في بحثها الذي تناولت فيه مصطلح «التَّسارد» من خلال كتابها الموسوم «التسارد فعل الخلق بين السَّرد وتلقيه»، اختارت المؤلفة كوثر محمد علي تبويبه إلى قسمين يسبقهما تمهيد نظري، استعرضت فيه تاريخ المصطلح، ابتداء من الأحدث ثم الأسبق وهكذا. وقد تناول القسم الأول المصطلح في روايات الميتاسرد، أما القسم الثاني فتناوله من اتجاه رمزي للمسرود له، واختارت مادة للتحليل ثلاث روايات: «سفر السرمدية»عبد الخالق الركابي، «ثلاث عشرة ليلة وليلة» سعد سعيد، «مدينة الله» حسن حميد.
التسارد وما بعد الحداثة
هناك اشارة وردت في التمهيد أوضحت فيها الباحثة كوثر محمد علي، أن الكتاب لا يناقش السَّرد المرتبط بمفهومه القديم المتأصِّل، إنما يتناول مفهوم «التَّسارد» الحديث نسبيا، والمرتبط عند بعض النُّقاد بأسلوب ما بعد الحداثة، أو ما وراء السرد، وأضافت أن مصطلح التَّسارد، ورد بهذه الصيغة عند عمار أحمد في مقال منشور في جريدة «الدستور» العراقية في شهر نيسان/إبريل 2016، ولكنها اكتشف ما أن عادت إلى الوراء قليلا أن المصطلح سبق أن طرح على لسان نبيل سليمان، ناقلا إيَّاه عن الناقد الأكاديمي المغربي سعيد بنكراد، في ترجمته لاحد كتب أمبرتو أيكو. والمصطلح لدى أيكو، بوصفه أحد الخصائص السردية مابعد الحداثية في النصوص السردية. وتتحدد هذه الخصائص بالعناصر الأربعة الآتية: التسارد، التسنين المزدوج، السخرية التناصية، الحوارية بالمعنى الباختيني للكلمة. ثم تشرح مفهومه لدى أيكو، إذ يرى أن التَّسارد يحيل على تأمّل النّص لنفسه، عن طريق إمكاناته الذاتية، أو اقتحام صوت المؤلف الذي يفكر في ما يسرده، مُستَدعيا لقارئه ليشاركه في أفكاره.
من جانبها ترى كوثر محمد علي أن التسارد، بناء على ما أورده أيكو، سابق على تيار ما بعد الحداثة في وجوده، لكنها ترى أن الاستراتيجية التساردية بدت حاضرة في الرواية المعاصرة بشكل أكثر الحاحا، كما أن وجود العناصر التي حددها أيكو في النص السردي هي التي تحقق فعل الحكي، وهي بتوفرها في النَّص تثبت مقولة «الحكائية» التي طرحها سعيد يقطين، والتي تضم شبكة من المقولات الفرعية، وكلما توفرت، في أي عمل وفي أي صورة، أمكننا رسم هذا العمل بأنه ينتمي إلى جنس الخبر أو السرد، وعلى ذلك تتحقق الحكائية في الكلام، من خلال تحقيق العناصر الآتية: فعلٌ وحدث قابل للحكي، فاعل أو عامل يضطلع بدور ما في الفعل، زمان الفعل، مكان الفعل أو فضاؤه. ثم يضيف سعيد يقطين ايضا، صفة «قبول الحكي»، التي تضع الحكائية في مقام تواصلي تتعلق بمتلقي الفعل الحكائي، وهي قبول تلقي الفعل، لأن اي عمل حكائي لا يمكن أن تتحقق حكائيته إلاَّ من خلال حكيه.
المزج بين الضمائر
فكرة التسارد تعني لدى كوثر محمد علي، الاشتراك في فعل إنتاج السرد مع تلقيه، وهو ما يراه أمبرتو أيكو جاذبا لجمهور أدبي واسع إلى الأعمال الأدبية، بفضل اكتشاف الحبكة الروائية التي كانت تنفر من الحلول الأسلوبية الطبيعية، من قبيل اللجوء إلى الحوار الداخلي، ولعبة التسارد وتعددية الأصوات، التي تتداخل أثناء السرد، وغياب الترابط بين المقاطع الزمنية، والقفز على السجلات الأسلوبية، والمزج بين السرد بضمير الغائب، أو ضمير المتكلم بخطاب غير مباشر حر. وهنا تضيف المؤلفة أن هذا التداخل والمزج بين الضمائر في المسرود، والجذب الذي يمارسه السارد على قارئه أو المسرود له، لا يتحقق إلا بوجود فاعل من الفواعل القابلة، لأن تتعدد أدوارها وتختلف باختلافها مع الفعل أو الأفعال المتعددة المتولدة عن الفعل المركزي أساس الحكي.
شيفرات الضمائر
يستعرض لنا الكتاب فعل التسارد لدى روبرت شولز، فيجده يختص بفعل إعادة تركيب الأحداث، وفقا لعملية التَّلقي الخاصة بالسرد وفك رموزها وإعادة ترتيبها في خط منتظم زمانيا ومكانيا وحدثيا، فضلا عن فك شيفرات الضمائر السردية الموظفة في عملية السرد، التي قد تكون غائبة ـ وصفَها بديلا عن الضمير ـ عن المسرود له داخل/خارج النص السردي، يكشفها المسرود له في نهاية العملية السردية، محققا المفاجأة التي تعيد تنظيم العملية السردية بأسرها في ذهنه، بعد أن وصلت إلى حدِّها الأقصى من الاختلاط والتشابك.
يطرح الكتاب سؤلا افتراضيا حول العلاقة الجدلية بين طرفي العملية السردية، وأساليب التواصل بينهما، التي تحقق فكرة التسارد وازدواجية الدور الذي يلعبه كل منهما في النص. السؤال جاء بهذه الصيغة: من نحن وماذا نفعل، أنحن رائون أم مرئيون؟
حقيقية ومتخيلة
تصل المؤلفة إلى أن إتمام التواصل في العملية السردية ينبغي توفر عدد من الأطراف، سواء كانت خارج العمل الأدبي (حقيقية) أم داخله (ضمنية متخيّلة) ابتداء من الروائي وانتهاء بالقارئ، وكلاهما حقيقيان، فالروائي يخلق ساردا محددا متخيلا، يقوم بعملية سرد المروي إلى المسرود له، أو إلى قارئ ضمني داخل النص الأدبي، ويقرأه القارئ الحقيقي، الذي يكون خارج النص.
المسرود له والبدايات
في مجال البحث عن المسرود له، يشير الكتاب إلى أن البداية كانت في سبعينيات القرن الماضي، واختلفت المصادر في تحديد المبتدع الأول للمصطلح، بين كلِّ مِن جيرار جينيت 1972، الذي أشار إلى المسرود له للدلالة على صورة القارئ المرتسمة في النص، وكذلك برنس في مؤلفه «مقدمة لدراسة المروي عليه في السرد» في بداية السبعينيات. وبالنسبة لجينيت يصنف المسرود إلى صنفين: المسرود له داخل الحكاية والمسرود له خارج الحكاية.
المسرود له والقارئ
بعد هذا الاستعراض الذي يقدمه الكتاب لتحديد المصطلح، أصبح واضحا أن المسرود له يمثل المستقبل للنص الروائي، ويتموضع داخل النص، وترى المؤلفة أن من الممكن في هذا الموضع أن يختلط المتلقي هذا، بالنوع الآخر من المتلقين، الذين قد يقعون داخل أو خارج النص الروائي، ثم نجد أنفسنا أمام شرح للمستويات الثلاثة التي تحدد العلاقة بين كل من المسرود له والقارئ الضمني: 1- المسرود له يساوي القارئ الضمني، حين لا يكون المروي له ممسرحا، أي حينما لا يكون شخصية قصصية داخل النص، أو حين لا يكون المروي له شبه ممسرح، أي لا يكون متواجدا في الخطاب السردي في هيئة ضمير يوجه له الراوي الخطاب. 2- المسرود له في موقع أعلى من القارئ فيكون الأول شخصية مجسدة تقوم بالفعل، ومطلعة على تفاصيل الرواية وعالمها، وعارفة بخلفية الأحداث، أما القارئ فأمره بيد السارد يريد ما يريد أن يريه إياه ويمنعه عن غيره. 3- المسرود له أدنى من القارئ الضمني فيكون الأخير أكثر حرية من المسرود له في تأملاته، وغير خاضع لسلطة الراوي وهيمنته، فيكون بهذا المسرود له متلقيا ينتظر توجيهات السارد.
القارئ الوهمي
في إطار طرح موضوع «التسارد ـ التجليات والطرائق» يأخذنا الكتاب إلى مفهوم القارىء الوهمي، الذي طرحه الفرنسي جاب لينتفيلد، من خلال استشهاده بمقطع من إحدى الروايات الفرنسية الهزلية، حيث يوظف كاتبه ضمير المخاطب، إذ يرى لينتفيلد أن هذا المقطع يجبر قراءهُ على التمييز بين ثلاثة مستويات من المتلقين: المسرود له، والقارئ المجرد، والقارئ المادي المحسوس.
أما عن فكرة التواصل والتخاطب المباشر بين السَّارد ومتلقيه، فيشير الكتاب إلى أنها انطلقت بغية خلق حركية وانتباه خاص عند القراءة، ليتحقق بالتالي إدراك الحقيقة، ومن هنا حرص الروائيون ابتداء من القرن الثامن عشر على جعل العلاقة هذه علاقة جدلية متوترة دائما.
سَرد خَلف السرد
يتطرق الكتاب إلى التسارد وازدواجية الموقع، وإلى ما حصل من تحول في بنية الكتابة السردية، التي تمثلت في رواية ما بعد الحداثة، أو ما بعد القص، عندما أعلن الروائي عن تمرده على فكرة موت المؤلف، من خلال تدخله في النص عَلنَاً، مُشعِرا المتلقي بانه حي يرزق، والدليل على وجـــوده أنه سيقطع السرد مُهشِّمَا المتعة التي صنعها خياله، وما رمز إليه من شخصيات تصوِّر الحدث، ويعلن أنه يروي رواية أخرى غير التي يرويها السارد، أو ما هو مقدم عليه يكون في وجوده سردا خلف السرد، وهذا الأمر لن يكون يسيرا إلا إذا امتلك المؤلف خيالا يساعده على شطر استجابة المتلقي أولا، ومن ثم إلغاء واقعية النص، وفيها تذوب متعة ما يقرأ، وإن كان المقروء من صنع الخيال: إذ قد يفكك تدخُّل المؤلف في السرد، وهذا ما ذهب إليه عدد من الذين تناولوا الروايات التي يتدخل فيها كاتبها، وهذا التداخل بين موقع المؤلف داخل وخارج العمل الأدبي، إنما يؤدي إلى ازدواجية في الموقع.
تجليات السارد والمسرود
ترى كوثر محمد علي، أن التقسيمات التي تناولت السارد والمسرود له قد تعددت واختلفت في التصنيف والتعريف، غير أن أحدهما يأخذ من خصائص الآخر، ففي حالة وجود رَاوٍ ظاهري أو صريح، فهناك أيضا مروي له ظاهري أو صريح، وعندما يكون هناك راو خفي، فلابد أن يقابله مروي له خفي، كما أن غياب السارد كليا لابد أن يقابله غياب المسرود له أيضا، وتختلف تجليات المسرود لهم داخل النصوص السردية وتتعدد، ولذلك تعددت الإشارات إليهم وتنوعت مواقفهم، مما يتلقون واختلفت المصطلحات الدالة عليهم حسب وجهة نظر الباحثين.
رائون أم مرئيون؟
ختام الكتاب يطرح سؤلا افتراضيا حول العلاقة الجدلية بين طرفي العملية السردية، وأساليب التواصل بينهما، التي تحقق فكرة التسارد وازدواجية الدور الذي يلعبه كل منهما في النص. السؤال جاء بهذه الصيغة: من نحن وماذا نفعل، أنحن رائون أم مرئيون؟ ومن الواضح هو السؤال ذاته الذي طرحه ميشيل فوكو حول لوحة «فلاسكيز «عند تحليله لها، انطلاقا من كون الجمود الكثيف الذي تعرضه اللوحة من جهة، يجعل لعبة التحولات القائمة في الوسط بين المشاهد والنموذج غير مستقرة. وهذا ما يجعلنا كذلك نفكر في الرواية/ الروايات وفي موقعنا منها، من خلال موقع المسرود له، الذي يمثل تشكلا من تشكلات القارئ داخل/خارج النص، فضلا عن أنه قد يتبادل الأدوار فيصبح ساردا داخل/ خارج النص، وهنا تجد المؤلفة نفسها تعيد التساؤل نفسه بالقول: عندما يخاطب الروائي المسرود له، ويوظفه جِسرَ عبورٍ إلى القارئ الحقيقي، وسيطا بينه وبين القارئ، فهل المسرود له ومن خلفه القارئ الحقيقي قرَّاء أم ساردون؟ أم أنهم جزء من ما يُسرد؟ ومن هذه التساؤلات تتوصل المؤلفة إلى جملة نتائج لها ارتباط أساسي بالروايات الثلاث، التي كانت موضع التحليل في كتابها.
٭ «التَّسارد فعل الخلق بين السَّرد وتلقِّيه»: المؤلفة: كوثر محمد علي
إصدار: اتحاد الأدباء والكتّاب في العراق- طباعة: دار الرواد المزدهرة للطباعة والنشر والتوزيع/الطبعة الأولى 2018 /عدد الصفحات 144
٭ كاتب عراقي