محمود قرني
القاهرة ـ القدس العربي: لا يمكننا بحال فصل حال الثقافة المصرية عن واقعها السياسي والاجتماعي، ولا يستقيم الحديث عن غياب المشروع الثقافي دون نقاش عن غياب قرينه النهضوي بالمفهوم العام سواء كان ذلك على مستوى الوعي بالحتميات المستقبلية، أو الوعي بالمأزق الحضاري الراهن الذي تتشكل عبره الهياكل الشبحية المخيفة للحكومات والملكيات الأبوية.
يشمل ذلك تلك الأنظمة التي شاركت بالقسط الأكبر في قيادة حركة التحرر الثوري العالم ثالثي التي وعدت بتغيير العالم ولم تترك في الواقع سوى تركة ثقيلة ورثها عسكريون أغبياء أساؤوا إليها وإلى أنفسهم وإلى حضارتهم وأممهم.
وسوف يكون من المخجل أن نوجه مثل هذه الأسئلة إلى شخص أي وزير ثقافة في العالم العربي مهما كانت الثقافة التي يحتمي خلفها، ولن نغفر لأي منهم العطايا المبذولة لمثقفين هنا وهناك يمتهنون التبوير مهنة، ولا يجدون غضاضة في الدفاع المستبسل عن هذه الصورة الكريهة للسلطة، التي حاول رصدها الروائي والقاص محمد عبد السلام العمري على أكثر من مستوى سواء كان ذلك المتعلق بالعلاقة بين الثقافة والتغيير بمفهومه العام، أو هذا الجانب المتعلق بالأداء الوظيفي الذي يقوم على توصيل وتفعيل العلاقة بين الثقافي من ناحية والسياسي والمجتمعي من ناحية أخرى حول هذه العلاقة الشائكة.
أصدر الروائي محمد عبد السلام العمري ـ كتابًا جديدًا على نفقته الخاصة تحت عنوان ثقافة الهزيمة وبعنوان فرعي داخلي هو حاضر الثقافة المصرية، وفيما يبدو فإن الكتاب يشمل عددًا متباينًا من الدراسات والمقالات التي سبق نشر بعضها للكاتب نفسه.
بعد الإهداء والتقدمة تأتي الدراسة الأولى للعمري تحت عنوان حال ثقافتنا، ويشير في بدايتها إلى أن حاضر ثقافتنا الآن كما يتبدى للمثقف الموضوعي النزيه والمحايد حاضر مؤرق مقلق؛ لأن هذه الثقافة كما تتبدى ثقافة دعاية وإعلام ومهرجانات، ظلام وقهر، أما لُب الثقافة الحقيقية فتغطيه وتعتم عليه هذه القشور البراقة المبهرة، التي تنتهي فعاليتها بانتهاء مناسباتها.
ويتساءل العمري: هل تجتمع هذه الثقافة الآتية حول مشروع قومي يرتضيه المثقفون ويلتفون حوله، ويتحمسون له، ويجسدونه؟ لكنه سرعان ما يجيب بأن هذه الثقافة تؤكد وتجذر القطيعة بين المثقفين، ووطنهم وتقف في جانب السلطة.
وينتقل العمري من علاقة المثقف بالسلطة إلى علاقة الثقافة بالحرية ويقول: تتجسد السلطة لدينا في مؤسسات للضبط والمراقبة، والعقاب، ولا يمكن لأي حديث جاد في الثقافة إلا أن يلتقي في دروبه بقضايا الحرية والقيد.
ويقول العمري: أدت ممارسة هذه الثقافة خصوصا في بعدها السياسي إلى تصدع هائل في الفرد، وفي المجتمع على السواء وقد شغلت هذه الفئة الساحة، وهي نخبة متهالكة طاردة لكل ما يغايرها، فأصبح الإنتاج المعرفي والثقافي واهنا ومهترئاً وتآكلت بذلك المكانة الإقليمية للدولة المصرية، وبدا ذلك واضحا، بدءا من مستوى التعليم المتدهور، حتى لغة الحوار السياسي، الذي يصدر من طرف واحد.
ويردف العمري قائلا: لم يعد في مصر ثقافة، بل صياغة ثقافية قلبت المعايير فهل يستحق المثقف المصري الانتماء إلى مصريته؟ ويجيب: إن البعض يرى أن التدليس والانطباع والخطائر، هي خيانة في المفهوم الشفاهي والشعبي للثقافة، وأن المصرية أكبر بكثير وأرقى من أن ينتمي مثل هؤلاء إليها، وينقل العمري عن الدكتور محمد حافظ دياب أن مصطلح الانحطاط الثقافي يليق بهذا الأوان، وهو الأنسب.
أما الدراسة الثانية التي يقدمها محمد عبد السلام العمري فجاءت تحت عنوان تدمير الثقافة المصرية ويتناول فيها عددا من أوجه التضارب وعدم التعقل ـ حسب وصفه ـ في قرارات وزير الثقافة فاروق حسني، ثم يستعرض ذلك تفصيلا عبر الحوادث البارزة مثل احتفالية نهاية القرن والاحتفال بالحملة الفرنسية ونهب الآثار وقلعة محمد علي، ويتوقف أمام بعض الأحاديث الصحافية للوزير والتي يرصد عبرها الكثير من التضارب والتناقض.
وفي مقال تال بعنوان متناقض بشدة يستعرض العمري مشكلات عدة في قطاع الآثار مثل ترميم الأزهر وتركه فنيا بهذه الخطورة لشركات المقاولات، ويقول العمري قاصدا الوزير: لقد كان يعلم أن هناك أيادي إرهابية عابثة طمست معالم الجامع الأثرية، وبرر هذا أنها تقوم بالترميم بحجة التزيين، والحقيقة التي لم يستطع أن يقولها أن هذه المعالم لا تروق الجماعات الإسلامية التي تعشش في الأزهر، وأننا نعلم أن كل الفنون في مفهومها حرام وقد تغاضى عن هذا العبث.
وأشاد الوزير بما تبقي من المقرنصات والزخارف علي الواجهات، في حين تم محوها في الداخل، الا ان لب الموضوع هو أن بعض الأعمدة والأرضيات باتت مخلخلة بفعل المياه الجوفية، ومياه الصرف، ولا تعرف هل تم تلافي هذه العيوب عندما استولت عليه شركة المقاولين العرب بأمر مباشر من وزير الاسكان أم لا؟ ولماذا صمت وزير الثقافة عن ترميم أهم أثر معماري اسلامي في العالم؟
ويري العمري ان احوال الاثار الاسلامية لا تقل سوءا عن حال الازهر فيوجد مثلا في شارع المعز 87 أثرا اسلاميا اهمها مجموعة قلاوون والمؤيد شيخ وقصر بشتاك والأقمر والحاكم، وبوابة المتولي، وهي كلها اثار معرضة للتدمير، كما يشير ايضا الي احتراق قصر الجوهرة بعد نهب محتوياته وكذلك دار الاوبرا الخديوية التي لا تزال تعاني ـ حسب العمري ـ من الحسرة المريرة، علي ضياعها من ناحية، وعلي قبح وتخلف ما حل محلها وناحية اخري الي الدمار المستمر لكنوز القاهرة الفاطمية علي يد الورش ومعامل الطرشي ومحلات الأدوات المنزلية.
ويعبر العمري عن دهشته من تبرير الوزير لسرقة الاثار حيث ان عدد امناء العهد قليلون وكل واحد منهم يشرف علي آلاف القطع ويجيب العمري علي الوزير بسؤال آخر: هل هذا معقول؟ هذا يفسر كل هذه السرقات، ألا يوجد في مصر اكثر من 4.5 مليون شاب عاطل، معظمهم من المؤهلات العليا وأثريين وفنانين متخصصين، ثم نترك 17 ألف قطعة اثرية في عهدة موظف واحد؟
كذلك ينتقل العمري الي مشكلة ترميم قصر البارون بواسطة وزارة الاسكان ثم قضية الروايات الثلاث التي تفجرت في عام 2001 ويري ان موقف الوزير لم يكن مقبولا علي أي نحو وكان يجب عليه ان يدافع عن المثقفين، وعن حرية الابداع، لكنه صادر الكتب وأحال المسؤولين عن اصدارها للتحقيق وفتش في ضمائرهم اكثر مما يفعل الظلاميون، وأعلن ان الروايات تعد علي الأديان والجنس فيها بورنو.
ويقول العمري ان الهدف مما فعله الوزير هو تقديم نفسه كرجل يحافظ علي تقاليد المجتمع وأديانه، ليس حبا في الدين أو في المجتمع ويعرف انه لا يريد ان يستعدي هذا التيار الظلامي ضده.
ايضا تناول العمري محرقة مسرح قصر ثقافة بني سويف وما انتهت اليه من مقتل اثنين وخمسين من المبدعين والمخرجين والنقاد، وكذلك النهب المنظم والدائم للاثار المصرية، ثم ثقافة القبح والرداءة وعلاقة ذلك بانشاء ما يسمي جهاز التنسيق الحضاري والحداثة بين عمارة القبح وثقافة القهر والسؤال الاساسي للعمري في هذه الدراسة هو كيف يفشل مجتمع به اكثر من 250 مهندسا معماريا ومخططا في الحفاظ علي شخصية مدينة مثل القاهرة؟
ينتهي العمري إلى القول بأن المشكلة الحقيقية الآن هي هذا التآلف العجيب بين القبح والرداءة والعشوائيات، ويرى أن مشكلتي الترييف والعشوائيات من أكبر المشاكل التي تواجه المدنية العربية الحديثة.
كذلك قدم العمري فصلاً من كتابه حول مذابح القصور والفيلات، ويرى أن دوراً كبيراً كان ينعقد على وزارة الثقافة في الحفاظ على هذا التراث. ثم كتب العمري فصلاً آخر تحت عنوان ثقافة الجهل بالكتلة، بالحيز، بالفراغ والميادين المستباحة، ويتناول فيها التماثيل التي توضع في ميادين عامة دون دراسة.
كذلك تضمن الكتاب أيضاً مقالاً تحت عنوان ملاحظات نحو تعريف الثقافة، وهو عنوان كتاب كانت أصدرته مكتبة الأسرة للشاعر الإنجليزي المعروف T. S. Eliot، ويتهم العمري الكتاب بالتطرف ودعم توجهاته التي يناهضها بالأساس مشروع مكتبة الأسرة.
ثم يتناول العمري معرض الكتاب ومجلات وزارة الثقافة ورجال الوزير ومؤتمر الثقافة العربية والإصلاح الذي انعقد في القاهرة قبل أكثر من عامين، ثم تناول الثقافة والتنمية ومشروع السياسة الثقافية، وإعادة صياغة الوجدان المصري، وكذلك تناول المتحف المزمع إنشاؤه في مصر على أن يكون أكبر متحف في العالم.
يقع كتاب العمري في 300 صفحة من القطع المتوسط وأصدره على نفقته الخاصة.