إن قراءة أي عمل إبداعي تبدأ قبل فَتْح دفتيه. تبدأ ضمنيا عبر وسائط هامشية وعناصر مؤطرة وموازية. في هذا الإطار، يعتبر العنوان العتبة الأبرز التي يتمكن من خلالها القارئ من فهم النص الأدبي، وتفسير معانيه المتعددة، وفتح مغالقه المتفرعة. فأمبرطو إيكو يراه «مفتاحا تأويليا» للنص الإبداعي (Umberto Eco, Apostille au Nom de la rose) ، بوصفه آلية إجرائية تسمح بتحليل مقاصد النص الدلالية، والوقوف على أبعاده الإستطيقية، والإمساك بخصوصياته وعوالمه الممكنة.
في السياق نفسه، يأتي عنوان المجموعة القصصية للكاتب المغربي حسن إغلان «كتاب الألسنة»، ليشير- تصريحا وتلميحا- إلى وحدة ثيمية يدور قطب رحاها حول موضوع واحد، ألا وهو اللسان/ الألسنة. إلا أن القصص التي تؤثث هذه المجموعة باختلاف شخوصها، وأفضيتها، وأزمنتها، وتقنياتها السردية، تظل في الأصل تنويعات، بالمعنى الموسيقي للكلمة، حول نفس الموضوعة. بهذا المعنى، يشكل العنوان برنامجا كليا يتضمن القصدية الدلالية للمنجز الحكائي لهذه المجموعة. «كتاب الألسنة»، عنوان إسمي مكون من عنصرين اثنين، بينهما نوع من التقاطع والترابط والتلاحم، إذ يكون فيهما الأول وعاء للثاني وحاملا له ومتضمنا لمحتوياته. نتيجة لذلك، يمكن القول إن العنوان يحتوي على مكونين متناقضين ومتكاملين في آن واحد. فكلمة «كتاب» تشير إلى الكتابة، وإلى عملية التدوين والتسجيل التي غالبا ما تصاحب- في مستوى من المستويات- عملية الحكي أو فن الكلام. إنها تشير، من ناحية أخرى، إلى السارد الذي يحضر بين الفينة والأخرى في ثنايا المحكيات. كما تحيل عبارة «الألسنة»- من جانب آخر- إلى البعد الشفهي والخاصية الصوتية، كما ترمز إلى النطق بالألفاظ. إنها تحيل إلى الأشخاص، وإلى العوالم الممكنة التي تتحرك داخلها.
«كتاب الألسنة» يظل عنوانا يتجاوز الوظائف الثلاثة التي حددها شارل كريفل (Charles Grivel) في كتابه Production de l’intérêt romanesque – التسمية والتعيينية والإشهارية – ليتحول بدوره، في مستوى آخر، إلى نص صغير يشتعل داخل النص الكبير ومن خلاله، فيقيم علائق تداولية معقدة معه، ويساهم بالتالي في تأثيثه و تشكيله وتركيبه. يتخذ عنوان المجموعة إذن وضعا اعتباريا خاصا به، إذ يشكل النواة الأصلية التي تتفرع عنها المحكيات، ويضمن، تبعا لذلك الوحدة العضوية للنصوص القصصية. فكلمة لسان/ ألسنة حاضرة بقوة في عناوين القصص: «لسان مبتور»، «لسان جدي»، لسان السي رير»، «لسان بوش»، «لسان الفارس»، «لسان سي أحمد»، «لسان كيليطو»، «لسان القديس فيليو». في كل مرة، يقترن اللسان بشخصية متخيلة كانت أم حقيقية، لينشئ حكايات مختلفة، ويتكلم عن فضاءات عديدة تتسم في الغالب بالخراب أو الوساخة أو الوضاعة، كما تتحول أيضا إلى أماكن خانقة تضيق بالشخصيات وتضيق بها الشخصيات، فضاءات هي أقرب إلى السجن أو القبر. في حديثه، يستعرض (جيم)- الشخصية المحورية للقصة الأولى، مساوئ مدينته وقبحها: «يحاصرونك حين تحرسك أحلامك أو حين تحصيك العرافات والشيخات وقليل من فقهاء الظلام، وحين يكتبك البوليس في دفاترهم… تكونين أنت القبر والجنازة.» ص (8).
بالإضافة إلى كل هذا، يأتي العنوان في مواضع متعددة من المجموعة القصصية؛ إذ يتمظهر في صيغ نصية ويسهم في بناء مقاطع سردية، فيتخذ بذلك معان مختلفة. «كتاب الألسنة» كنص موازي ليس نصا منغلقا على ذاته؛ إنه لا ينبر أن يكون مكونا مستقلا عن المتن القصصي، أو يبدو عنصرا دون أهمية. إنه، على العكس من ذلك، مكون يتناسل داخل المجموعة القصصية، ويتوالد في ثناياها، ويتنامى في منعرجات السرد، ويتفرع مع تفرع الحكايات؛ الشيء الذي ينفي عنه «معيار الاعتباطية في اختيار التسمية» (عبد الفتاح الحجمري، عتبات النص: البنية و الدلالة، منشورات الرابطة، 1996، ص19). يحضر اللسان في المجموعة القصصية إذن، كعضو وكلغة، كجارحة وواسطة للتواصل والحكي. ففي قصة «حمدان» يتحدث السارد في عديد من المواقع عن لسان بطله بوصفه تارة عضوا جسديا: «صوب لسانه نحوه، اللسان يقطر دما أو شبيهه» ص (20) و تارة أخرى ملكة للكلام والتحدث: «أراد الكلام لكن لسانه موثق». أما في قصة «لسان جدي» نقرأ ما يلي: « عشت هذا التوتر بين الصمت والخوف، بين لسانين، لسان جدي ولساني، وحين التقاء اللسانين أفقد مذاق الخروب، والشاي والفواكه المحيطة بالبيت، وحتى رائحة الزعتر التي تلف المكان» ص (26). هنا يأخذ اللسان معنيين لا انفصال بينهما. يتعلق الأمر باللسان كلغة وكحاسة للتذوق. وبهذا، ، يصبح اللسان- في هذه الأمثلة وغيرها- ملكة بواسطتها يلاسن البطل عشيقته الصامتة، وعضوا فيزيولوجيا للتلذذ بالفواكه. إن اللسان في جل القصص مزدوج الاستعمال يوجد على حدود الكلام والذوق، ويتموقع بين المجرد وبين الملموس، ويحضر باستمرار في نقطة الالتقاء بين اللوغوس المحسوس. إنه مشطور كلسان الحية، يشير تارة إلى ما يدخل إليه من أطعمة وما يخرج منه من أصوات وكلمات وحكايات. وتبعا لهذا السياق، يجب الإشارة إلى أن منطوق العنوان جاء في صيغة الجمع، وذلك للإشارة ضمنيا إلى التنوع والتعدد والاختلاف في الألسنة حيث نجد عدة ألسنة: لسان الإنسان المتمرد، ولسان المتأمل، ولسان العاشق، ولسان المرأة، ولسان الشيخ، ولسان السياسي، ولسان رجل الدين، ولسان الكاتب ولسان الناقد. عبر هذه الألسنة المتعددة، أي من خلال رؤى هذه الشخصيات ومسار حياتهم وعلاقاتهم بالآخر، يكتب حسن إغلان قصصا مسكونة بالتساؤل، وحبلى بالتفكير، وحاملة لرؤية نقدية فاحصة للواقع المبتذل. نتيجة لذلك، تأخذ كلمة «لسان»، في مستوى ثالث، معنى أوسع، ودلالة أكثر انفتاحا، فتحيل تاليا إلى الحكاية وعملية السرد. تعبر «الألسنة» كمنطوق عنواني، عن المحكيات المتواجدة بين دفتي المجموعة القصصية.
يمكن القول إن كلمة «ألسنة» تشير إجمالا إلى العضو الفيزيولوجي، وتحيل إلى الكلام، و تعبر عن الحكايات. إنها- في الأساس- ثلاثة مكونات تدخل فيما بينها في علاقة جدلية. فمن لا لسان له يظل في العمق شخصا يعيش داخل صمت رهيب. صمت يقذف به في هوة سحيقة، يبعده عن الناس، ويسكنه في الظل و الهامش؛ فالفتاة التي يحكي عنها البطل السارد في قصة «لسان جدي» تحمل وجها جنائزيا، و»البكاء يرقد خلف غموض عيني[ها]» ص (25)؛ ويعود السبب الرئيس في ذلك إلى كونها لم تعد تتكلم؛ أي أنها فقدت لسانها. ذلك أن السارد أثناء وصفه لها، لم ينأ عن تشبيهها بـ”مومياء أعيتها عدسات التصوير» ص (25). حيث يصبح الصمت مرادفا للموت، سيمولاكرا للفناء، معنى من معاني العدم. «هي في المكان نفسه، تمضغ صمتها، لوحدها تراني، وأرى قلبها بحجم فلقتي رمان، مكتوب عليه، هذا الصمت لي، الصمت نهاية.» ص (28).
اللسان، كما يقول هايدغر، هو مسكن للإنسان، (انظروا هنا التقارب اللفظي بين الكلمتين: لسان/ إنسان) ومعيار محدد لوجوده، وشاهد لماهيته العميقة، وإثبات لهويته و إنسانيته. في كتابه لسان آدم، يشير عبد الفتاح كيليطو إلى العلاقة الوطيدة بين ثنائية الموت والصمت: «اللسان مثل الهواء، ضروري للحياة. غياب اللسان يعادل الموت؛ الحياة، البقاء، هما في اللسان» (عبد الفتاح كيليطو، لسان آدم، ترجمة عبد الكبير الشرقاوي، دار توبقال للنشر، 1995، ص12). في نفس الإطار، تجسد قصة «لسان مبتور» هذه الجدلية القائمة بين الصمت والكلام، الانهزام والنصر، العدم والوجود، الموت والحياة. فالشخصية المركزية تحس بنوع من الشرخ يبتر كينونتها، فلا تجد سوى الموت ملاذا لها. أمام عالم متسخ انقلبت فيه القيم رأسا على عقب، وأصبحت فيه الحقيقة أكذوبة كبرى مسخت فيه المبادئ لا تقوى هذه الشخصية على الكلام، ولا تستطيع قول تمردها أمام القواد والعاهرات للخروج من عنق الزجاجة، ومن قسوة «الأسئلة الوجودية» ص (8) غير المحتملة؛ وللتخلص من «المرارة التي تدوي في كيانه» ص (7)، و من ظله «الذي يتلاشى على الحائط» ص (7)، لا يجد (جيم) بدا من الانتحار. في هذا السياق، يأخذ الصمت بعدا مأساويا، ويصير مقرونا بالعدم، ويدفع بالبطل إلى حدود اللامعنى. ما يدل على هذا الترابط بين فقدان اللسان (أي الصمت) وإرادة الموت، كون بطل القصة عبارة عن علامة، مجرد حرف، لا أقل ولا أكثر. من هذا المنطلق، ترتسم في الأفق معادلة أنطلوجية فحواها أن كل من لا لسان له، لا مسكن له، لا اسم له ولا كينونة لديه. فقدان اللسان يعني أيضا فقدان الهوية، ضياع الوطن، واندثار الإحساس بالانتماء؛ الشيء الذي جعل (جيم)، في كثير من الأحيان، يقارن المدينة حيث يحيا بقبر هو أضيق من قبر الأموات. ففي غياب اللسان- الوسيلة الأنجع في مجابهة الخواء الوجودي- لا يجد (جيم) مخرجا سوى قنينة الخمر التي يدفن فيها خيبات الماضي الذي يجر ذيوله على تخوم الحاضر المبتذل: «لم يكن له مكان آخر للهروب من هذا الماضي اللعين الذي يثقب عالمه بأحلامه الرهيبة، وحين يفكر في محو هذا الماضي تفيق الكائنات الأخرى وتنطق… وحده الشراب لا ينطق في الداخل… أنهى شربه ونام كعادته.” ص (11). هذه المرة يصبح النوم سيمولاكرا للموت ووجها آخر للعدم المقرون بـ (الـلا لسان).
إن الثنائيات الجدلية التي تنخرط فيها معظم النصوص القصصية، ليست لها علاقة مع الكائن الإنساني فقط، بل تمس كذلك الأشياء؛ فالسرير في قصة «لسان سي رير» هو فضاء موزع بين الموت والحياة، السر والعلن، الداخل والخارج، الامتلاء والفراغ، المعنى واللا معنى؛ فهو في الآن نفسه مكان للعشق ورمز للموت، أرض للشبق الجنسي وعنوان للعدم، بؤرة للتلاقي والفراق، نواة للسخونة والبرودة…مع هذا النص وغيره، يجد القارئ نفسه أمام سارد لا يأت بجواب مقنع وشاف؛ لأنه أثناء بحثه عن معنى محدد للسرير، عن معنى المعنى، لا يستطع تحديده بدقة. بحثه في القواميس على هذا المعنى الباطن، سؤاله المطروح على كاتب وشاعر ورجل سياسي حول معنى السرير؛ يبين إلى أي حد لم يستطع السارد البطل العثور على طوق النجاة. يعتمد الكاتب إذن اللعب على التقارب اللفظي بين «السرير» و»السريرة» و»السر» ليبين أن السرير هو مربط الفرس والسبب الرئيس لمحنة الإنسان العربي: «وقال لأصدقائه وحلفائه أن عمق الإشكالية في العالم العربي هو السرير.» ص (35). إنه جواب يكتسي طعم السخرية من واقع متأزم اختزل إشكالية الإنسان في الأشياء. إننا أمام نصوص تقلب المعاني المتعارف عليها لدى العامة من الناس رأسا على عقب، وتبحث في جوهر الأشياء، وتريد القبض على المعنى الخفي.
في النهاية، يمكن القول إن حسن إغلان من خلال مجموعته القصصية ”كتاب الألسنة”، يعيد قراءة الأشياء وتأويل العلامات المؤثثة للواقع عبر رؤية مفعمة بالدرس الفلسفي والبعد الأنطولوجي. اللسان/ الألسنة هي عبارة عن بؤرة تأملية عبرها يزيح الكاتب اللثام عن واقع مزر، مُسخت فيه القيم ومُسحت فيه الحقائق وسُلخت فيه المبادئ الإنسانية. إنها رؤية عميقة ومسائلة ومفتوحة على الممكن ومتشربة لنصوص أخرى تحضر صراحة وخلسة في ثنايا قصصه الجميلة.
*باحث و ناقد من المغرب
محمد برزوق