كتاب الحياة الجديدة

حجم الخط
0

كتاب الحياة الجديدة

أمجد ناصركتاب الحياة الجديدة (قرأت كتابا، في يوم ما، فتغيرت حياتي كلها) بهذه الجملة يفتتح الكاتب التركي (نوبل 2006) روايته (الحياة الجديدة)، نقرأ الكتاب الذي هو عن كتاب غيَّر حياة راوي (الحياة الجديدة) ولا نعرف ما هو. نعيش (اوديسة) محمومة في الحافلات بحثا عن ايثاكا الحياة الجديدة وامكنتها السحرية المراوغة في قري ودساكر تركية بدفع من الضوء الغامض الذي يسطع من الكتاب ونعود الي نقطة الانطلاق الاولي.ما همّ ان عرفنا ان الكتاب يسمي (الحياة الجديدة)، فاسم الكتاب ليس مهما ولا اسم كاتبه مهم، الكلمات هي المهمة، هنا، واستعدادنا لتقبل (رسالة) الكلمات هو اصل وجود الكتب وتحققها.OOOهناك، دائما، كتاب جاهز ليكون سببا للتغير او قلب الاشياء رأسا علي عقب، للحب او الخيانة، للحكمة او الجنون الانساني، وليس هناك ما هو اكثر اغواء من رائحة الحبر وهسهسة الكلمات لرمي الامثال والعبر، العلل والاسباب، كأحجار نرد مارقة، علي طاولة مترامية الاطراف تسمي الكون.هناك كتب للحب.كتب للخيانة.كتب للوفاء.كتب للغدر.كتب تقول وكتب تصمت.كتب تكذب فتنفد وكتب تحترق بصدقها الذي لا يصدق.هناك كتب يقال انها تصنع التاريخ وكتب تنسب اليها الثورات والانقلابات واضطرابات بني البشر علي حبال الطاعة والقهر والصبر والحرية المخاتلة.قبل النبي الذي هام علي وجهه بين النهر والصحراء وسمع صوتا ليس ككل الاصوات يقول له (يا يحيي خذ الكتاب بقوة)، وبعد تلك الامانة الثقيلة التي عرضت علي الجبال فرفضتها فتنطع لها كائن هش يمشي علي قدمين، هناك كثير من الكتب. كتب نقشت علي جدران الكهوف، علي رُقم طينية، علي رقاع من الجلد، علي ورق من البردي، علي مناديل الوداع، علي اذرع العاشقين، علي ظهور الاسري والعبيد. هناك كتاب يراه الحرس فتمر، وكتاب يقرأه السلطان فتهلك.كتب كثيرة.كتب لا تنتهي.هناك كتاب يختصر كل الكتب.وكتب لا تحيط علما بالكتاب.قابلت، مرة، في البحرين، رجلا مأخوذا بالكتب اراني متحف مقتنياته العجيب، وكان بين كتبه التي خُطت في بلاد لا يربط بينها رابط، وعكف عليها رجال عاشوا في ازمنة مختلفة كتاب مقدس كُتب علي حبة قمح وبجانبه عدسة مكبرة. فكرت، والرجل المأخوذ بالكتب يريني، بزهو، عجيبته هذه، بذلك الشخص الذي خط، بصبر ودقة مذهلين، كلاما مقدسا بإبرة غير مرئية علي حبة قمح، وخطر لي، لحظتها، ان لا شيء مثل الكلمات ارّق حياة الانسان واوهمه بالخلود المستحيل.فهل كان مقدرا لنا ان نعرف سعي جلجامش المحموم لفهم سر الموت والحياة لولا تلك الكلمات التي تركها لنا من خط تلك الاحرف الاولي عن ذلك (الذي رأي كل شيء) فتغنت بذكره كلمات اخري لم تولد ابجدياتها بعد؟OOOالكتب تفكر، ايضا، بكتب اخري وتضمرها.هناك (كتاب الرمل) لبورخيس الذي يتحدث عن كتاب لا بداية لصفحاته ولا نهاية لها، والرجل الاسكتلندي الذي يقول له لا جدوي من معرفة الصفحة الاولي او الاخيرة لأنه لا وجود لشيء كهذا، اما ترقيم الكتاب فليس سوي امر اعتباطي (ربما للقول ان حدود السلسلة اللامتناهية تقبل اي عدد)، (فلو كان المكان لا متناهيا لكنا في اي نقطة من المكان، ولو كان الزمان لا متناهيا لكنا عند اي نقطة من الزمان).هناك ايضا كتاب (ايكو) الذي يتم اخفاؤه لانه يثني علي فضائل الضحك ويموت كل من يصل اليه في مكتبة مصممة علي شكل مصيدة يضمها دير ناء، فيقول سادن الكتاب الاعمي للمحقق الداهية الذي يصل الي مركز اللغز: ها هو الكتاب خذه، اقرأه. هيا هيا، لكن المحقق الداهية يعرف ان صفحات الكتاب الممنوع مشبعة بالسم.هذا ايضا مثل كتاب الحكيم (روبان) في الليلة الخامسة من ليالي شهرزاد، حيث يكافيء السلطان (يونان) الحكيم الذي شفاه من البرص بالقتل، فيدبر له الحكيم المغدور كتابا منقوعا بالسم ويقول له اقرأه بعد موتي.الكتاب الممنوع (او الكتاب الضائع) يغري بالسرقة، وهذا ما فعله كاتب سوري اقتفي اثر كاتب ايطالي فدبج كتابا يروي مغامرات شاب عربي بحثا عن مخطوطة مفقودة لابن رشد في دير ايطالي ناء، فتكون النتيجة كتابا عن كتاب عن كتاب.OOOنسمع دائما من يقول قرأت كتابا فغير حياتي. قال هذا الكاتب البرازيلي كويلهو، فرددها بعده شبان في اماكن مختلفة من العالم. قابلت يوما شابا قال لي انه قرأ (الخيميائي) فاكتشف ان (الكنز) الذي يبحث عنه في كل مكان موجود في داخله، ولا ادري ان كنت قلت للشاب ان هذا الكتاب مسروق من كتاب اخر يحلم فيه تاجر مصري بكنز في مدينة ايرانية فيقابل قاضيا ايرانيا يقول انه يحلم بكنز موجود تحت شجرة في المنزل الفلاني في الشارع الفلاني في القاهرة، لم يكن سوي بيت التاجر المصري.كنت ايضا شابا صغيرا كذلك الذي قال لي انه قرأ (الخيميائي) فتغيرت حياته، وقرأت كتابا ابتعته من معرض للكتاب في مدينة حلب، وكنت وقتها علي وشك عبور (باب الهوي) الي حرية تراءت لي علي ارصفة بعيدة ذات اشجار وامطار ونساء من نمش وعنبر، فقرأت الكتاب الذي يتحدث عن العمال وفائض الانتاج واستغلال الانسان لاخيه الانسان في قرية تقع علي الحدود الاردنية السورية فعدت الي (الزرقاء) وقد تغيرت حياتي رأسا علي عقب. عدت ومعي كتابي السحري ولكنني لم اكن اعرف انني اعود لكي اخرج ولن ارجع الي ما كنت عليه قبل قراءة ذلك الكتاب حتي يومنا هذا. صحيح ان حياتي تغيرت أما الحياة الجديدة، يوتوبيا الأخوة الشاسعة، التي وعدني بها الكتاب فلم تتحقق.OOOتبدأ حكاية كتاب اخر كُتِبَ كثيرا، وسيظل، علي ما يبدو، يُكتبُ الي الابد، بمحادثة هاتفية غامضة الدوافع، يقول المتكلم انه اتصل لا يدري لماذا، ثم يتحدث عن كتاب عنوانه (الكائن الشعري). الكتاب ليس موجودا الا في رأسه، ولكنه يظل يقتبس، كمحفوظات مدرسية رسخت في ذهن طالب بصيِّم، من فصوله الوهمية، فيتوقف، قليلا، عند فصل بعنوان (القصيدة التي تمشي علي قدمين) فيتلعثم عندما يصل الي الجمال المؤلم ويضرب امثلة فاشلة عن حقائقه الفيزيائية.لا تنطلي، كما هو متوقع، حكايته علي الطرف الاخر، فالكتاب الذي ظن انه من بنات افكاره، لم يكن سوي كتاب شائع يعرفه كل الذين اتخذوا من الكتب ذريعة للحب او الغضب.OOOاعود الي اورهان باموق وكتابه (الحياة الجديدة) لاقول ان الكتاب الذي قرأه الراوي و(غيّر) حياته هو مثل الكتاب الذي اشتريته في حلب وكتاب (الخيميائي)، وحبة القمح، و(كتاب الرمل) وكتاب الضحك والنسيان، والكتب المسمومة وتلك التي تفوح منها روائح الاشجار وازهار العشاق المحنطة.الكتب تتناسل من كتب اخري، تقلد كتبا اخري وتحاكي صورا مهزوزة للعالم، والكتاب الحقيقي، هو الكتاب الذي لن يوجد قط.. لأنه سيكون عليه ان يذكرنا بالعالم كله، كما يقول اورهان باموق مرددا صدي مقولة مشابهة لبورخيس.0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية