صدر مؤخرًا عن دار نشر خطوط وظلال في عمان – الأردن، كتاب للناقد المصري ممدوح فرّاج النابي، بعنوان «استرداد طه حسين» والكتاب يسعى إلى قراءة الفكر النقدي لطه حسين، قراءة جديدة بعيدة عن تلك المغالطات التي نُسبت إليه، وأيضًا يأتي كمحاولة للرد ـ بطريق غير مباشر ـ لمن أساءوا إلى شخصيته، باعتباره بوقًا غربيًّا يردّد ما يُمليه عليه الغرب ـ من أساتذة تتلمذ عليهم ـ كما يسعى إلى إثبات ريادات طه حسين الفكرية، في اتباع المناهج العلمية الحديثة، واعتبارها آلية منهجة يتبعها الدارس في تناول الظواهر الأدبية.
ويشير المؤلف في مقدمة كتابه التي عنونها بـ»الشيخ المستنير» إلى أن طه حسين يمثّل حالة فريدة وخاصّة جدّا في الفكر والإبداع العربييْن، فهو حالة فريدة وخالدة أيضا، وعبقرية فكريّة وأدبيّة معاصرة بلا جدال، كما وصفه محمد الدسوقي؛ لما أثارته كتاباته على تعدّدها ـ وتحديدا النقديّة والفكريّة – من أفكار كان لها السّبق والريادة في تناول قضايا ـ على المستوى النقدي والفكري – إشكاليّة لم يكن من السّهل – مجرد – الاقتراب منها، أو حتى إثارتها بالسؤال لا بتقويضها وتفكيكها كما فعل، هذا من جانب، ومن جانب ثانٍ لما خلفته ـ هذه الأفكار – من هزات للثوابت بدعوتها إلى العقلانية، وعدم الركون إلى الموروث والمسلّم به. فأثار الكثير من الجدل سواء على مستوى شخصيته، أو على مستوى كتاباته، التي كانت تثويرا وخرقا للسائد، وكسرا للجمود والتحجّر.
يتبنى هذا الكتاب منذ أن كان مشروعا تأسّس مع مقالة «طه حسين وفتح آفاق المعرفة العلمية» وجهة نظر، ربما يرى البعض فيها مبالغة ـ نوعًا ما ـ تتمثّل في أن فكر طه حسين وشخصيته كانا مُسْتَبَاحَيْن على الدوام، ومن ثمّ سَعَى هذا الكتاب – ضمن جُملة أهدافه المعلنة تارة والمضمرة طورًا – إلى استرداد الشيخ المستنير، الذي تكالب الجميع – المناصرون والأعداء – على اختطافه؛ فالمناصرون – إلا قليلاً- لم يفعلوا سوى أن رددوا مكرور الكلام الذي قيل في كل مناسبة عنيت بطه حسين، بدون أن يسعوا إلى قراءة متمهلة لتراثه، والنظر إليه بنظرة عقلانيّة كما كان يدعو في كتاباته، بعيدًا عن القراءات العجلى، التي لم تضف له شيئا، أو حتى تستكشف ما توارى بين السطور، من آراء وأفكار لها جاهزيتها الآن.
لذا، فالكتاب أشبه باسترداد لطه حسين من براثن الأيادي التي عبثت بتراث الرجل وأفكاره، دفاعا عن القيمة لا دفاعا عن الشخص، وبناء على هذا يأتي هذا الكتاب في ثلاثة أقسام؛ القسم الأول يحمل عنوان «دفاعا عن العميد». يحتوي هذا القسم على موضوعات: أصول الشك عند طه حسين، ورأى فيه المؤلف أنه كان سبّاقا عن غيره في الشك في الشعر الجاهلي، منذ مقالته عن الخنساء، وثانيًّا سعى لإعادة الاعتبار لكتاب في الشعر الجاهلي، بعيدًا عما لحقه من اتهامات بأنه منتحل من دراسة مارجليوث عن «الانتحال في الشعر الجاهلي»، كما تطرق فيها إلى دراسة مصادر الشك عند طه حسين، التي أرجعها إلى دراسته على يد الأستاذ نالينو، وهي المرحلة التي سبقت رحلته إلى باريس، وإن كان هناك كنجيب سرور، يرجع مصادره إلى تأثره بشيخه أبي العلاء المعري. وناقش أيضا اختلاف مفهومه للشك عن ذلك الذي قصده ديكارت في كتابه «مقال في المنهج».
أما الموضوع الثاني، فتناول ـ فيه المؤلف – ما لحق مذكراته «مذكرات طه حسين» من تشويه وتحريف، بعدما أعادت إحدى المجلات نشرها احتفاء بذكرى رحيله، وأتعرض فيها لعلاقة المذكرات بالجزأين الأول والثاني من الأيام، وهل يمكن اعتبارها متممة للجزأين؟ أم هي منفصلة يمكن قراءتها كجزء مستقل، إضافة إلى عرض وسائل التشويه أو التحريف التي لحقت بالمذكرات.
أما الموضوع الثالث في هذا القسم، فهو مرتبط بالأيام، وتحريرها من الانتحال أو السّرقة كما تخيّل البعض، بأنها مأخوذة من رواية «منصور» لأحمد ضيف، وفيه عرض لقصة «الأيام» ودوافع كتابتها، وأهميتها في مسيرة الأدب العربي الحديث.
القسم الثاني من الكتاب جاء بعنوان «العميد والريادة» وهو أيضا يتناول ثلاثة موضوعات: الأول بعنوان «فتح آفاق المنهج العلمي»، ودرس فيه كيف فتح طه حسين بدراسته عن أبي العلاء المعري، آفاقًا جديدة في البحث العلمي؛ إذْ طبق من خلالها أول منهج علمي رصين ـ في هذا التوقيت المبكّر – على شخصية أبي العلاء. والثاني جاء بعنوان «طه حسين في مواجهة تودوروف» وفيه وضع المؤلف الناقدين في مقارنة تجمع بينهما على قدر ما بينهما من تباين ظاهر، فطه حسين ناقد اجتماعي، وتودوروف ناقد بنيوي. المقارنة غرضها تلاقي الأضداد في الأهداف، وقد لخصتها صيحة تودوروف المتأخرة بأن «الأدب في خطر»، وهي الصيحة التي تلتقي مع صيحة طه حسين، التي أطلقها في الربع الأول من القرن العشرين، وهو يبحث عن مشاكل الدرس الأدبي في المدارس والجامعات.
أما الموضوع الثالث فهو متصل ببحث طه حسين عن «استعمالات الضمير الغائب في القرآن»، وهو البحث الذي قدَّمه طه حسين في مؤتمر المستشرقين.
القسم الأخير من الكتاب، بعنوان «الوجه الآخر من العميد» قدم فيه المؤلف بعض وجوه العميد المتعدّدة، على نحو الناقد المــُعنِّف، والشيخ العاشق، والحاج طه.