إذا كان لكلِّ كتابٍ قصّة، فإنَّ قصَّة هذا الكتاب تعود إلى زمنِ فتوّة مؤلِّفه راشد عيسى، منذ أنْ كان طالباً في مركز تدريب المعلِّمين برام الله في فلسطين شتاء عام 1970، حين احتمى من جنون البرق وزخّات المطر بجدار كنيسةٍ يقيم فيها ويرعاها قِسّيسٌ احتضنه وزميلَه بوقاره المستمدِّ من مجدٍ سماويٍّ. وقد ازداد إشراق وجه القسّيس حين علم باحترافهما فن الشِّعر والقصة، وعلّق قائلاً بكلماته المملوءة بسنابل المحبّة الكونيّة: «الأدب أخٌ للدين في الرَّضاعة». فكرَمُ رفادة القسّيس وجميلُ كلماته هي ما استنبتَ في وعي المؤلف السؤال المركزيّ الذي يقوم عليه كتابه هذا، وهو: «هل من المستطاع أنْ يلعب الأدب شعره ونثره دور الوسيط الجمالي في التخفيف من سعار الكراهية، فيساعد العقائد الدينية على احترام الاختلاف وتحقيق قسط أعلى من الوئام الإنساني والتسامح والتعايش الحضاري؟».
وقد زاوج المؤلِّف في أبواب الكتاب الثلاثة بين المنهج التاريخي الاجتماعي، والمنهج الأسلوبي، مقرونين باجتهادات التحليل الجمالي للنماذج الشعرية والنثرية المستقرَأة لأدباء عالميين عظامٍ جمعتهم شراكة محبّة الإنسانية، فتجلّت في أعمالهم ثقافة الوئام الديني، ونأوا بأنفسهم عن ظلاميات التحاقد والتعصّب.

في استهلال الكتاب الذي يعقب مقدِّمته، تتنابتْ سوانح خواطر المؤلِّف وتتلامع منارات ومواقف حياتية تشكّل تجربةً وئاميةً فطريةَّ تقادحت أنساغها في طراوة العمر، يستدعيها راشد عيسى من مخابئها في ذاكرته الطفولية، ليؤشِّر على نزعته الخالصة في الهروب من عبودية المكان والزمان والإيديولوجيات المحنَّطَة والمُبَسْتَرة، لأنَّ الحريّة طائر يعيش في السَّماء، ومن الرُّشد أنْ تعيش الإنسانية على الأرض خارج الإكراهات العقائدية، لأنّ الاجتماع الإنساني على الأرض غايته التعارف بين الأمم والشعوب والقبائل، وليس التّناكر والتَّنابذ.
ينتظمُ البابُ الأوّل في ثلاثة فصول تُعدُّ بمثابة تأمّلات معرفيّة ومداخل تأسيسيّة يحاور فيها المؤلّفُ المفاهيمَ التي تنبثُّ في الفضاء الإعلاميِّ العالمي، وبخاصة مفاهيم التعايش والوئام والتسامح، والخصوصية المذهبيّة والإثنية والطائفيّة، وتأثيراتها في انسحار مجموعة من الأدباء العالميين بالشّرق. وفي الآن ذاته يضيء على تاريخ الحوار بين الأديان ومساراته الزمانية منذ قدوم وفد نجران على النبيِّ العربيّ محمد عليه السلام حتى آخر لقاء بين شيخ الأزهر وبابا الفاتيكان، والعقابيل التي تحول دون قطاف ثمراته على نحو إيجابيّ، «فالجدل القائم بين الحضاري والديني قد اختلط إلى حدّ الالتباس والتميّع، لسيادة وهْمِ الخوف ووهم الأفضلية الدينية والعِرقية والثقافية» وفقاً لمرئيات المؤلِّف الذي أعاد أسبابها إلى مطامح الاقتصاد ومكائد السياسة الاستعمارية، ليختم بـ «تعايش الأديان وإشكالية الحوار المباشر» في الفصل الأول بسؤال يحمل على أجنحة القول أملاً: «هل يستطيع الأدب أن يفعل شيئاً ما يخفِّف من حمّى العداء للحريّة الإيمانية؟».
بهذا السؤال ينفتح باب الكلام في الفصل الثاني على «تجلّيات التلاقي بين الأدب والدين». وأبرز هذه التجليات كما يعرضها الكتاب هي وحدة الهدف في رسالة كلٍّ من الأدب والدين، بكونهما يطهِّران المرء من القلق وينشران الرضا في منازل الروح «فيلتقيان بالمنبع الروحاني والنتائج النفسية» الذاتية، فالصلة بين الدين والشعر مغرقة في القِدَم. ولا تمرُّ هذه الحقائق في هذا السِّفر دون البرهنة على منعرجاتها ومقاربة التفاصيل من خلال الشواهد النّصّية على فعالية كلٍّ من الدين والأدب وتعالقهما في منابع الرؤيا، فالفصل ثريٌّ بالدلالات والرؤيويات التي يعتنقها سَدَنة الأدب العالمي على اختلاف دياناتهم وعقائدهم ومذاهبهم، حتى لتبدو العبارة التي يحكيها نيتشة ولامارتين وشكسبير وغوته هي ذاتها التي يحكيها الخيام والسهروردي وابن عربي وطاغور. فاختلاف شخوص المتكلِّمين لا يلغي وحدة منطق القول، يستوي في هذا الشعراء والناثرون، فالمثاقفة الحضارية بين أبناء الجنس البشري في مختلف الحضارات جعلتهم على صعيد إيمانيّ واحد وهم يَحجّون إلى كعبة الفنّ والجمال، وهو ما بنى «جسور القيم الفكرية العالمية في الأدب».
وهذه الجسور القيميّة هي ما يدور في فلكه الفصل الثالث. فما السلبيُّ وما الإيجابيُّ في نوايا المتثاقفين في الأدبيات الكونية؟ وما تأثيرات الحرب الثقافية الباردة؟ هنا لا يعدم المؤلّف التفاؤل «بقدرة الأدب ومناقلات الثقافة على التخفيف من آلام الهيمنة الاستعمارية، فالأمر يحتاج إلى وقت طويل ربما من المستطاع فيه أن تتضاعف انتباهات الشعوب إلى ضرورة السير المثابر في مشروع المواطنة الكونية التي يكون فيها الأدب والفن والحب والرياضة والتبادل الاقتصادي العادل عوامل إخاء وتسامح وطمأنينة لممارسة الحياة الكريمة والانتصار لإنسانية الإنسان وليس لأطماع الساسة وتجار الحروب وسماسرة الأديان».
في هذا السياق المعرفي لجدلية الديني والسياسي والأدبي يدير المؤلف مقاربات ذات تماس بين الدين والفلسفة من حيث أوجه التشابه بينهما أو مظاهر الاختلاف. وفي هذا المعراج المعرفي يلتقي القارئ مع مقولات لفلاسفة غربيين وعرب وأعاجم تؤكّد التواشج بين هذين العنصرين؛ الدين والفلسفة، وربطهم بين المقدَّس الغيبي والتصوّف الوجودي والشعر لتأكيد أنَّ المحبَّة جوهر الحياة، وأنَّ وردة الأمل كافية لإنعاش الروح وإنقاذها من مناجل الكراهية.
ولا يقف الكتاب عند التأصيلات النظريَّة للوئام الديني، بل يمارس المؤلِّف حفرياته في التمثيل بالمقاربات التطبيقية لإحداثيات التعايش الديني في شعر الشرقيين والغربيين وآدابهم، وانتصار الشعراء للحرية الإيمانية، كما تراءت للحلّاج والخيّام وابن عربي وجلال الدين الرومي. وعند هذا الأخير توقَّف المؤلِّف مليّاً باسطاً رؤاه وتجلياته النقدية الجمالية في أعمال الرومي بوصفه النموذج الجامع للفكر الشرقي النابض بحدوس اليقين الإيماني الخارج على أقانيم العصبيات بمختلف أشكالها حتى إنه امتدّ بتأثيراته في كثير من الأدباء والمفكرين الغربيين الذين تناصّوا مع رؤاه في المحبة الكونية، والتعالي على كبرياء الأعراق والأجناس.
وفي هذا الفصل ثمة نصيب موفور للهنديَّة ساروجيني نايدو (1879- 1949) التي ارتبط اسمها بغاندي ونهرو، فتجلَّت صوفيَّتها الشفّافة النابعة من روحها الهندية الشعبية التي تجمع بين جغرافيا الروح وجغرافيا الطبيعة المتنوّعة في مظاهرها، فوحدتها في أقنوم واحد عنوانه الأكبر «الوئام الديني» الذي استدخلت فيه بشعرها منظومة الروح الإسلامية، حتى غدت هذه الروح محلّقة في لحظات عِرفانية تؤكّد التسامح في بلد متعدد الأعراق والديانات.
ومثلما تحقَّقت الدعوة للوئام الديني في مذاهب الشعراء الأقدمين، تتنامى هذه الدعوة في مدّيات الشعراء المعاصرين في الشرق، فيأخذ أحمد شوقي محّله من الدرس والتحليل البصير، من خلال الانعطاف بالإشارة إلى رثائيات شوقي وحافظ والزهاوي لتولستوي، وتأكيد قصائدهم الشعرية على التآخي الثقافي الإنساني وصلة القربى الروحية في الفن بعيداً عن عماءات التعصّب الديني.
والصورة الموازية في مرآة الوئام الديني تجلّت في تسليط الكتابِ الضوءَ على إمكانية تعايش الدين والأدب في الأدب الغربي كما تجلى في أعمال غوته، وكما تناغم الدين الإسلامي في الثقافة الروسية. وفي خاتمة القول يفصل المؤّلف القواسم المشتركة بين صُنّاع المحبَّة الكونية.
ولكي تكتمل دائرة الرؤيا يخصّص المؤلف الباب الثالث لرؤيويات تجلّي الوئام الديني في النثر، فيكشف عن انسجام الدين والأدب في السرديات القديمة والحديثة، وفي الرواية المعاصرة، ونموذجها رواية «موت صغير» لمحمد حسن علوان، التي استنطق فيها تجربة ابن عربي. وكذلك رواية ناظم حكمت «الحياة جميلة يا صاحبي» التي استدخل فيها مؤلِّفها تجربة جلال الدين الرومي. ورواية «في حضرة جلال الدين الرومي» لإسحق يعقوب، و»قواعد العشق الأربعون» لإليف شافاق، وعدد آخر من الروايات العالمية، التي تؤكّد جميعها أنّ سبل الخلاص تكمن في ثقافة الحوار والانفتاح والمصالحة والاتحاد في مواجهة ثقافة الانغلاق والعزلة والانقسام.
وينعقد الحديث في الفصل الثالث والأخير على أثر المؤسسات الثقافية العربية في نشر ثقافة التعايش الديني، مع نماذج ممثلة لها في دولة الكويت، وفي الأردن، ليختم المؤلف كتابه بتوصية تشبه الحلم، فيقترح عدداً من الأمنيات التي يرجو لها التحقق لإنقاذ البشرية مما هي فيه من وحشية وتيه وجنون إذا ركنت إلى جدار مكين من الوئام والتسامح والتعايش.
راشد عيسى: «الوئام الديني في الأدب»
دار خطوط وظلال، عمّان 2020
300 صفحة.