 446 صفحة ضمن “أرشيف الدولة” أمام الجمهور لمدة عامين بدعوى كاذبة أن جلّ هذا الملف يشمل مواد خاصة بـ”الشاباك” كما قالت مسؤولة الأرشيف لمندوب “عكافوت” والتي عادت وقدمت تفسيرا آخرا لرفضها بالزعم أن المواد تتعلق بشؤون الأمن.
ويوضح المعهد أن معظم وثائق هذا الملف تم طرحها لمعاينة الجمهور الواسع بنهاية المطاف وذلك بعد التماس قضائي لمدير “أرشيف الدولة” السابق دكتور يعقوب لازوبيك يستند لقانون الأرشيف. ويضيف “عكفوت” في موقعه أمس: “اليوم بعد نحو العام على فتح معظم وثائق هذا الملف لم يبادر بعد أرشيف الدولة لمسحها ونشرها في موقعها لكن هذه باتت مفتوحة بفضل نشرها من قبلنا نحن في معهد عكافوت”.
ويشار إلى أن هناك أرشيفات إسرائيلية ما زالت مغلقة وتم تمديد فترة حجبها عدة مرات لأنها ما زالت حساسة ومن شأنها إثارة ردود فعل واسعة ومضرة بالنسبة لإسرائيل منها على سبيل المثال الوثائق والصور المتعلقة بمذبحة دير ياسين من إبريل/ نيسان 1948 التي أمر رئيس حكومة الاحتلال السابق بنيامين نتنياهو قبل ثلاث سنوات بتمديد حجبها بعشرين سنة أخرى.
ويشار إلى أنه بعد نحو العقدين تم إلغاء الحكم العسكري (القائم في ثلاث مناطق: الشمال، المركز والجنوب) في ديسمبر/ كانون أول 1966 ولكن إسرائيل واصلت استخدام أنظمة الطوارئ التابعة للاستعمار البريطاني بما في ذلك نظام التصاريح بالحركة في بعض المناطق خلال السنوات التالية وذلك من أجل تكريس نظام السيطرة والتحكم. هذا ما يستدل من وثيقة لـ”عكافوت” ينصح فيها مستشار رئيس الحكومة للشؤون العربية من إبريل/ نيسان 1967 بتمكين المواطنين العرب من الحركة الحرّة في مناطق معيّنة وسط انتظار أن يزيد ذلك جدوى كبيرة لعلاقاتنا مع الأقلية العربية”.
في مذكرة لرئيس الوزراء الإسرائيلي ليفي أشكول في الرابع من إبريل/ نيسان 1967 يقول مستشار رئيس الحكومة للشؤون العربية شموئيل طوليدانو إن الجمهورين اليهودي والعربي ظنّا خطأ أنه مع إلغاء الحكم العسكري تلغى المناطق المغلقة ويستطيع عندئذ كل مواطن التحرك لأي منطقة دون تصريح.
ويتابع طوليدانو: “كما تعلم كان هناك حالة ترقبّ كبير لإلغاء الحكم العسكري ولكن بما أنه فعليا لم تتحقق تسهيلات تقريبا ساد شعور بخيبة الأمل لدى العرب واليهود”. على خلفية خيبة الأمل هذه يقترح طوليدانو إصدار تصاريح دخول عام لمناطق معينّة تمارس بعض الجهات ضغوطا كبيرة لفتحها في ظل مشاكل عمل في مناطق صفد وبيسان وسدود وعسقلان وعراد وفي ظل وجود احتياجات شخصية وعائلية لدى السكان (في منطقة المثلث وطبرية). ويعرب طوليدانو عن أمله بأن تتحقق منفعة كبيرة لمنظومة علاقات الدولة مع الأقلية العربية بحال صدر تصريح عام بدخول هذه المناطق وفعلا تم إبطال القيود على حركة المواطنين العرب في البلاد فقد بعد فترة حرب 1967.
وينبّه معهد “عكافوت” أن إسرائيل رسميا أعلنت بأن إلغاء الحكم العسكري تمّ كجزء من سياستها بمساواة مكانة المواطنين العرب بمكانة اليهود غير أن مراجعة وثائقه التاريخية المتنوعة تدلل على أن الدافع الأساسي خلف إلغائه كان مرتبط مباشرة بالحقيقة أن الأهداف الخفية قد تحققّت وهي التهام ما تبقى من أراض فلسطينية، بناء مستوطنات يهودية في الجليل والنقب، منع عودة اللاجئين بالإضافة لتحقيق مآرب حزب “مباي” الحاكم والراغب باستغلال نظام الترهيب والقمع للفوز بأصوات فلسطينيي الداخل في انتخابات الكنيست وهذا ما يؤكده مؤرخون فلسطينيون أيضا.
وفي تصريح لـ”القدس العربي” يؤكد الباحث صبري جريس الذي عايش فترة الحكم العسكري وخبر ممارساتها مباشرة أن “الحكم العسكري” جاء محاولة إسرائيلية جديدة لاستكمال التطهير العرقي. جريس الذي سبق وتوقف بشكل موسع عند الحكم العسكري في كتاب صدر عام 1967 بعنوان “العرب في إسرائيل” يؤكد أيضا ما آمن به العرب الفلسطينيون في إسرائيل وقتها بأن هذا الجهاز له ثلاثة أهداف: تسهيل مصادرة الأراضي العربية، التدخل في الانتخابات البرلمانية ومنع تكوّن وإقامة أي حركة سياسية مستقلة أو مرتبطة بأي حركة سياسية أخرى في الدولة غير “مباي”.
ويستدل من مراجعة المداولات والنقاشات الإسرائيلية العاصفة التي سبقت إلغاء الحكم العسكري أكد بعض النواب الشيوعيين في الكنيست تحفظاتهم فقال النائب توفيق طوبي إن الانتقال من رقابة عسكرية إلى رقابة مدنية هو في جوهره شكلي مطالبا بإبطال كافة أنظمة الطوارئ الانتدابية. وتابع “لن يؤدي إلغاء الحكم العسكري إلى تغيير جوهري وسيستمر قمع المواطنين الفلسطينيين بواسطة وسائل أخرى”.
ويقول “عكافوت” إن توفيق طوبي كان محّقا من ناحية عدة مفاهيم منوها لعدم إنتهاء نظام تصاريح الحركة والمناطق المغلقة ولاستمرار تقييد حركة المواطنين العرب حتى بعد إلغاء الحكم العسكري عام 1966.