كتاب جديد عن رسام الكاريكاتير رؤوف عياد بعد أربع سنين علي رحيله: غياب واسع للكاريكاتير بعد رحيل معظم رواده!
محمود قرنيكتاب جديد عن رسام الكاريكاتير رؤوف عياد بعد أربع سنين علي رحيله: غياب واسع للكاريكاتير بعد رحيل معظم رواده!أربعة أعوام تمر علي رحيل فنان الكاريكاتير المعروف رؤوف عياد الذي غادر عالمنا عن عمر يناهز الخامسة والستين، وذلك بعد أن أثري حياتنا الصحافية والفنية بالعديد من رسومه التي كادت طليعة شعبية ومثقفة أن تقف الي جانب قضايا الحرية والعدل والمساواة، ولم يكن عياد في ذلك سوي واحد ممن يتظلم عقدا مزيدا من تاريخ فن الكاريكاتير المصري الذي استغرق طويلا في طريق النضوج والتأسي وذلك منذ الفنان طوغان، واللباد، والسلمي، وجمعة، وحاكم، ثم صلاح جاهين ومصطفي حسين، وعدد غفير من الفنانين المرموقين الكبار، الذين استطاعوا أن يتحولوا بهذا الفن من إطار نخبويته الي أطر أكثر شعبية وأكثر اشتباكا مع قضايا الواقع العربي والمصري،والشعبي علي وجه الخصوص، ولا يستطيع أحد أن ينكر قيام فن الكاريكاتير بدور تبشيري ونوعي في خوض القضايا المصيرية للأمة في أحلك أزماتها، وانتصاراتها وهزائمها، وكذلك عاش هذا الفن الأزمات المجتمعية بنفس الطاقة، بداية من أزمات البطالة والغلاء والتزوير السياسي وقمع الحريات والكثير من تلك القضايا الأساسية التي ربطته بالناس، وقد أصدرت دار ميريت للنشر والتوزيع كتابا عن الراحل تحت عنوان عالم رؤوف عياد ويري الكاتب الراحل سيد خميس في مقدمة الكتاب أن المتابع سوف يلاحظ غيابا واضحا للرسوم الكاريكاتيرية المؤثرة التي ظلت ملمحا وعلامة مميزة لتلك الصحافة وخاصة المصرية، علي مدار ثلاثة عقود، ويضيف أنه لا يعني بالرسوم الكاريكاتورية تلك الرسوم والمجلات التي لا تقل رداءة وتخلفا وبؤسا عن تلك الرسوم، ولكنه يعني الرسوم الكاريكاتورية التي عرفها المصريون القدماء وبقي لنا بعض ما سجلوه منها علي جدران معابدهم ومقابرهم منذ آلاف السنين، والتي ظلت تختفي وتتحول لتظهر في أشكال أخري كالرسوم الشعبية والأدب الساخر، والنكتة والأمثال، حتي عادت مع صحافة يعقوب صنوع أبو نضارة في نهاية القرن التاسع عشر، ليتم تمصيرها مع نهاية النصف الأول للقرن العشرين في أعمال صاروخان، رخا، زهدي، طوغان، ولتنطلق انطلاقتها الكبري مع المد التحرري الثوري ومع التطور الصحافي الكبير في الخمسينيات والستينيات التي شهدت عصرها الذهبي فنيا وفكريا وسياسيا، ليصبح تأثير رسامي الكاريكاتير، صلاح جاهين، رجائي ونيس، جورج البهجوري، بهجت عثمان، حجازي، مصطفي حسين، حسن حاكم، صلاح الليثي تأثيرا لا يقل عن تأثير كتابات كبار الكتاب والصحافيين المعاصرين. ويضيف سيد خميس أن هؤلاء كانوا يشاركون برسومهم في صناعة الرأي العام والوعي العام، وتتحول الشخصيات الكاريكاتورية التي أبدعها صلاح جاهين أو بهجت إلي كائنات فنية تكاد تخرج من الورق لتشارك الناس حياتهم الصاخبة، ويقول خميس أنه تكاد بعض تعليقات حجازي الموجزة جدا والمصاحبة لبعض رسومه أن تقول للقاريء ما لا يستطيع قوله مقال كامل.ويضيف: تجذب نداهة الكاريكاتير أسماء أخري مثل محيي الدين اللباد، رؤوف عياد، نبيل السلمي، جمعة، البطراوي، محسن جابر، وتلمع في الصحافة العربية أسماء كبيرة وموهوبة مثل ناجي العلي والسوري علي فرزات واللبناني حبيب، والليبي الزواوي، ويتساءل خميس: أين ذهبت كل هذه المواهب الكبيرة؟ ولماذا لم يفرز هذا الازدهار الكاريكاتوري أجيالا جديدة؟، وهل هناك علاقة بين غياب فن الكاريكاتير الحقيقي وبين انحطاط فنون الكوميديا في السينما والمسرح والتليفزيون؟ أم أن ازدهار هذه الفنون مرتبط بعصور التمرد والرقص ونحن نعيش زمنا لا أجمل ولا أبدع؟أسئلة تتري يطرحها سيد خميس يقول في نهايتها أن رؤية الطبقة السائدة التي تتحكم في مصائرنا، بفظاظتها وغلظتها وعدائها لكل ما هو جيد وحقيقي وموهوب، قد فرضت سيادة ثقافتها الخاصة علي التعليم والثقافة والإعلام، وروجت بما تملك من مال ونفوذ لذوقها العشوائي، فلم يعد متاحا للمواهب الحقيقية في كل المجالات أن تنمو وتزدهر إلا بمعجزات فردية والمعجزات لا تتكرر كثيرا.ويضيف سيد خميس قائلا: لقد غابت المرجعية الفنية والفكرية عن حياتنا الثقافية والإعلامية ونظرة واحدة علي ما تنشره الصحف والمجلات تحت اسم الكاريكاتير كفيلة بملء النفس بالهم والغم، الذي يتطلب أن يقدم مرتكبوه الي المحاكمة بتهمة العدوان علي عيون وذوق القراء ولا أحد من المسؤولين عن الصحف والمجلات يقول لهؤلاء المعتدين: كفي!لأن هؤلاء المسؤولين ليسوا أسعد حالا منهم.ويردف خميس قائلا: لم يبق لنا من زمن الكاريكاتير الجميل إلا القلة القليلة التي يأتي في مقدمتها الفنان المخضرم رؤوف عياد الذي ينشر في هذا الكتاب بعض رسومه.ويصنف أعمال رؤوف عياد تحت المفهوم الذي أرساه في صحافتنا رعيل الموهوبين الكبار من رسامي الكاريكاتير، حيث هو رأي ورؤية، رأي نقدي في الأحداث والوقائع وظواهر الحياة المتعددة التي تعبر عنها رؤية فنية تتجسد في طريقة اللقطة والكادر والشخصية النمطية والتعليق الذي يلعب دورا في خطة التنوير.ويضيف خميس انه رغم ان رؤوف بدأ من مدرسة جاهين وحجازي إلا أنه أسس لنفسه شخصية مستقلة تتجسد في شخصيات رسومه، وفي طريقة رسمهم، وفي اهتماماتهم الأثيرة، الإنسان الهامشي الصغير، ضعيـــف البنية الذي يعوض ضعــــــفه بذكائه ورفضه لكل ما يستحق أن يرفض في السياسة والحياة، الذي تنحصر طموحاته في الستر والمتع البسيطة، والذي قد لا يأبه به الكبار ولكنه يعرف كيف يسخر من سوءاتهم.أما الكاتب محمد الرفاعي الذي كتب المقدمة الثانية للكتاب تحت عنوان أزواج وزوجات رؤوف عياد، من عصر الحريم، لعصر العولمة! ، فيقول ان العلاقة بين الرجل والمرأة، علاقة شائكة منذ بدء الخليقة، أشبه بالبهلوان الذي يتأرجح فوق سلك رفيع، محاذرا السقوط حتي لا تنكسر رقبته، علاقة تبدأ بالحب واللوعة وسهر الليالي، حيث يبدو الطرفان مثل مريض العناية المركزة، لا شيء غير عينين مفتوحتين وابتسامة بلهاء بلا معني، ثم تتحول هذه العلاقة ـ بعد المرور علي المأذون أو عشماوي ـ الي النكد والرذالة، وكان يوم اسود يوم ما شفتك ، ويحصل الزوج علي عدة ألقاب محترمة مثل: الكبة، الرزية، الفالح ابن الفالح كما تحصل الزوجة علي رتبة: أم قويق، والبومة، واللي ما تتسماش، وينتهي الأمر باللجوء الي المحاكم والقضايا، والملاجئ، وتصبح ولا سيرة بني هلال يحكيها الرواة علي المقاهي.ويضيف الرفاعي أن هذه العلاقة ظلت مادة خصبة لرسامي الكاريكاتير الذين رصدوا ملامحها بداية من العصر الحجري، حيث يجر الرجل الذي يقترب من ملامح القردة وفي يده شومة المرأة من شعرها وهي تبدو مسكينة وربما سعيدة علي اعتبار أن ضرب الحبيب زي أكل الزبيب، مرورا بعصر الحريم، والذي تحولت فيه المرأة الي مجرد كتلة سوداء، لا يبدو منها غير عينين خائفتين حذرتين من شوارب سي السيد، دون أن تسمع لها صوتا علي اعتبار أنه عورة.ويقول محمد الرفاعي ان هذه الثنائية الزوجية في شكلها الأحادي تتفجر بريشة رؤوف عياد لتدخل مناطق مفخخة أو تستدعي تلك المناطق بشجاعة ووعي لتضعها في مواجهتنا مباشرة، ولا مفر، انه يسحب ذلك الواقع الذي يعلقنا علي حوائط رد الفعل السلبي علي شخوصه، ليدفعنا الي منطقة الفعل الايجابي، فتلك الشخوص التي تواجهنا، هي نحن في مواجهة الآخرين، شخوص لها ملامحنا، وتعيش نفس ظــــــروفنا، ومن ثم تكتسب مصداقيتها وتعاطفنا معها ليس تعاطفا ظاهريا سلبيا، لكنه تعاطف يمتلك أبجدية الوعي والمعرفة، ومحاولة القدرة علي الفعل، فمثلا التحالف التركي الإسرائيلي يصبح هو نفسه تحالف الزوجة وأمها ضد الزوج والزوج الواقع تحت قهر الزوجة المفترية، يقف رافعا شعار السلام الآن، وزوجة أخري تطالب بترسيم الحدود الدولية بينها وبين زوجها.ويختتم محمد الرفاعي مقدمته عن رؤوف عياد قائلا: ان رؤوف يقف دائما في المقدمة يصرخ فينا قبل أن يجرفنا الطوفان أو قبل أن يأكلنا الجراد القادم من الجهات الأربع، يقف مدافعا عن الإنسان البسيط. انه من النبلاء الحالمين بغد أكثر إنسانية وأكثر احتراما.QMK0