في كتاب الناقد عبد الله إبراهيم الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر «أعراف الكتابة السردية» (2019) نقرأ تشكيلا خطابياً يتصل بتتبع موضوع أو جملة من الموضوعات، التي تتجه في المقام الأول للسرد، أو الرواية بشكل خاص. إنه كتاب يتخفف من الصيغة الأكاديمية الجافة، أو التي تبدو موجهة في أفق محدود، ومن هنا، فإن هذا الكتاب يحتمي بمقولته الخاصة، التي تتنازعها سمتان: متعة اكتشاف عوالم الكتابة السردية لدى حشد من الكتاب العالميين والعرب، بالتوازي مع قدرة على تكريس تنظيم منهجي لهذه المتعة، بحيث تنتقل من متن إلى متن، ومن رؤية إلى رؤية، محاولة أن تسبر أغوار الكتابة السردية، التي على ما يبدو أنها أقرب إلى مزج بين فعل طقسي، ووعي قائم على الجهد والمثابرة والبحث.
خصوصية الكتاب
في الكتاب ثمة دهشة تتولد من معرفة خلفية كل عمل عظيم طالعناه يوماً، فهناك اقتراب من لحظة الكتاب بكل ما تحمله من بدائية، وتحول وارتقاء، وهبوط وأفول، كما أننا نعيد نقد الكثير من أفكارنا، في ضوء ما نقرؤه بخصوص اللعبة السردية، وعملية تشكيل النص السردي، وما يمكن أن يعتري هذه العملية من صعوبات، وما يمكن أن نعده من أطوار العبقرية، فضلاً عن سياقات نشأة تلك النصوص وتطورها، وتحولاتها، وما يتصل بمآلات تلك النصوص، علاوة على ما عقده الكتاب من رؤى، وتوجهات حملت الكثير من رؤاهم وفلسفته، وغير ذلك من حيثيات الكتابة السردية.
ينطوي كتاب الأعراف السردية على متعة كونه يمضي بنا إلى بعض أسرار الروايات التي كمنت في ذاكرتنا، كما يستحضر أزمان قراءتنا لها، غير أن الأهم كيف تشكلت الحكاية في وعي الروائي، وأين كتبها؟ ومتى؟ وهذا ما يجعل من كل رواية حالة أو كائناً حياً يتطلب نمطا جدلياً من التخلق. لا بد من الإشارة إلى أن الكتاب ضخم نسبياً، حيث جاء في 440 صفحة من القطع الكبير، ويقع في ستة فصول وخاتمة، بالإضافة إلى المقدمة.
في الفصل الأول ثمة منطلق عام لاختبار الفعل السردي، وقراءته من منظور فلسفي إذا صح القول، ولعل هذا الفصل يمثل الإحداثية الأولى في خلق تفاهمات حول الكتابة السردية، ضمن خريطة نقدية، وتأملية تتصل بإنشاء الرواية، أو ما يطلق عليه عبد الله إبراهيم صنعة الرواية، التي يتتبع جدلية تكوينها اتكاء على بحوث هيغل، وما يكمن من نزعات أو أصول للرواية في الملاحم القديمة، أو إلى حقب زمنية تعكس نموذجاً تطورياً. فالرواية تتصل بالمجتمع وتحولاته، كما المنعطفات التي يواجهها في كل مرحلة من مراحل وجوده، وهنا نعني بالتحديد مصطلح التمثيل السردي، كما ورد في الفصل الأول. لقد بدأت الرواية في القرن التاسع عشر الخروج من طور الفعل الإخباري، إلى طور الصنعة، ما يسوغ وجود هذا، كتاب «الأعراف السردية»، فالتوافق على نموذج أو مقولة واحدة تتصل بالكتابة لم يكن في يوم من الأيام واقعاً، فثمة الكثير من التصورات والرؤى التي تحكم هذه العملية، على الرغم من التوافق على النموذج التخيلي، الذي يعد ركناً أساسياً في الكتابة السردية، التي تتموضع في تكوين المجتمع بوصفها فنا دنيوياً، كما يوضح المؤلف في محور «الرواية والمجتمع السردي» حيث يختبر العلاقة بين المرجعية الواقعية والنص، وهنا يضع الكتاب معلماً أولياً يتعلق بفعل الكتابة. هذا المسعى الجذري في تأليف الكتاب، يستهدف خلق مواضعة لآلية الكتابة، وبناء عليه، فإنه يتوجه في خطابه إلى الكتاب أو الروائيين الذي يتطلعون لكتابة عمل عظيم، أو للقراء الذي تمكنت منهم متعة قراءة الرواية، ومن جهة أخرى يمكن أن نعده كتاباً نقدياً رصيناً كونه يتيح للكثير من المشتغلين بالنص السردي التعرف على بعض الأفهام الخاصة بغابة الكتابة السردية وتشعباتها، ولكن الأهم أنه يقدم هذه التصورات، بصورة تنزل بها إلى أرض جديدة في ساحة النقد الأكاديمي، كونها تحتمي بالنماذج، والفعل التحليلي المبني على التخفف من اللغة الاصطلاحية والمفاهيم والإجراءات، وبهذا فإنها ترسخ في الأذهان، وتتمكن بصورة لا يمكن أن ننكرها بأي حال من الأحوال، وهنا يحذر الكاتب من أن الكتابة السردية لا تتقصد فعل التصديق للواقع، إنما هي ترغب في خلق نوع من الاستكشاف النفسي للنماذج السردية، لا أن نخضعها لمنطقنا الواقعي وأحكامنا.
الفصل السادس بعنوان «القراءة الطرية» إذ نتعرف على هذا التركيب الذي يعني من وجهة نظر عبد الله إبراهيم القراءة التي تتجاوز الحدية المطلقة للمناهج النقدية ليتخطاها، وينطلق إلى اكتشاف العمل السردي متوسلاً قيمها الثقافية، وما تحتمله من خبرات تتصل بالعالم وذات القارىء
حكاية الرواية
وبين ثنايا الجدل حول توفر آليات كتابة أو وصفة سحرية، يمضي عبد الله إبراهيم في هذا المحور، موجهاً رسالة مفادها أهمية الاستغراق في عوالم الكتابة، لدى سادة الرواية، مع التحذير من عدم الانزلاق إلى التقليد المفسد، ومن هنا، فإن التجربة ذات موقع متقدم في تشكيل الوعي الكتابي، لدى جملة الروائيين الذين انطلقوا أحياناً من وعي نظري، وأحياناً تخلوا عنه، كما يوضح الكتاب عبر نماذج متعددة، ولاسيما من حيث تأثير اللغة العاطفية، أو غير ذلك من الأساليب التي صبغت بعض الروايات، بما في ذلك تثمين المثابرة والاجتهاد، مع عدم إنكار العبقرية التي ربما تتراجع بعض الشيء. نمضي في محور آخر إلى جزء يعنى باتجاهات الرواية، ولكن من منظور الآلية التي ينطلق منها الروائي، ونموذجه الذي يتبناه في نصه، ومنها ما يقوض الواقع، كما في الرواية الجديدة الفرنسية، أو من ينهل منه، أو من يتوجه للبعد الأسطوري، وغير ذلك.
يعدّ الفصل الثاني كتلة من اكتناه التجارب السردية التي قامت على فعل الانكباب على الكتابة السرية، وكأن عبد الله إبراهيم يميل إلى أن هذا الفعل ما هو إلا نوع من أنواع الخلق للرواية، أو أنه أحد الأعراف التي ينبغي على الكاتب أن ينتهجها، ولاسيما إسهامها في تحقيق نتاج نوعي وكمي، حيث ينتج الانكباب على الكتابة من توفر مشروع روائي، من حيث تجسيد الوقائع التاريخية أو الاجتماعية أو الفلسفية، ونماذجه تولستوي وبلزاك وديستوفسكي وجيمس جويس، وغيرهم، ولكن ما يميز هذا التتبع الإدراك لعملية الكتابة بكل ما تحمله من مراحل، وما يمكن أن يطرأ في كل مرحلة، فضلاً عن رهانات الكتاب على نصوصهم وتوقعاتهم. إن فعل التكوين السردي، ومخلفات النصوص والمسودات تحتمل قدراً كبيراً من فهم العملية السردية، وتكوينها، فالمرجعة والتحرير والتحبير، وغيرها من العمليات تخضع لتقييم مختلف بين الكتاب، فهناك من يهجر النص، وهناك من يعود إليه غير مرة، أو ربما مئات المرات، إنه أشبه بنمط نفسي يتعالق بما يخلقه الكاتب. يشار إلى أن «كتاب الأعراف السردية» إتكأ على عدد هائل من المراجعات والأبحاث مع تقديم خلاصاتها مشفوعة بنمط من التحليل والتبويب، الذي يذلل فعل الإدراك لعميلة الكتابة.
وللأرشيف السردي حضور في مخطط الأعراف السردي، إذ ينشغل مؤلف الكتاب بتتبع العلاقة بين اللغة والعالم السردي، وما يحكم العلاقة بينهما، خاصة النموذج التأويلي، اتكاء على مفهوم نورثروب فراي، وما ينتج بعد ذلك من إطلاق المعنى ضمن مفاهيم متنوعة أو آليات مختلفة أهمها الافتراء، حيث يتحول الواقع إلى حكاية تحتمل قدراً كبير من التحويل عن الواقع، وتنزيله منزلاً مختلفاً يحتمي بالفكرة، ومنظوره للعالم، بما في ذلك العلاقة الجدلية مع المتخيلات السردية، ومحاولة كبح جماحها أو إطلاقها من عنانها، ليتحول الكاتب بعد ذلك إلى عملية البحث السردي، وأرشيفه، كما المعرفة السردية والمعرفة التاريخية، ضمن ما يطلق عليه (الميثاق السردي)، وما يكمن في هذه المستويات من وجهات تتباين، وربما في كثير من الأحيان تقف على طرفي نقيض بغية فهم العملية السردية.
موجهات سردية
من الفصول التي بدت لي على قدر كبير من الاحتفاء بإماطة اللثام عن أسرار بعض الروايات التي مكثت بين أيدينا، ما يتصل بطقوس الكتابة، وما يحتمله اختيار المكان، والتوقيت، وأحوال الكاتب وتقلباته، كما علاقته مع الزمن والهجر والوصل؛ أي بين الكاتب ونصه، كما متلازمة الإبداع، ونقيضها من الدعوة، لتذليل العملية لتكون الكتابة فعلاً خاضعاً لمنهجية صارمة بغية التأليف، مع بعض النصائح بخصوص الصيغ، وانفكاك العمل عن صاحبه، وقطع الحبل السري معه عند التخليق، كما دوافع الكتابة، وأهمية المال، وحاجته التي أوجدت بعض الروائع لتصبح جزءاً من ذاكرة البشرية، غير أن ثمنها الذي تقاضاه الكاتب كان بسيطاً، أو ربما لتسديد دين ما.
خُصص الفصل الخامس لمفهوم الفصاحة السردية الجديدة، التي تعني القدرة على الإفصاح عن مقاصد السرد، والإبلاغ عن مراميه، أو الإيحاء بها؛ ولهذا يقترح المؤلف عدداً من الأركان الأساسية، التي يمكن أن تنقل مفهوم الفصاحة السردية من المستوى النظري إلى المستوى التطبيقي. ولعل أهمها تطوير طرائق السرد، فضلاً عن العلاقة بين المتخيل والواقع، وما يكمن بينهما من فعل تأويلي، علاوة على معالجة اللغة، كي تضفي روحا واقعية على جسد السرد، وطبعا لا يمكن أن تكتمل الكتابة إلا بخيال يسمو بالأحداث، وتمكين الإيحاء لتحقيق التناغم بين العالمين: الواقعي والمتخيل. وهكذا يمضي الكتاب في تتبع هذه الأحوال في جملة من الروايات، ولاسيما العربية منها، ومنها روايات لإنعام كجه جي، ويوسف المحيميد، وسميحة خريس، وغيرهم الكثير.
وبينما نقرأ الفصل السادس بعنوان «القراءة الطرية» إذ نتعرف على هذا التركيب الذي يعني من وجهة نظر عبد الله إبراهيم القراءة التي تتجاوز الحدية المطلقة للمناهج النقدية ليتخطاها، وينطلق إلى اكتشاف العمل السردي متوسلاً قيمها الثقافية، وما تحتمله من خبرات تتصل بالعالم، وذات القارئ الذي يتحدد منظوره تبعاً لمقترحات منظر التلقي آيزر. إن ما يعنيا هنا الدعوة لاكتناه النص السردي بعيداً عن التشنج لمحاولة تأطيره ضمن وجهات، ربما تحيل على الكثير من القيم والمضامين والجماليات التي تحاذيه، أو تتموضع بين ثناياه، وهنا يسرد عبد الله إبراهيم تحولاته تجاه نصوص ماركيز وعبد الرحمن منيف، وما يمكن أن يحدثه الزمن، وعوامل أخرى على تحولات التلقي، فضلاً عن تحولات الكاتب عينه، ونظره الخاص تجاه ما يكتبه، وهكذا يمضي هذا الفصل بغية اكتشاف هذه المنحنيات في مقاربة النصوص السردية، عبر نماذج متعددة، لنخلص في النهاية إلى محور ختامي ينطوي على تحذيرات من غشماء السرد، ومزالق الكتابة، ولاسيما مع اشتعال هذا الزمن بالكتابة السردية التي باتت محكومة بالفوضى، وغياب المعيارية، كما الجمالية التي بدأت تفقد رونقها في اللغة نتيجة الحشو، والإطالة، والكتابة التي بدت أقرب إلى العبثية والمجانية نتيجة افتقاد الموهبة، والمثابرة.
٭ كاتب أردني فلسطيني