إن وصف المواجهة بين وزير الدفاع ورئيس الأركان في إطار “ارتفاع درجة” يبدو أمراً دارجاً، أما عملياً فإن ما يحصل هو عد تنازلي: ثمة هجوم آخر وفرصة أخرى إلى أن ينفذ رئيس الأركان ما كان ينبغي له أن يحصل منذ زمن بعيد ويضع كتاب الاستقالة.
إن تشكيل لجنة تحقيق رسمية واجب وطني وأخلاقي. كُتبت هذه الأمور هنا مرات لا تحصى. استقالة هاليفي لن تقلل من حقوقه الكثيرة. صحيح أن تعيينه تم في نوع من الاختطاف من قبل الوزير غانتس، لكن هاليفي كان الرجل المناسب في حينه.
في النهاية، الحديث يدور عن رئيس أركان يسجل على اسمه الفشل الأمني الأخطر منذ إقامة دولة إسرائيل، فشل أدخلنا إلى ورطة تتواصل 15 شهراً ويمكن للتداعيات أن تتواصل لسنوات طويلة.
اتخذ هليفي القرار بعدم استدعاء قائد سلاح الجو ورئيس شعبة الاستخبارات (أو أي لينوب عنه) لتقويم الوضع، وهو الذي فضل الإبقاء على المصادر وعدم رفع حالة التأهب في أوساط القوات في فرقة غزة. وكما قال هنا قائد الكتيبة 51، المقدم اوحايون، فإنه “لو كانت لي ساعة لبدا كل شيء مختلفاً”. كما أن هاليفي قرر موعد تقويم الوضع في الثامنة والنصف صباحاً؛ لأن الحدث من ناحيته لم يكن يبرر أن يسري وزير الدفاع ورئيس الوزراء مبكراً.
لكن بسبب الأزمة السياسية وسلوك المستوى السياسي، فإن الكثيرين لا يفهمون: الجيش في الأزمة الأخطر في تاريخه. رغم النجاحات منذئذ في لبنان وفي غزة، هناك قدر واسع من فقدان الثقة بالجهاز الذي لم يقم بالمهمة التي من أجلها أقيم، ولا يقل خطورة عن ذلك: فقدان ثقة القيادة الدنيا بالمستويات العليا، حتى هيئة الأركان.
في حالات حوادث التدريب يقررون أحياناً فتح تحقيق جنائي. بدلاً من أن يكون الطلب في هذا الموضوع واسعاً وجلياً، فإن الشرخ السياسي الذي جلبنا إلى هنا خلق طبقة حماية حول هاليفي ورونين بار ومسؤولين آخرين يتخذون القرارات بدلاً من أن يمروا على كل بيت ويعتذروا.
ولأن الوضع بشع بهذا القدر، تجب الإشارة في هذه المرحلة إلى الأمر المسلم به: نتنياهو وحكومته وكل المستوى السياسي العالي في الـ 15 سنة الأخيرة، مسؤولون عن الكارثة. نتنياهو، الذي تباهى بقدراته وبكونه “مستوى مختلفاً”، لم يخرج نقياً من القرارات الاستراتيجية التي اتخذها: تعزيز حماس على حساب السلطة الفلسطينية، وتصغير الجيش، وإغلاق وحدات، وإعداد عليل لحرب متعددة الجبهات. كما أن رؤساء الأركان لا يقصرون خدمة إلزامية بناء على رأيهم أنفسهم، وميزانية الدفاع التي تقلصت بالنسبة للناتج القومي الخام الذي ارتفع لم يحصل بسبب قرار هيئة الأركان.
ورغم كل شيء، فإن توقعنا من لابسي البزات لا يزال مختلفاً. “مني سترهبون، ونعم ستفعلون”، هذا شعار عليل إذا لم يتصرف رئيس الأركان بموجبه. المعركة الدورية بين كاتس وهاليفي تتراوح بين ساحات مختلفة: الالتماس للعليا المتعلق بالتجنيد، وادعاءات مراقب الدولة ضد الجيش، والتأخير في تسليم التحقيقات الداخلية.
بالنسبة لالتماس العليا، تميز الوزير إسرائيل كاتس غضباً عندما أعلن الجيش بأنه قد يجند كل الحريديم ابتداء من 2026. وجاء الرد من ساحة المراقب والتحقيقات، في شكل كتاب بعث به كاتس إلى وسائل الإعلام وفيه تعليمات للتعاون مع المراقب.
في هذا السياق، انتقاد كاتس مبرر للغاية: كتاب المراقب انجلمان ضد رئيس الأركان خطير للغاية وينضم إلى الأقوال التي كتبت هنا حول تلويث التحقيقات. هكذا، مثلاً، عُرض على هيئة الأركان تحقيق مهم للغاية للواء الشمالي في غزة، الذي جرت في جبهته حفلة نوبا، واختطف منها مجندات المراقبة من “ناحل عوز”، لكن تبين أن التحقيق أجري دون رواية قائد كتيبة 77 الذي كان مسؤولاً عن الخط. لكن الوزير كاتس ليس معفياً من الدوافع الخفية؛ فالبيان عن المراقب كان يمكنه إصداره فور نشر الأمور يوم الإثنين. فلماذا لم يفعل هذا؟ هو يعرف لماذا.
كما أن بيان الناطق بلسان ضد الناطق العسكري كان زائداً. بخلاف الحادثة المتكدرة التي وقف فيها هاجاري ضد المستوى السياسي، فإن من كتب رد وزير الدفاع الحاد كان رئيس الأركان بنفسه. الناطق العسكري ليس جندياً صغيراً، لكن المسؤولية تقع على هاليفي. هنا أيضاً يجدر بالذكر أن هاجاري كان بقعة ضوء في الحرب. عرف كيف يقف أمام الجمهور في أصعب اللحظات التي تلقى فيها نتنياهو والمستوى السياسي إنفلونزا كاميرات.
التحديات الهائلة التي أمامنا تجعل هذه المسألة ضرراً بالأمن، ليس أقل. والطريق لإنهائها يمر في الفهم بأن الدولة أهم من الأنا، وأن التاريخ سيحاكم أولئك الذين يعتقدون أنهم سيتملصون من المسؤولية من خلال مناورات سياسية وحصانة إعلامية. الحقيقة تنبت من الأرض، وفي هذه الحالة ستتفجر أيضاً.
يوسي يهوشع
يديعوت أحرونوت 9/1/2025