كتاب جديد عن التشكيلي والنحات أحمد عبد الوهاب أحد رواد فن التصوير الضوئي

حجم الخط
0

يرصد مدي تأثير الموالد الشعبية وضجتها علي وعيه الغامض:

القاهرة – “القدس العربي” ـ من محمود قرني: عن المجلس الأعلى للثقافة صدر للفنان التشكيلي والناقد ثروت البحر كتابه عن الفنان التشكيلي احمد عبد الوهاب المولود في السابع والعشرين من حزيران (يونيو) 1932 وأحد الرواد المتقدمين لفن التصوير.

يشير ثروت البحر في البداية الي انه جريا علي عادة الثالوث المصري منذ ايزيس وحورس يكرر الفنان تثليثه الخاص، فالكثير من اعماله نجد فيها ثلاثة وجوه، او ثلاثة مربعات او نقشا يضم ثلاث دوائر. ورغم رصد البحر احداثا جساما مرت بالأمة منذ مولد الفنان احمد عبد الوهاب وحتي الآن إلا انه يقول ان هذه الاحداث الجسام التي مرت علي الفنان لم تدفعه الي الخروج بالشكل بعيدا عمّا يدور بنفسه.

ويرصد ثروت البحر مولد احمد عبد الوهاب في مدينة طنطا غرب القاهرة بحوالي سبعين كيلومترا حيث أمضي طفولته وصباه قبل ان يتنقل للدراسة في كلية الفنون الجميلة بالقاهرة. ويشير المؤلف الي اننا لا يمكننا اغفال ذكر مولد السيد البدوي كأحد المعالم الرئيسية في مدينة طنطا كموضوع من الموضوعات المؤثرة، ويقول: حين تذكر مدينة طنطا فهي في وسط الدلتا تماما وهي محطة تفريع رئيسية وكانت محطة القطار في طنطا تشدنا بعمارتها العربية وضخامتها ايضا بينما كانت تعرف طنطا عادة بذكر السيد البدوي… وغالبا ما يكون رواد مولده ـ كإمام صوفي ـ من الفلاحين البسطاء النازحين من كافة قري الدلتا علي الأعم، ولهذا دلالة تفرق بين النغم في مولد السيد البدوي والنغم في مولد سيدي القناوي في قنا بصعيد مصر، بسبب اختلاف طبيعة البيئة.

ويقصد المؤلف من هذا الطرح حسب قوله ان يشير الي المشاعر الغامضة التي كونت وعي الفنان احمد عبد الوهاب، الذي ابتعد عن هذا الصخب وسافر بعد رحلة مرسم الاقصر والنوبة وبساطة الشكل المصري في المقابر والمعابد والمساكن واشكال الحلي وزخرفة الملابس، سافر الي المنشأ الاول حيث اخناتون، ويعلل ثروت البحر هذا الانسحاب بقوله: هنا اصبح البطل المعلم هو العمل متجسدا في صورة انسان أي في صورة شبيه بالانسان. ويضيف: ان احمد عبد الوهاب حين سافر في صورة انسان زمن اخناتون كان يتجه الي المصدر الرئيسي لفجر الضمير. وحين نطالع تمثال ابن النيل بجناحيه نجد في خطوطه وانسياب عنقه حركة النهر، ويذكر ثروت البحر انه كان في صحبة فنانة المانية تناقش احمد عبد الوهاب في الفن الحديث ففوجئت به يقول لها بقوة اللهجة المصرية احنا ما يهمناش الوقت، اصبري ألف سنة وهتتعلمي التاريخ… أنتم جداد. ويري ثروت البحر ان هذا لم يكن كلاما هازلا بل جادا بصورة حادة علي اساس ان الحياة لا تبدأ بنا او تنتهي بنا فهذا تفكير اقتصادي نفعي يضلل الفنان. ويقول ثروت البحر: ان احمد عبد الوهاب بدأ الرحلة بعد التخرج من المولد ومن الكلية ومن عمارة النوبة ونقوش جدارياتها ومن قرية القرنة، حيث يتحول الانسان الي متحد مع الطبيعة ـ وتلك مواريث قديمة ما زالت تروي خلال الاغاني والأزجال والاشكال، فلم يكن لبشر القدرة علي السيطرة علي النهر، او علي المناخ، كان الأنسب هو التكيف مع قوة الطبيعة او بالأصح الاتحاد معها والامتزاج بها، ويضيف البحر: لسنا هنا بصدد تحليل الأعمال بقدر توسيع محيط الرؤية للفنان بالدرجة الاولي، فنجد تطابق اعمال البدايات بعد مرحلة الدراسة وهي تستلهم الجنوب بنظرة فلكلورية تأسست جذورها في مولد السيد البدوي بطنطا، فنجد ان الطفلة اللاعبة علي المزمار مثل عروسة المولد وقد تزينت بايقاعات زخرفية متماثلة علي شكل خطوط وثقوب كما في شكل وصوت الناي، بينما التصق الشعر بالأذن والتصق المزمار بالفم والذقن والصدر كي يعطي متانة كما النحت الفرعوني، ويلاحظ ان الاعمال الاولي تأتي من مطبخ المولد مع اضافات زخرفية من جداريات الأقصر والنوبة او الجنوب عموما، وتطور هذا النسق حتي استوي في حالته الصوفية الاخناتونية، وتخللت تلك الفترة تأثيرات سكندرية بحر متوسطية. ويضيف ثروت البحر انه سأل احمد عبد الوهاب عن تمثال ابن النيل هل كانت تسميته بعد العمل أم كانت النية تتجه لعمل ذلك، قال انه كان تمثالا لطفل ثم ابن الكاهن ثم ابن النيل، ويري ثروت ان هذا يتفق مع غالبية الاعمال المصورة، حيث نجد ان الوجه يبدأ طفلا محملقا في دهشة ونجابة ثم يخضع لتأثيرات زخرفية طقسية كخطوط عرضية بزاوية ميل الهرم، كمن يتعرض لتجارب روحية او يتعمد او يؤهل كابن الكاهن، ويختتم ثروت كلامه هنا بالقول ان العمل يكتمل حين يتحقق للفنان اتمام توصيل الشحنة للعمل ومن تطابق ذلك مع شكل العمل دون اسراف.

أما تمثال الغزالة فيراه ثروت البحر يعبر عن أنثي تمتلك نجابة وتتوازن الزخارف علي جسمها متطابقة مع وظائفها فتعمل الزخارف عمل التشريح للعضلات سواء علي البطن او أْعلي الساقين في الشكل الدائري الذي يشبه العجلة الدوارة والموحي بقدرتها علي الانطلاق بسرعة خاطفة، ويقول ثروت اننا اذا عكسنا شكل الذيل المرفوع للغزالة لتطابق تماما مع شكل التفريغ في نهاية الرقبة مع جسم الغزالة وعلي نفس المستوي معكوسا، ويؤكد ثروت البحر ان ذلك اضاف قدرا من الرشاقة والاتزان اللذين يعززان وضع العجلتين الزخرفيتين أعلي الساقين وفي نفس الوقت يتطابقان مع حالة الجري وثبا للغزالة.

وعن الرسم عند الفنان احمد عبد الوهاب يقول ثروت البحر: ان هذا الفن له اهمية كبيرة وقيمة رفيعة لدي الفنان لا سيما فعل الايجاز والافصاح عن قدرة الفنان وما وراءه، خطوط يمكنها ان تفصح عن قدرات الفنان وإمكانات الفنان التعبيرية، ورسوخ يده في العمل الفني واذا اخذنا جملة موسيقية واحدة من سيمفونية لأحد الكبار نستطيع ان نقدر من خلالها حجم الموسيقي نفسه، ومن هنا يري ثروت البحر ان الرسم عند النحات له مذاق خاص فهو يتخلص من عبء المادة في الشكل وتواجدها في الفراغ والعناء في متابعتها في العديد من الزوايا وهنا يتحول رسم الفنان المثال الي تلخيص بليغ لا يخلو من الطابع البنائي، لكن الخطوط تقودنا الي المنهج النفسي الذي يختبئ خلف الرسم او الذي يحمله الفنان في وجدانه.

ويقول ثروت عن وجه من وجوه احمد عبد الوهاب: نري هذا الوجه محملقا بانتباه الي الدائرة التي يرفعها بيده، وهنا يصبح المتحدي والتحدي شيئا واحدا، وبينهما يقسم الصورة في المنتصف خلل رمادي طولي يفصل بنعومة بين الدائرة والشخص الناظر اليها ويصنع توازنا بين الكثير من معطيات الصورة، وقد تخرج الفنان احمد عبد الوهاب من قسم النحت بكلية الفنون الجميلة بالقاهرة عام 1957، وحصل علي منحة داخلية بمرسم الأقصر عام 1958، ومنحة لدراسة الخزف بتشيكوسلوفاكيا عام 1959. ثم عين لتدريس فن النحت بكلية الفنون الجميلة بالاسكندرية عام 1960، وحصل علي منحة تفرغ من وزارة الثقافة عام 1962 حتي عام 1964، ومنحة دراسية للنحت بأكاديمية روما ودبلوم اكاديمية الفنون بروما ودبلوم فن الميدالية من دار صك النقود بروما.

وقد شارك في معظم المعارض الجماعية بالقاهرة والاسكندرية منذ عام 1956 واشترك في الجناح المصري في بينالي الاسكندرية في دورات اعوام 1960، 62، 64، 66، 1973، كما شارك في العديد من المعارض الخارجية بينالي فينسيا وبينالي الشباب بفرنسا، ومعرض خاص بأعماله في تشيكوسلوفاكيا عام 1966، كما ان له مقتنيات بادارة التفرغ ومتحف الفن الحديث ومتحف كلية الفنون الجميلة وبعض المجموعات في مصر وخارجها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية