‘كتاب الخبز’ لكريم عبد السلام: السرد في الشعر .. ومتعة الغناء للفقراء

حجم الخط
0

إبراهيم محمد حمزة كأن شطرا من قصيدة ‘حافظ إبراهيم’ الشهيرة (يخال الرغيف في البعد بدرا) قد تمدد ليصبح ديوانا كاملا، هو ‘كتاب الخبز’ للشاعر كريم عبد السلام، الذي ينحاز فيه بوضوح إلى من يعرفهم، ويحبهم ويكتب عنهم، مجسدا علاقة لا مثيل لها في أي شعب بين ‘الرغيف’ والبشر ..الديوان بغلافه المميز للفنانة بسمة صلاح، والذي تصور فيه عشر أيادٍ ترتفع لأعلى نحو دائرة مخاتلة تسعى لتشكل ‘رغيفا’، الديوان ينتمي لنوعية دواوين الموضوع الواحد، مجسدا انتماءه الصادق، ربما من الإهداء (إلى أرصفة القاهرة، مدافنها المسكونة، وجسورها السماوات، وناسها الصابرين) لم يقل الشاعر ناسها الطيبين، إنما أسس لرسالته الشعرية، المتوهجة المتوجهة إلى هؤلاء الباحثين عن خبزهم المشتهى النادر، في القصيدة الأولى وعنوانها ‘ما قاله الرغيف للشاعر’ نقرأها كاملة (أقول للجائع خذني / فتحتجزني يدُ السارق/ أقول للمسكين هيت لك/ فتمنعني يدُ العسكري / أقول للأب المهموم: إليَّ إليَّ / فتسبقُ يد التاجر / أقول للطفل الضائع على الرصيف/ أصعدُ إلى سمائك الكالحة قمراً / وأنت تنظر لي وتغني/ فترعد السماء الكالحة وتمطر / على رأس الطفل الضائع’.يعود كريم عبد السلام في ديوانه إلى صفاء الشعر ورقرقته البهية، يتحول الرغيف دنيا كاملة يسعى الناس لها، يتجلى وعي الشاعر ثائرا لفقرائه المسروقين من العسكري والتاجر، بل تصل الجرأة بالشاعر فيجعل الكون يصب غضبه على الطفل الضائع تحت وحل المطر وصقيع الرصيف. ـ وعاء الكتابة: تتحرك الكتابة لدى بعض مفكري البنيوية لتصبح هي القيمة الأولى، متجاوزة فكرة أنها حدث ثانوي يأتي بعد النطق، وبتعبير ‘جاك دريدا’ الكتابة تحل محل النطق، لكنها ليست وعاء لشحن وحدات معدة سلفا، إنما هي صيغة لإنتاج هذه الوحدات’. وهكذا يسعى الشاعر لإعادة صياغة وحدات دلالية، بحيث يمنحها قدرة على صنع حياة مجازية كاملة موازية للحياة، حياة خارجة من رحم حياة حقيقية، حيث يحتفي باليومي والمعيش، لا إنتاج دلالات ولا للتنوير، إنما إعادة رؤية الانسان المقهور لذاته بشكل أوضح، وإحداث أكبر قدر من التعاطف الجمالي، فالنص الأدبي كما يقول د. مراد مبروك ‘مؤسسة حياتية أداته اللغة ‘ ومن هنا يشكل بها الشاعر قصيدته العذبة ‘ناس القمر الساخن’ بادئا بجملة (في بلادي/ عندما تسقط كسرة خبز / تصالح بالقبل) مشهد سردي عابر مكتمل الدقة، منحاز لعادات حياتية مصرية، حين يسقط خبز على الأرض فنرفعه ونقبله لأنه نعمة، يلتقط الشاعر المشهد ، ويعيده برونق جديد، عبر تماس مع قصيدة ‘خبز وقمر وحشيش’ بطريق المخالفة أو قل المفارقة، فبينما نزار يجلد ذاتنا العربية في قسوة غير مبررة، ينحاز كريم عبد السلام لملح هذه الأرض: فقرائها، ولذلك لا يميل الشاعر في هذا الديوان تحديدا، إلى الترميز، أو إنتاج دلالات جديدة للمفردة اللغوية، ولا على بناء لغوي معقد، إنما يؤسس لاكتشاف علاقات جديدة، لاكتشاف التجانس الكوني بين الأشياء، أو ما سماها الناقد عبد العزيز موافي بـ ‘شعرية التقرير’ والتي يعدها أولى خصائص القصيدة الجديدة. ـ مشهدية اللحظة الشعرية: لكن الظاهرة الأبرز في الديوان هي الاعتماد على المشهدية السردية، وهي مسألة لا تختص بكريم عبد السلام، بقدر ما تميز التيار الشعري كله ،عبر لغة حدثية، لها قدرة إشارية نابضة، غارقة في مجازات هادئة مشعة، عبر الالتزام بالسرد الشعري، يتحدث عن الخبز منشدا (بسببه / عرفت البنت معنى السعادة / عندما ظهر فارسها وسط الزحام / مكافحا بدلا منها / وكلما مرت بالمخبز / تذكرت: كيف مس ظهرها صدرُه / فارتاحت عضلاتها بين يديه / ورأت السماء زرقاء صافية). يشكل الشاعر لوحاته عبر مشاهد، مستخدما لغة القصة القصير جدا بتتالياتها وإيجازها، وبلاغتها، وكأن القصة هنا ترد الدين للقصيدة التي اقتنصت منها كثيرا من آلياتها ولغتها. لكن الشاعر يسكب من روحه الساخرة على مشهدية الحدث، ليتحول إلى عبثية، كقوله (بسببه / نجت الزوجة الخائنة من العقاب / بعدما قطعت رغيف الخبز نصفين أمام عينيها الباكيتين / وأقسمت بالنعمة / أن عشيقها الذي صادفه الزوج مهرولا / على سلالم البيت / ليس خارجا من بابها المصفوق توا / كيف لا يصدق زوج رغيفا مقطوعا نصفين / أمام عينين باكيتين!) يتكامل الديوان متتبعا كافة عناصر تعاملاتنا مع الخبز، بمعناه الأشمل: الفقر / الحياة / القهر/ الاحتياج إلخ ، ثم انتقال هذه العناصر لحالة التدني والسقوط، ثم التحول على التوحش، بهذه الإشارات يتحول نص الشاعر الى ‘مؤسسة حياتية’ عبر حدث دامي الطابع، نجدها في قصيدة ‘الخروج إلى الخبز’ كأنه خروج إلى القتال، وفي لقطة مشهدية بهية بعنوان ‘والدم يحرك كل شيء’ تظل عبارة محورية، ترصد المعارك التي تدور حول الخبز، يحاول الشاعر التخفيف منها بلقطة تالية تصور حدب النساء على امرأة تطعم رضيعها من صدرها، فتلتف حولها النساء، لإخفائها عن العيون، ثم يصطنع الشاعر شخصية محزنة هي ‘الحاج عبد الحميد’ عبر مفارقة بين الرجل الذي عاش تجربة الحرب وانتصر فيها، لكنه هزم في معركة الحياة، معركة الحصول على الخبز (الآن .. الحاج عبد الحميد في الثانية والستين / سقط صريعا تحت الأقدام الجائعة / ولم يعد يحتاج إلى الخبز). مشاهد تتحول عبر لغة وشاعرية كريم عبد السلام إلى شعر خالص، رغم صعوبة النظر لهذه المشاهد بعين الشاعر، حتى الصفات التي يصطنعها الشاعر تحمل قدرا من التحميل الدلالي (الأقدام المتشنجة … الأقدام الجائعة إلخ ..)ثم تتعالى مشهدية السردية التي يبدعها الشاعر في قصيدة ‘العم سيد والنمر’ تنضم القصيدة إلى بقية القصائد بالديوان التي ترثي الفقراء، الذين يشترون الحياة بالموت، أو بالسقوط، العم سيد راعي الحيوانات المتوحشة، الذي يقرر بعد ربع قرن أن يقدم ساقه وجبة للنمر الجائع، كي يأخذ تعويضا ينفقه على بناته الفقيرات، هنا طلقة السياسة الواضحة التي تكاد تقتلنا قتلا (بعد أن ضاقت به الأرض / بعد أن بكت بناته من الجوع / سأل العم سيد العينين الصفراوين للوحش:/ يدي أم قدمي / قدمي أم يدي). ـ السياسي في الشعري: تفرد السياسة ظلها بغبائها وقسوتها، وتتمدد متوحشة بين صفحات الديوان، لتؤكد وجود قاتل ما لكل هؤلاء القتلى، إنهم من اندس في حياتنا، وخانونا، لكن الحياة تتشكل لدى كريم عبد السلام في طابور الخبز، وتتجمع المصالح والمشاغل والمكاسب في طابور الخبز وفي رغيف الخبز ذاته، إنه الأرغفة المشتهاة المنظورة من المندسين في الصف من جانبه، أجمل ما في الديوان وأجمل ما في هذه القصيدة عليكم أن تخجلوا أن الشاعر جعل العالم كله أو على الأقل الوطن كله مخبزا، وجعل الشعب كله طابورا أمامه، لذا يخرج الشاعر أوجاعه بطلقاته التي لا ترد (أنتم الذين زورتم الانتخابات / كيف تجرأتم ونبشتم القبور / لتسجلوا أصوات الموتى في كشوفكم / أنتم الذين في الصحف الكاذبة / وفي الأمن المركزي / عليكم أن تخجلوا … ) ديوان لافت أكمل فيه صاحبه رحلته بعد عدة دواوين (استئناس الفراغ، بين رجفة وأخرى، باتجاه ليلنا الأصلي، فتاة وصبي في المدافن، مريم المرحة، نائم في الجوراسيك، قصائد حب إلى ذئبة). ديوان قادر على مصالحة قارىء قصيدة النثر، الذي فر خائفا من عصيان الرمز، وضبابية الإشارة وآلام التلقي.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية