طموحات الدولة الديمقراطية التي ذهبت أدراج الرياح وبيع الفلسطينيين لأراضيهم وَهْمٌ ساذج هدفه الضحك علينا
القاهرة ـ “القدس العربي” من محمود قرني:
أصدرت مؤسسة الرأي الأردنية كتابا جديدا للصحافي المصري الدكتور صلاح عبداللطيف تحت عنوان مأزق السلام في المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية.
تضمن الكتاب مقدمة لرئيس مؤسسة الرأي محمود الكايد، ومقدمة ثانية للمؤلف بالإضافة إلي سبعة فصول هي جذور المشكلة وجذور المفاوضات، 27 عاما من الاحتلال، السلطة الفلسطينية بين التنظيم والدولة، السلطة الفلسطينية وحركتا حماس والجهاد، مفاوضات المرحلة الانتقالية، تحولت في إسرائيل بعد اغتيال رابين، وأخيرا حكومة نتنياهو، ولعبة السلام. يشير المؤلف في مقدمته علي مهمته كموفد لوكالة انباء الشرق الأوسط في مناطق السلطة الفلسطينية بعد توقيعه اتفاق غزة اريحا وهي المهمة التي بدأت في الرابع من ايار (مايو) عام 1994، ويصفها عبداللطيف بأنها الوليد الأول لاتفاق إعلان المبادئ الذي عرف باتفاق أوسلو الذي وقع في واشنطن يوم 13 أيلول (سبتمبر) 1993. يشير عبداللطيف إلي صعوبة المهمة وكيف كانت محيرة له عندما عرضت عليه، ولذلك استشار شخصيات من مختلف الاتجاه بمن في ذلك شخصيات سياسية وحزبية ومن بين هؤلاء الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل الذي نصحه بتنفيذ المهمة، رغم تحفظاته عليها.
يستعرض الكاتب في فصله الأول الجذور التاريخية للجغرافيا والتاريخ الفلسطينيين منذ فجر التاريخ، حتي ظهور الحركة الصهيونية والهجرة اليهودية إلي فلسطين، ثم صدور وعد بلفور عام 1917 ثم الانتداب البريطاني علي فلسطين، وانتفاضة يافا عام 1921 وثورة البراق عام 1929، ثم تصاعد الهجرة اليهودية، ومؤتمر لندن عام 1939، وعصابات الهاغاناه وتقسيم فلسطين وصولا الي نكبة 1948. وفي نهاية فصله يرد المؤلف صلاح عبداللطيف علي سؤال مهم هو: هل باع الفلسطينيون أرضهم؟ ويجيب إن الاتهام باطل وتم ترويجه لبسطاء العقول، حيث تشير المصادر التاريخية ـ حسب المؤلف ـ الي أن أراضي فلسطين اقتطعت لأسر عربية وسورية ولبنانية في عهد الدولة العثمانية، وحين ظهر المد الصهيوني وسنت القوانين البريطانية وجدت هذه الأسر أن فلسطين لم تعد مكانا مناسبا للاستثمار فاضطروا إلي بيعها لليهود مثل أسرة بيهم و سرسق وكانت أسرة سلام قد سبقتهم إلي بيع الأراضي التي منحوا امتيازها لصالح الفلاحين الفلسطينيين الذين قاموا بزراعتها، لكنهم باعوها إلي اليهود وهي مساحة تقدر بنحو 165 ألف دونم حول بحيرة الحولة وتم تشريد خمسة عشر ألف عربي كانوا يعيشون في هذه الأراضي.
وينقل عبداللطيف عن اعترافات رجال الوكالة اليهودية أن تسعة أعشار الأراضي التي اشتراها اليهود حتي عام 1929 اشتريت من ملاك غير فلسطينيين يعيشون خارج فلسطين، وينقل عن الدكتور حاييم وايزمان قوله: مع ضآلة المبالغ فإننا تمكنا في صيف 1920 من شراء الأراضي الأولي في برج ابن عامر وهي أكبر قطعة اشتريناها في ذلك الوقت ومساحتها 80 ألف دونم، ويقدم المؤلف إحصاء بالأراضي التي اشتراها اليهود حتي عام 1948 ولم تكن تتعدي 2 مليون دونم.
أما عن جذور المفاوضات فيقول المؤلف إن الفلسطينيين لم ينضموا إلي مفاوضات الرئيس السادات التي بدأت عام 1977 وكانوا محقين في ذلك ويصف الأمر بأنه كان مجرد مبادرة مصرية فردية لم تكن تعني إلا مصر أولا، ومصر آخرا وكانت الاستجابة الإسرائيلية للمبادرة ـ حسب المؤلف ـ هي الانفراد بمصر في وقت كانت فيه القيادة المصرية مستعدة لتقديم كافة التنازلات. ويشير المؤلف إلي أنه في ظل تفكك العالم العربي وضعفه بعد المبادرة اضطر الفلسطينيون ـ بحذر شديد ـ إلي الاتصال بالإسرائيليين منذ عام 1977 عن طريق عصام سرطاوي الذي كان مكلفا بالاتصال بالقوي الإسرائيلية الداعية للسلام، وعقد بالفعل عدة لقاءات مع عدد من الإسرائيليين، لكنه تعرض لهجوم من جميع الفصائل الفلسطينية واغتيل في برشلونة اثناء انعقاد مؤتمر الدولية الاشتراكية، كما اغتيل غيره ممن سعوا للاتصال بإسرائيل مثل سعيد حمامي مندوب فلسطين في انكلترا وعز الدين القلق مندوبها في فرنسا ونعيم خضر مندوبها في بلجيكا.
ويضيف المؤلف صلاح عبداللطيف إلي أن تلك الاتصالات استندت إلي شعار أطلقه بعض القياديين في فتح عام 1968 وهو الدولة الديمقراطية الفلسطينية التي تضم عربا ويهودا، ويشير المؤلف إلي أن المجلس الوطني الفلسطيني قد اتخذ قرارا عام 1974 بإقامة السلطة الفلسطينية علي أي شبر يتحرر من فلسطين، وعقدت عشرات اللقاءات بين إسرائيليين من مختلف الاتجاهات وبين يهود شرقيين ليكونوا جسرا مع إسرائيل، كما صدرت بعض القرارات التي لا تمنع الالتقاء بالقوي اليهودية المؤيدة للسلام. ويؤكد صلاح عبداللطيف الي انه منذ عام 1983 ظهرت قنوات سرية تسعي لايجاد اتصالات بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية.
ويذكر أنه في 11 آذار (مارس) من العام نفسه قام صلاح خلف أبو اياد بزيارة إلي المجر، وشرح هناك قرارات المجلس الوطني الفلسطيني الخاص باللقاء مع الشخصيات اليهودية وبترتيب مع حكومة المجر.
ثم يناقش المؤلف تاريخ الاحتلال الإسرائيلي منذ عام 1955 مرورا بالانتفاضة الفلسطينية وأساليب إسرائيل في مواجهتها، ثم يتناول السلطة الفلسطينية بين التنظيم والدولة بداية من وصول ياسر عرفات الي غزة برفقة الرئيس المصري حتي معبر رفح ثم استقباله استقبالا شعبيا وتاريخيا في غزة وسط احتفال كبير، ثم تشكيل أول وزارة فلسطينية ضمت 18 وزيرا برئاسة عرفات، ثم يتناول المؤلف أول انتخابات تشريعية تجري في مناطق السلطة وصدور القرار المؤثر بإلغاء المواد الخاصة بتدمير إسرائيل في الميثاق الوطني الفلسطيني لا سيما المواد 9، 10، 12، 20، 21، 22 التي كانت تنص علي أن الصهيونية حركة سياسية مرتبطة ارتباطا عضويا بالامبريالية العالمية ومعادية لجميع حركات التحرر والتقدم في العالم وهي حركة عنصرية تعصبية في تكوينها كذلك إلغاء نص المادة 9 الذي كان يقر الكفاح المسلح كطريق اوحد لتحرير فلسطين، وكذلك المادة 10 التي كانت تعتبر أن العمليات الفدائية هي نواة حرب التحرير الشعبية الفلسطينية.
ويعتبر الفصل الذي قدمه المؤلف عن حركتي حماس والجهاد من أهم فصول الكتاب لأنه يتنبأ بالكثير من التداعيات التي كشفت عنها اللحظة الراهنة، ويشير من البداية الي الأيادي الخفية التي كانت تلعب علي التواترات والتناقضات الفلسطينية الداخلية، لإشعال الحرب الأهلية، وينطلق من حادث مسجد فلسطين الذي وقع في 18 تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1994 حين تم إطلاق الرصاص وقنابل المولوتوف علي الشرطة الفلسطينية التي ردت بإطلاق الرصاص وراح ضحية الحادث ثلاثة عشر قتيلا ومئة وعشرون جريحا ثم تتوالي الأحداث المثيلة، غير أن محمود الزهار وزير الخارجية في حكومة حماس كان يقود التشدد علي الجانب الآخر وكان يصر علي أن جميع المفاوضات يجب أن تتم مع السلطة الفلسطينية وباسمها وليس باسم حركة فتح، ويرصد المؤلف بعد ذلك أول خلاف بين السلطة وحماس عندما أعلن الشيخ عبدالله الشامي أن هناك اتصالات بين رموز السلطة وبعض مسؤولي حركة الجهاد الإسلامي من أجل التوصل إلي تفاهم مشترك وقال إن حركة الجهاد حركة مستقلة وليست ملزمة بما تتفق عليه حماس مع السلطة إلا بما يخدم المصلحة العامة، كذلك يتناول صلاح عبداللطيف استئناف العمليات الانتحارية في ظل الأجواء المتوترة بين السلطة الفلسطينية، والمعارضة الإسلامية، وهي العمليات التي بدأت في منطقة بيت ليد بالقرب من تل أبيب وراح ضحيتها 21 جنديا إسرائيليا وأحد المدنيين، ويصف المؤلف العملية بأنها جريئة للغاية ولم تستهدف مدنيين، وقد قام بها شابان ينتميان إلي حركة الجهاد الإسلامي، هما أنور محمد خليل سكر وصلاح شاكر، الأول يبلغ الرابعة والعشرين والثاني في الحادية والعشرين. ويشير المؤلف إلي الضغوط الرهيبة التي مثلتها هذه العمليات علي صانع القرار الفلسطيني حيث حاصرت إسرائيل قطاع غزة واضطرت السلطة الفلسطينية الي اعتقال العشرات من المعارضة الإسلامية، وعلي اثر ذلك جمدت الولايات المتحدة أموال حركة حماس، والجهاد الإسلامي وذلك ضمن 12 منظمة دولية أخري، ثم توالت أحداث العمليات التي ساعدت علي تصعيد الوضع مع السلطة الفلسطينية، ويقول الكاتب ان العلاقة تدهورت بين السلطة وحماس منذ عام 1995 بعد اجتماع عرفات مع اسحق رابين وأخذ هذا التدهور تجليات مختلفة منها الاعتقالات المستمرة التي تقوم بها أجهزة الأمن الفلسطينية، وفي نفس الوقت لم تتوقف العمليات العسكرية ضد الإسرائيليين، ولجأت كل من حركتي حماس والجهاد إلي إصدار البيانات الملتهبة ضد ما أسمته فساد السلطة الفلسطينية، وباتت حركة حماس تروج لكون الموقف الرسمي الفلسطيني مدفوعا من قبل إسرائيل لتحقيق الفتنة بهدف إشعال حرب أهلية بين منظمة التحرير الفلسطينية والحركات الإسلامية، ويؤكد المؤلف أن إسرائيل كانت تزيد الخلاف اشتعالا متشدد الحصار علي المناطق الفلسطينية، وتصدر بالونات اختبار للتشكيك في قدرة السلطة علي حماية الأمن، ودائما ما كان يردد المسؤولون الإسرائيليون أن الإجراءات التي تتخذها السلطة ضد الإسلاميين غير كافية، ومن ناحيتها فقد صاعدت حركة حماس من عنفها ضد السلطة نفسها بعد أن لقي عشرات الضباط مصرعهم في ظروف غامضة الي أن كشفت الشرطة الفلسطينية عن محاولة لاغتيال ياسر عرفات وذلك بتفجير موكبه في وادي غزة أثناء عودته من القاهرة ويقول المؤلف إن حجم المتفجرات كان سبعين كيلو غراما وذكر ـ علي جانب آخر أن محاولة الاغتيال لم تكن جادة، وإنما قام بها عملاء إسرائيل لإيهام الرئيس عرفات بأنه مستهدف من قبل الجماعة الإسلامية لزيادة إشعال الفتيل وإحداث الاقتتال الداخلي، ويقول المؤلف إن هذه المحاولة أحدثت تهدئة نسبية في النفوس بين السلطة وحماس وأفرجت السلطة عن عدد من المعتقلين، غير أن الواقع يكشف عن استمرار التوتر بين الفصائل المتناحرة الذي انتهي بانقلاب حماس علي السلطة الفلسطينية انقلابا كاملا.
بقي القول ن المؤلف عمل مراسلا لوكالة أنباء الشرق الأوسط في أراضي السلطة الفلسطينية، وعمان والخرطوم وهو حاصل علي الدكتوراه في الإعلام من جامعة القاهرة.
يقع الكتاب في 208 صفحات من القطع المتوسط، وصدر ضمن أعمال سلسلة مطبوعات مكتبة الرأي الأردنية.