كتاب «السقوط المُدوّي» لجوزيف ستيجليتز: التواطؤ السياسي وانتظار الأزمة القادمة

بعد مرور عشر سنوات ونيف على الأزمة المالية/الاقتصادية العالمية التي ضربت الاقتصاد العالمي في عام 2008، بقيت وضعيته تُراوح بين الهشاشة والنمو المتواضع. وزاد تكالب (المنجمين الاقتصاديين) ليس بشأن ما إذا كان الاقتصاد العالمي سيدخل في غياهب الأزمة من جديد، وإنما بشأن موعد اندلاع هذه الأزمة.
يشكِّل كتاب «السقوط المُدوّي.. الأسواق الحرة وغرق الاقتصاد العالمي) الصادر حديثاً في نسخته العربية، عن الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت 2021، ترجمة محمد الصيّاد للاقتصادي الأمريكي جوزيف ستيجليتز، الذي عَمِلَ سابقاً بوظيفة كبير الاقتصاديين في البنك الدولي حتى يناير/ كانون الثاني سنة 2000، ويعمل الآن بروفيسور علم الاقتصاد في كلية Columbia Business School ورئيس مجلس إدارة ومدير برامج التخرج الصيفي لمعهد BrooKs World Poverty Institute في جامعة مانشستر. حائز جائزة نوبل في الاقتصاد عام 2001، ومؤلف أكثر من عشرة كتب مرجعية في حل مشاكل الاقتصاد. وتنبع أهمية الكتاب في إضاءته الواضحة والصريحة للقضايا الرئيسية التي طالما شكلت محور الصراع الفكري بين مدرستي التحرير غير المقيَّد للأسواق ومدرسة التدخل الحكومي المدروس والناعم الهادف إلى ضبط عمل الأسواق وتصويب أي انحرافات وتشوهات قد تطرأ على أنشطة روَّادها.

صناعة الأزمة

يناقش جوزيف ستيجليتز في كتابه، الأزمة المالية التي اندلعت بدايةً في الولايات المتحدة الأمريكية عام 2008، والتي وُصِفتْ كثاني كبريات أزمات الرأسمالية وأولى أزمات العولمة وأسوأ انتكاسة أو ركود اقتصادي منذ الكساد العظيم في ثلاثينيات القرن الماضي، لِما أنتجته من آثار مدمرة على الصعيد العالمي وعلى معاقل الليبرالية الجديدة أيضاً. كما يعرض لكيفية (تصنيع) الأزمة وأسبابها، وما سماه بالسقوط وتبعاته وتداعياته. كما يناقش الحلول والإجراءات التي اتُخذت من قبل الحكومة الأمريكية لمعالجة الأزمة التي اعتبرها حلولاً ناقصة وترقيعية، حيث يؤكد ستيجليتز أنَّ المفاجأة الوحيدة للأزمة الاقتصادية لعام 2008، هي أنها كانت مفاجأة للكثيرين. يقول الكاتب.. السوق المحرَّر من الضوابط الذي تقاذفته السيولة المفرطة وأسعار الفائدة المنخفضة، وفقاعة سوق العقار العالمي، والقروض الفلكية للرهن العقاري، كانت عبارة عن خلطة مسمومة، إضافة إلى العجز المالي التجاري الأمريكي. وما يقابله من فوائض صينية في احتياطيات الدولار، في تجسيد لعدم توازن الاقتصاد العالمي، فكان واضحاً أن الأمور كانت منحرفة بشكل فظيع. ويؤكد ستيجليتز أنَّ العمليات المالية المتصلة بالرهن العقاري، سوف يتذكرها الناس باعتبارها أكبر عملية مكر واحتيال تحدث في مطلع القرن الحادي والعشرين.

مراجعات فكرية اقتصادية

يعرض المؤلف أدوات الكشف عن أسس هذه الأزمة التي ولدت من جوف سياقات اقتصادية وسياسية وفكرية مختلفة عمّا سبقها من أزمات في هذا القرن الذي نعيش فيه. ويقترح إعادة التوازن بين دور الدولة والأسواق في الحياة الاقتصادية، أي التوصل إلى دور جديد للدولة من أجل إدارة الاقتصاد الأمريكي والعالمي. مؤكداً أن ذلك قد يؤدي إلى معارك فكرية ومراجعة لنظريات وأفكار في علم الاقتصاد الكلي، والسياسة النقدية، والأسواق المالية، وعلم اقتصاد الابتكار.

بين مدرستين

ينتمي ستيجليتز إلى المدرسة الكينزية في الاقتصاد، المنادية بنظام رأسمالي منضبط ومتوازن، حيث حرية السوق ليست مطلقة وإنما تضبطها وتحكمها وتعدَّل مسارها القوانين وتدخَّلات الدولة، حيث الفوارق بين الغنى والفقر تتقلَّص والطبقة الوسطى تكبر، لذا يرى أن لدى الدولة التزامات اجتماعية في حقول التعليم والصحة والعمالة والمسكن. وينتقد بشدة مدرسة شيكاغو في الاقتصاد، بقيادة ملتون فريدمان عالم الاقتصاد الأمريكي الحائز جائزة نوبل في الاقتصاد عام 1976، المُنادية بالرأسمالية النيوليبراية العولمية المتوحّشة، القائلة بالحرية شبه المطلقة للسوق والمنادية بتقليص الخدمات الاجتماعية المقدَّمة والمدارة من قبل الدولة. فمدرسة شيكاغو ــ حسب
ستيجليتز ــ قاد فكرها الاقتصادي إلى الأزمات التي يعيشها العالم بين الحين والآخر. فالأثمان الكارثية يدفعها دافعو الضرائب من المواطنين، بينما يخرج المسببون لتلك الأزمات بأقل الخسائر، وأحياناً بازدياد ثرواتهم ونفوذهم. موضحاً أن المسبّبين ليسوا أفراداً وإنَّما هم سلسلة معقدة من أثرياء وبنوك ومؤسسات ومراكز قوى سياسية وقادة حكم وإعلام غير شفَّاف وغير صادق، ومؤسسات مالية واقتصادية ودولية. وقد أظهرت أزمة 2008 مقدار التواطؤ بين السياسيين مع نظام مالي فاسد، أعطى للمديرين التنفيذيين في البنوك والشركات الاستثمارية رواتب وامتيازات هائلة، على حساب المواطن العادي الذي تم إغراؤه وإغواؤه للاستدانة الدائمة من بنوك جشعة مخادعة من أجل حياة استهلاكية مجنونة ليخسر في النهاية تحويشة عمره من عقار ومدَّخرات مالية وفتات أسهم وصكوك.

اللعبة الكبرى… الفقاعة العقارية

يطرح ستيجليتز رؤيته لإصلاح الأبنية المنحرفة لأسواق المال وللنظام المالي بمجمله، ليس على الصعيد الوطني الأمريكي حسب، وإنما على الصعيد العالمي أيضاً. فيشدد على القضايا الجوهرية ذات الصلة، وفي مقدمتها: ما سماه بالبنوك الضخمة غير المحتمل فشلها أو تفكيكها، وتورط المؤسسات البنكية والمصرفية في إنتاج منتجات مالية تعمدت أن تكون معقدة، بالترافق مع تعمد عدم حصول الأسواق وروادها على المعلومات الكاملة وبصورة متوازنة ومنصفة، مع غلبة انعدام الشفافية في أنشطة وكالات التصنيف، وتورطها في التستر على حقيقة الأوضاع المالية للبنوك والمؤسسات المالية المسجلة على لائحة زبائنها.
يُذكر أنَّ ستيجليتز، أولى اهتماماً خاصاً بالـ(اللعبة الكبرى) التي اخترعتها البنوك والمؤسسات المالية الأمريكية، باسم الابتكار، في مجال الرهون العقارية، التي أدت ــ حسب الكتاب ــ إلى كارثة انهيار سوق العقار السكني وخسارة ملايين الأمريكيين لمنازلهم ووظائفهم ومدخرات حياتهم، باعتبارها القشة التي قصمت ظهر الفقاعة العقارية التي أطلقت شرارة الأزمة على نطاقها الواسع والكاسح وفق المؤلف.

هوليوود تؤرخ بدورها للأزمة المالية

يبيّن الكاتب أن الأحداث الكارثية للأزمة المالية العالمية ألهمت خيال صُنَّاع السينما في هوليوود، حيث قام الكاتب والمنتج المخرج الأمريكي تشارلز فيرغسون، بإنتاج وإخراج فيلم وثائقي في عام 2010 أي في العام ذاته الذي نشر فيه جوزيف ستيجليتز كتابه «السقوط الحر». وقد حمل الفيلم اسم (عملية من الداخل Inside Job)؛ وهو اسم موحي بذاته ويحيل على عمليات مشبوهة شابت العمل الإداري الاقتصادي الذي أنتج أزمة السقوط. ويلاحظ أنه يُطلق على صناديق (شركات) الأسهم الخاصة، مثل مجموعة (Carlyle)، تسميات موحية مثل.. (تجار الديون)، أو (النسور)، أو (غُزاة الشركات)، بسبب طبيعة نشاطها المتمثل في شراء الشركات بعد إغراق ميزانيتها العمومية في الديون، ومن ثم إحالتها للإفلاس وتسريح جزء من العاملين فيها، أو حتى تصفيتها بالكامل، إذا تطلب الأمر ذلك، لتأتي بعد ذلك خطوة إعادة التملك. ويؤكد الكاتب أنَّ الأزمة التي اندلعت في الولايات المتحدة سرعان ما تحولت إلى أزمة عالمية، حيث فقد عشرات الملايين في العالم وظائفهم، منهم 20 مليون في الصين وحدها، كما سقط عشرات الملايين في هاوية الفقر.

عيوب الرأسمالية

يقول المؤلف إن الأزمة كشفت العيوب الأساسية للنظام الرأسمالي، أو على الأقل النسخة الغربية من الرأسمالية التي ظهرت في الجزء الأخير من القرن العشرين في الولايات المتحدة (النموذج الأمريكي للرأسمالية). مؤكداً أنه كان من الصعب إدراك هذه العيوب، لأننا نحن الأمريكيين نود أن نصدق أنفسنا واعتقادنا بقوة في نظامنا الاقتصادي، ويضيف.. أنَّ (فريقنا) أدى عملاً أفضل بكثير من عدونا ـ الكتلة السوفييتية ـ وأنَّ قوة نظامنا سمحت لنا بالتفوق والانتصار على ضعفهم. وقد قمنا بإقحام (فريقنا) في كل منافساتنا/ أمريكا ضد أوروبا، أمريكا ضد اليابان، فقد كانت هناك طبيعة ديناميكية أمريكية مقارنة بالنموذج الأوروبي المتصلب وغير المرن، وظهر ذلك في 2003، عندما نعت وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد أوروبا بـ (القارة العجوز).

إعادة الاعتبار لدولة العدالة الاجتماعية

اليوم نحن في عام 2021، وهي السنة التي تلت مباشرة انتهاء ولاية الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، والسنة الأولى من ولاية الرئيس الأمريكي الجديد جو بايدن. لم يتغير شيء على الإطلاق، كل الممارسات التي تحدث وحذر منها ستيجليتز في كتابه، أعادت الدولة و(وول ستريت) العمل بها بالأساليب (المعيبة) ذاتها ـ وفقاً للتعبير الدارج والمحبب لدى ستيجليتز ــ وفي الزخم نفسه؛ بل أكثر من ذلك. وهو ما أعاد إنتاج الفقاعة التي أنشأت وضعاً في السوق يراوح توصيفه بين التباطؤ الاقتصادي (Economic slowdown) والركود (Recession ؛ الأمر الذي حيّر الكثيرين من الاقتصاديين وأغرى بعضهم بوضع تنبؤاتهم بشأن موعد انفجار الفقاعة وتكرار سيناريو أزمة 2008.

الكتاب: «السقوط المُدوّي… الأسواق الحرة وغرق الاقتصاد العالمي»
المؤلف: جوزيف ستيجليتز ـ المترجم: محمد الصيّاد ـ الناشر: الدار العربية للعلوم ناشرون. بيروت 2021 ـ عدد الصفحات: 533 صفحة

صحافي وكاتب سوري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية