القاهرة ـ «القدس العربي»: بعد أن استيقظ المصريون من غفلتهم، وبعد أن أمضوا إجازة العيد، انتبهوا للحقيقة المؤلمة، إذ لا حرب مقبلة، في المواجهة المحتدمة مع إثيوبيا، بل المزيد من إهدار الوقت في مفاوضات عبثية، باتت خلالها إثيوبيا تمتلك أوراق اللعبة وملء شروطها. في صحف يومي السبت والأحد 24 و25 يوليو/تموز تبلغ المأساة ذروتها، حينما يقفز كتاب للأمام ليسقطوا في الخندق الإثيوبي، من غير أن يقدروا عواقب صنيعهم، إذ انطلقت أصوات نشاز داعية للتسليم بالحق الإثيوبي والرضا بالفتات، وتدبير احتياجاتنا من الماء بعيدا عن النيل، الذي غدا على ما يبدو ووفقا لشهادات عدد من المراقبين في أديس أبابا نهرا إثيوبيا خالصا.
أما الاهتمام الأبرز في الصحف المصرية فكان حول التغيير الوزاري المرتقب، إذ كشفت مصادر أن رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي، أجرى عدة اتصالات ومشاورات خلال إجازة عيد الأضحى المبارك، لإنهاء التعديل الوزاري المرتقب، ومن المتوقع إجراء حركة تعديل وزاري كبيرة يشمل ما بين 12 إلى 14 حقيبة، بينها حقيبة سيادية مهمه اعتذر صاحبها لأسباب صحية، ومع أنه ينال رضا القيادة والشارع معا. التغيير من المقرر أن يشمل التموين والتنمية المحلية والتعليم العالي والآثار والبيئة والتضامن والسياحة والتعاون الدولي وقطاع الأعمال وشؤون مجلس النواب، كما يشمل التعديل وفقا لـ”المشهد”عودة حقيبة الدوله للإعلام والمرشح لها بقوه الكاتب كرم جبر رئيس المجلس الأعلى للإعلام، ووفقا لمصادر، من المتوقع أن يشمل التغيير 17 محافظا على الأقل من بينهم محافظو العاصمة الأولى والثانية والثالثة، بالإضافة إلى 7 محافظات في الصعيد و2 محافظ في قطاع القناة و5 محافظين على الأقل في قطاع الدلتا. المصادر أشارت إلى اتجاه الحكومة لتصعيد ما بين 3 إلى 4 نواب محافظين لمنصب محافظ، منهم اثنان من تنسيقية الأحزاب.
ومن تصريحات أمس الأحد: قال الشيخ خالد الجندي عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، تعليقا على قرار الرئيس عبدالفتاح السيسي، بتطوير أضرحة آل البيت والأولياء: “من أجمل الأخبار، من ضمن الإصلاحات التي لا تعد ولا تحصى، وهو أمر مهم بالنسبة لمن يحترمون ويوقرون آل بيت سيدنا النبي محمد صلى الله عليه وسلم”. وتابع الجندي: “هذا القرار يدل على اهتمام أولا بالبعد الروحي، لفئة من الناس، ولا أحد يزايد علينا في حب آل بيت سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا دليل على احترام الرئيس عبدالفتاح السيسي للقيم الدينية”.
حول رقبتنا
المنهج المصري في التعامل مع وصول مياه نهر النيل بالكمية الكافية إلى مصر لا يقتصر على التفاوض بشأن سد النهضة، وإعلان المبادئ الثلاثي الصادر في الخرطوم في سنة 2015، بل هو يمتد كما يرى الدكتور إبراهيم عوض في “الشروق” إلى ما يخص حوكمة نهر النيل برمته، وكذلك إلى القواعد الحاكمة للاستخدامات غير الملاحية للأنهار الدولية بشكل عام. نتناول بالتحليل هذه العناصر على التوالي ثم نتصدّى لكيفية التعامل من الآن فصاعدا مع الموقف الإثيوبي، وهو تعامل تدعو بعض الأقلام والأصوات إلى أن يكون عسكريا. اشتراك مصر في اعتماد إعلان المبادئ في محله: إعلان المبادئ يقرّ بحق إثيوبيا في التنمية، وهذا في حد ذاته عظيم الأهمية، ليس فقط بالنسبة للعلاقات المصرية ــ الإثيوبية، بل كذلك لوضع مصر في شرق القارة الافريقية، حيث يتردد، بين الفينة والأخرى، أن مصر لا تعنيها إلا مصلحتها، وأن تنمية دول القارة وانتشالها من التخلف لا يهمانها. شرق القارة بل القارة الافريقية كلها هي البيئة المحيطة التي تندرج في إطارها علاقات مصر بإثيوبيا. نقطتان يأخذهما البعض على إعلان المبادئ. الأولى هي أنه لم يذكر الحقوق التاريخية لمصر المستندة إلى اتفاقيتي سنة 1929 و1959 التي لم تكن إثيوبيا طرفا في أي منهما. الاستناد إلى هاتين الاتفاقيتين بالذات هو ما تأخذه ليس إثيوبيا فقط بل أغلب دول حوض النيل على مصر. الحقوق التاريخية معالجة بشكل آخر في إعلان المبادئ، وفى مواقف مصر في المفاوضات بما في ذلك في كلمة وزير الخارجية أمام مجلس الأمن. في الإعلان ثلاثة مبادئ على الأقل لا يمكن تفسير وجودها فيه، إلا إن كان هناك اعتراف بالحقوق التاريخية كما يثبتها انسياب مياه النيل منذ فجر التاريخ إلى مصر.
فلنتعلم من الأتراك
رأى الدكتور محمود عوض، أن مصر خاضت عملية التفاوض برغبة جادة للوصول إلى اتفاق، ولكن ثمة ملحوظتين الأولى هي أن ممثلي مصر دخلوا مراحل المفاوضات المتتالية بأوراق غير كافية، ودول المنبع في وضع قوي في أي عملية للتفاوض مع دول المصب، حول إدارة الموارد المائية لنهر دولي، والمثال على ذلك قوة تركيا في شأن نهر الفرات. منذ عشرات السنين كان ينبغي أن ينصب جانب كبير من التحرك الافريقي والدولي لمصر على إنشاء شبكة من المصالح المشتركة الاقتصادية والفنية والاجتماعية والسياسية، مع دول حوض النيل، وعلى رأسها إثيوبيا، تستفيد منها كل هذه الدول، وكذلك مصر، ويجعل امتناع إثيوبيا عن الاتفاق مع مصر بشأن نهر النيل باهظ التكلفة عليها. الملحوظة الثانية هي تساؤل: هل أفضل استراتيجية للتفاوض هي أن تقول إن موضوع هذا التفاوض يتعلق بوجودك نفسه من عدمه، وإنه مسألة حياة أو موت بالنسبة إليك؟ ألا تتركك هذه الاستراتيجية وظهرك للحائط، وألا تمنح هذه الاستراتيجية الطرف المقابل قوة عليك إذ يدرك أن المساحة التي تتحرك فيها صارت ضيقة للغاية؟ بشأن مياه النيل عامة، هذه الاستراتيجية ليست جديدة وهي ترجع إلى فترة حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، أما عن إضافة العمل العسكري إلى المنهج المصري، من الان فصاعدا، باعتباره حلا أو محركا لمفاوضات جادة تفضي إلى اتفاقية ملزمة بشأن ملء خزان السدّ وتشغيله، فينبغي استبعاده تماما. العمل العسكري، أو التهديد به، سيجعل معظم افريقيا إن لم يكن كلها تقف في وجهنا. الأقاليم هي مصدر لقوة الدول متوسطة القوة، فهل تريد مصر، بدلا من أن تنمّى قوتها المستمدة من افريقيا، أن تحرم نفسها تماما منها؟ أول نتيجة لاستخدام القوة العسكرية هي أنه سيكون على مصر أن تسقط من حساباتها تماما التطلع إلى شغل مقعد دائم عن القارة في مجلس الأمن في حالة التوصل إلى تعديل ميثاق الأمم المتحدة. خيار الحرب يستدعى عملا عسكريا ممتدا واحتلالا لمنطقة السد يقايض الجلاء عنها بالاتفاقية التي تبغيها مصر، ما سيزيد مواجهة القارة لنا فمن الذي سيسمح به؟
جبر الخواطر
دعا عماد الدين حسين في “الشروق” وسائل الإعلام المصرية، وهي تجري حوارات مع مسؤولين دوليين بشأن قضية سد النهضة، أن تراعي الدقة الشديدة والنقل الأمين والكامل للإجابات، وأن تضعها في سياقها الصحيح، حتى لا تتسبب في إرباك الرأس المصري والصعود به إلى واقع متخيل. لا يخفى على أحد أن بعض المسؤولين الدوليين مدرب جيدا على أن يقول كلاما طيبا في حق مصر، إذا كان يجري حوارا مع أي فضائية مصرية، لكنه إذا أجرى الحوار نفسه مع فضائية إثيوبية مثلا، فإنه سيقول كلاما طيبا أيضا في حق إثيوبيا. نعلم جميعا أن المواقف الفعلية للدول خصوصا الكبرى، في القضايا العالمية المهمة مثل سد النهضة تصدر في بيانات رسمية من وزارة الخارجية، أو على لسان رئيس الدولة، أو رئيس الوزراء. أيضا الكثير من المسؤولين الأوروبيين يتحدثون لوسائل إعلامية مصرية، ويقولون كلاما يساند الموقف المصري، لكن لم نر ترجمة لذلك في مجلس الأمن في جلسته الأخيرة. قبل أسابيع أيضا تحدث مسؤول عسكري أمريكي لقناة مصرية، وقال كلاما رآه الكثيرون غريبا في سياقه، لأنه تحدث وكأنه مسؤول في وزارة الري أو الخارجية المصرية، وقال كلاما شديدا ضد إثيوبيا، حتى لو كان الكلام صحيحا والنقل دقيقا، فإنه يحتاج إلى ترجمة على أرض الواقع في مواقف عملية. المتحدثون الدوليون في مثل هذه القضايا لا يقطعون رأيا، بمعنى أن أي مسؤول أمريكي أو أوروبي أو روسي أو صيني إذا تحدث مع فضائية مصرية، فإنه دائما ما يؤكد على ضرورة عدم اللجوء إلى الإجراءات الأحادية، وضرورة التوصل إلى اتفاق قانوني بين الأطراف. هذا الكلام يرضي مصر كثيرا، لكنه أيضا يضع عبارة حاكمة دائما تقول: «لكننا نؤيد التفاوض بين الأطراف والأفضل أن يكون ذلك في إطار الاتحاد الافريقي». مثل هذه العبارة الاستدراكية تنسف كل ما يقوله، لأنها تتماشى مع المنهج الإثيوبي الرامي إلى استهلاك الوقت.
صديق غدار
الأمر المثير للجدل وفقا لسناء السعيد في “الوفد” يتعلق بالموقف الذي تبنته روسيا إزاء أزمة السد، حيث تبنت روسيا الرؤية الإثيوبية، عندما أوصت باستكمال المفاوضات بين الدول الثلاث تحت مظلة الاتحاد الافريقي. الأمر الذي جاء صادما، وحدا بالكثيرين إلى أن يتساءلوا عن السبب الذي دفع روسيا إلى الالتحام بالموقف الإثيوبي، بل لقد خرجت روسيا عبر كلمة مندوبها في مجلس الأمن لتتحدث عن الأهمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية لمشروع السد في توفير المياه للملايين الذين يعيشون في إثيوبيا، التي تعاني من انقطاع الكهرباء، وطالب المندوب الروسي بحل النزاع عبر السبل السياسية وبمشاركة الدول الثلاث، وأن يجرى في إطار روح ومحتوى اتفاق إعلان الخرطوم الموقع في مارس/آذار 2015، وانبرى يتحدث عن أن التهديد باستخدام القوة أمر يجب منعه وتفاديه لأنه لا يؤدي إلى حل متفاوض عليه. وهكذا ظهرت روسيا وكأنها تتخلى عن مصر، ففي أعقاب خطاب مندوبها في مجلس الأمن قامت بتوقيع اتفاقية تعاون عسكري مع إثيوبيا الأمر الذي طرح المزيد من التساؤلات حول التحالف بين روسيا وإثيوبيا، ودور موسكو في دعم إثيوبيا دوليا، سواء في ملف السد أو في صراعها مع إقليم تيغراي. وهكذا بدا وكأن روسيا قد انحازت كلية انحيازا فجّا ضد المصالح المصرية الاقتصادية والعسكرية والعلاقات المتنامية بين الدولتين.
باعنا الروس
واصلت سناء السعيد هجومها على روسيا: ازدادت التحاما بإثيوبيا عندما انتقدت تصريحات الرئيس السيسي من أن مصر لن تفرط في حقها في المياه، وستتخذ كل الوسائل الممكنة للحفاظ عليها. الأمر الذي جاء صادما وحدا بالكثيرين إلى أن يتساءلوا عن السبب الذي دفع روسيا إلى الالتحام بالموقف الإثيوبي إلى هذه الدرجة؟ ليكون الجواب هو مصالحها الذاتية لاسيما وأنها ما زالت تنظر بعين الشك للسياسة المصرية، ولا يغيب عنها طرد الخبراء الروس في عهد الرئيس السادات، ودعم مصر للجهاد الأفغاني ضد الوجود السوفييتي، ودعم مصر للصومال في حرب أوغادين عام 77، وما يقال عن تسليم مصر أسلحة روسية متطورة إلى الطرف الأمريكي للكشف عن نقاط ضعفها، فضلا عن أن لروسيا مصالح كبيرة في منطقة القرن الافريقي، وتربطها علاقات وطيدة بأديس أبابا منذ الاتحاد السوفييتي. كما أن روسيا تمارس الضغط من أجل الحصول على مصالح في المنطقة يتصدرها إنشاء قواعد عسكرية روسية على البحر الأحمر. وعليه فإن علامات الاستفهام تتبدد، بعد أن تأكد مسعى روسيا الدؤوب لتحقيق مصالحها، فالمصلحة تجب كل شىء.
ثمن الحياة
النقطة الواحدة من ماء النيل لم تكن تقل خطرا من وجهة النظر المصرية عن قيام إثيوبيا بتعبئة مليارات من الأمتار المكعبة وراء سد النهضة، كذلك كنا نتحدث، وقد تعدت إثيوبيا علينا وأعلنت إتمام الملء الثاني. وواصل الدكتور محمود خليل في “الوطن” كاامه قائلا، خبراء المياه في مصر يقولون إن إثيوبيا فشلت في الملء الثاني، لأنها لم تحجز الكمية التي أعلنت عنها مسبقا حبسها خلال شهري يوليو/تموز وأغسطس/آب 2021، وينسون أننا كنا نتحدث عن أن حجز نقطة واحدة من حصتنا يعني تعديا علينا. إنهم أشبه بموظفي القطاع الخاص، الذين تم تنزيل مرتباتهم السخية، لكنهم اضطروا إلى قبولها، واعتبروا ما حدث وضعا أفضل من استبعادهم الكامل من العمل، وهم بالبداهة لا يدركون أن الاستبعاد في مثل هذه الأحوال يسبقه التنزيل. أبي أحمد رئيس وزراء إثيوبيا خرج يهنئ دولتي المصب بإتمام الملء الثاني، بدون الإضرار بشعبيهما، ولست أدري كيف يفهم هذا الرجل معنى الضرر، فكل مليار تم حجزه خلال هذه المرحلة هو من حق مصر والمصريين. أمام هذه التهنئة خرج بعض المسؤولين في السودان فزعقوا زعقتين ثم سكتوا بعدها كما هو معتاد، في حين صمتت مصر ولم تعلق. منذ الإعلان عن إتمام الملء الثاني ومصر صامتة لا تعلق. خبراء المياه هم الذين يعلقون.
الموت قادم
خبراؤنا كالعادة يرددون كما أوضح الدكتور محمود خليل، أن على إثيوبيا أن تعود إلى التفاوض من أجل الوصول إلى اتفاق ملزم.. عادوا إلى الطرح القديم ذاته، الذي سبق عملية الملء الثاني، رغم أن شواهد عديدة على الأرض تقول إن الموقف اختلف شكلا وموضوعا، وإن ما بعد الملء غير ما قبله. لم تعلق إثيوبيا على حديث العودة للمفاوضات بالقبول أو بالرفض، مصر والسودان فقط هما من يطالبان به، وهو طلب تدعمه بعض الدول الكبرى، لكنها تؤكد كالعادة أن يتم استئناف المفاوضات تحت مظلة الاتحاد الافريقي. تابع الكاتب: لست أدري هل يتذكر خبراؤنا ما تردد على ألسنة مسؤولين إثيوبيين قبل الشروع في الملء الثاني للسد أم لا؟ بعض هؤلاء المسؤولين تحدثوا عن أنه ما دامت مصر والسودان تتحدثان عن الحصص التاريخية، فلا بد أن يكون على أجندة أي مفاوضات مقبلة موضوع الحصص التي ستخصص لكل دولة من دول الحوض – على أساس جديد طبعا، وبعيدا عن الاتفاقيات التاريخية – على أن تتم دعوة كل دول الحوض بالطبع لحضور هذه المفاوضات. طبيعى جدا أن تتحدث إثيوبيا على هذا النحو، بعد أن فرضت واقعا جديدا على الأرض، كنت أتوقع أن يتوازى معه طرح مختلف من جانب كل من مصر والسودان، لكن ذلك لم يحدث، فما زال الحديث جاريا عن العودة إلى المفاوضات.. ولست أدري كيف سيكون موقفنا من فكرة التفاوض على حصتنا التاريخية؟ تكرار الحديث عن أن عدم تمكن إثيوبيا من حجز كمية المياه المستهدفة من الملء الثاني يمثل نصرا من الله وفتحا مبينا مسألة تثير القلق، كما أن الدعوة للعودة إلى المفاوضات من جديد تعني القبول بخسائر أكبر.
احذروا الضحايا
بطبيعة الحال، والكلام لمحمد حسن الألفي في “مصراوي” فإن هناك خيطا رفيعا بين اتهام شخص بأنه إخواني، أو أنه ناقد أو ناقم أو معارض.. ونتمنى ألا يكون التوسع في الاشتباه، إجراء إداريا انتقاميا مؤسسا على غلٍ شخصي، مرتبطٍ بعلاقات العمل ومشاحناته، وما أكثرها. من أجل هذا نهيب بأن يتدارك المشرع هذه النقطة، بضرورة شمول التحقيق مدى الكيدية من عدمها، ومعاقبة الشخص الذي يتهم الموظف ظلما، وكيدا بالعقوبة ذاتها، أو أشد. ما شرعه البرلمان المصري، بفصل الموظف الإخواني من العمل ليس اجتثاث الإخوانية، بل معاقبة أحد مظاهر وجودها، وما دام هذا الملف قد فتح، فالأحرى بنا أن يكون الإجراء التشريعي شاملا وجذريا؛ لإنهاء الفكرة من جذورها، كما فعل الحلفاء بعد الانتصار على ألمانيا النازية، وقتها صدرت قوانين اجتثاث النازية، والغريب أنه حتى بعد مرور 70عاما على سقوط العقيدة النازية، الاشتراكية الوطنية، فإن ألمانيا ميركل لا تزال تواجه قوانين صدرت في العهد الهتلري، بل تواجه ما يسمى بالنازيين الجدد.
محنة إيمان
من أشرس معارك الصحف هجوم قاده حمدي رزق في “المصري اليوم” ضد مطرب شهير: لم أحفل بما يهرف به المطرب إيمان البحر درويش سياسيا في الآونة الأخيرة، ويصب مباشرة في قناة الجماعة الإرهابية، وتحتفي بمقولاته قنواتها التركية، في محاولة بائسة يائسة لتصنيع «معارض شرس» من الوسط الفني بعد فشل تجارب تصنيع عديدة سابقة، مثل «عرائس الماريونيت» تكاثرت سرطانيا، «الدمى المتحركة» عبارة على مجسمات اصطناعية يتحكم في حركاتها شخص، إما بيده أو بخيوط أو أسلاك أو عصي، وتتقمص هذه الدمى أدوارا في مسرحيات تعرف باسم «عروض العرائس»، ويسمى الشخص الذي يقوم بتحريك الدمى «محرك الدمى»، هناك من يحرك الدمى من الخارج. معلوم عرائس الماريونيت لا تصمد طويلا لأنها ميديوكر Mediocre، غير حقيقية، ولا متحققة، لا أصلية، تلعب دورا هامشيا في فيلم هابط. ولم أهتم حقيقة بما يتقول به إيمان البحر درويش، لا أعرفه سياسيا قط، ولا صاحب موقف قبلا، وكل منجزه إعادة عصرية لأغانى جده العظيم، فحسب صورة باهتة من أصل أبيض وأسود، واستنفد جُلّ سنوات عمره في محاولة احْتِكار تراث جده.
عادي وحصل
أكد حمدي رزق أننا تقبلنا هجوم إيمان البحر درويش، على السياسات الحكومية في قضية السد الإثيوبي، وتطرفه في النقد إلى حدود السب العلني المباشر، عادي وحصل من بعض «المؤلفة قلوبهم» إخوانيا، ولكن أن يخرج على الناس (شاخرا) فهذا خارج أي تصنيف سياسي معارض.. تصنيفه صعب وصدوره عن فنان أصعب، الفنان لا يسقط أدبيا هكذا. توصيفا، هذا خروج على النظام العام والآداب العامة، من سوء حظه أن منظومة الآداب العامة على يوتيوب لم يصل إلى علمها مثل هذه الأصوات المنكرة، يقينا ستضيف (الشخر) لاحقا إلى «أَنكَر الْأَصْوَاتِ»، بعد موجة الاستنكار العارمة من المجموع المصري المصدوم تماما في حفيد الجد العظيم. الشخرور الساخر الذي يطرب له أغوات الإخوان عليه أن يخجل من سوء صنيعه، المعارضة شيء وقلة الأدب شيء آخر، «التثوّر اللاإرادي» الذي يعانيه إيمان البحر درويش بلغ حد العصاب، والعصاب (Neurosis) نوع من أنواع الخوف الذي يؤدي إلى اضطراب في الشخصية والتوازن النفسي، فاستولى عليه خوفا، فلم يعد يميز طعم فمه، هل بات الشخر معارضة سياسية؟، ليس من الأدب أن تجرح مشاعر الناس، وتقول: أنا جدع، فرق بين الصراحة والوقاحة. فعلا، كما يقول المثل البدوي الشهير «النار يعقبها رماد»، حفيد العظيم سيد درويش عنوان الوطنية يصدر منه هذا الفعل الفج، يلزم الترحم عليه، ألف رحمة ونور على طيب الذكر، فعلا «النار يعقبها رماد»، والمثل يطلق على من يطير ذكره ويعلو أمره، ثم لا تجد من أولاده من يشبهه أو يواصل مسيرته، وإنما يعرفهم الناس فقط لشهرة أبيهم أو جدهم، يقول الشاعر: «الناس صنفان موتى في حياتهم، وآخرون في بطن الأرض أحياء».
مع تونس
نتوجه نحو تونس بصحبة عمرو الشوبكي في “المصري اليوم”: حين يعاني بلد من جائحة كورونا، ويتعرض لواحدة من أكثر الأزمات الصحية التي شهدها في تاريخه المعاصر، وتتم إقالة وزير الصحة ليس بسبب عدم كفاءته أو فشله في مواجهة الجائحة، إنما بسبب مكايدة سياسية بين رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية. وقد برر رئيس الحكومة التونسية قراره بالقول إن وزير الصحة اتخذ قرارات شعبوية وإجرامية، وإنه عاين بنفسه «سوء التسيير في وزارة الصحة». والمؤكد أن إقالة أي مسؤول نتيجة تقصيره أو سوء أدائه ملمح أساسي لأي دولة قانون، بشرط ألا تكون هذه الإقالة بسبب تصفية الحسابات السياسية، خاصة أن هناك مسؤولين في عالمنا العربي يستبعدون بسبب جوانبهم الإيجابية وليس على السلبيات. والحقيقة أن قرار رئيس الحكومة بإقالة وزير الصحة التونسي يندرج في إطار المكايدة السياسية مع رئيس الجمهورية، فالوزير «محسوب عليه» ودعم قراره باستدعاء الجيش لمواجهة الجائحة في بلد بلغ فيه عدد الإصابات 550 ألفا، واقترب عدد الوفيات من 20 ألفا (عدد سكان تونس حوالى 12 مليون نسمة). وبلغت نسبة المطعمين حوالى 950 ألف شخص وهي أفضل من بعض البلاد العربية، لكنها أقل بكثير من المأمول. والحقيقة أن مشهد كورونا في تونس يرجع، في جانب رئيسي منه، للأزمة السياسية التي تعاني منها البلاد، فقد كان أداء تونس مع بداية الجائحة جيدا، ونجحت في السيطرة على انتشار الوباء، ومع تفاقم الخلاف بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة دخل الطرفان في «استعراض صلاحيات»، فالرئيس هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، وبالتالي من صلاحياته إعطاء الأوامر للجيش بالتحرك من أجل مواجهة الجائحة، وهو ما حدث بالفعل، وبنيت مستشفيات ميدانية للقوات المسلحة في أكثر من مدينة لمحاصرة انتشار الوباء.
الضحية الشعب
المؤكد والكلام ما زال لعمرو الشوبكي، أن هذا الصراع الفج بين الرئيسين (رئيس الحكومة والجمهورية) مسؤول عنه بشكل أساسي الدستور التونسي الذي قلص صلاحيات رئيس الجمهورية، حتى أصبحت أقل من صلاحيات رئيس الحكومة، في ما يتعلق بالسياسات الداخلية، وهو أمر غير وارد في النظم الرئاسية التي ينتخب فيها رئيس الجمهورية بشكل مباشر من الشعب، حيث يختار الحكومة ويعرضها على البرلمان من أجل نيل الثقة. تابع الكاتب رأيه، لا يمكن أن ينتخب شعب مباشرة رئيس جمهورية (انتخب قيس سعيد بنسبه كاسحة بلغت 76%)، ولا يستطيع أن يكون له رأي في وزرائه، ولا أن يعين ويعفي الوزراء، في ظل رقابة السلطة التشريعية. رأى الشوبكي أن أزمة تونس الصحية هي، في جوهرها، أزمة سياسية، فرئيس منتخب من الشعب «منزوع الصلاحيات» كارثة على النظام السياسي، لأن ما يعتبره بعض التونسيين تململ الرئيس من محدودية صلاحياته، وسعيه لتوسيعها أمر لا يرجع لشخص الرئيس واسمه، إنما لأنه منتخب من الشعب، فالطبيعي أن تكون لديه صلاحيات تنفيذية كبيرة ينظمها الدستور والقانون مثل كل النظم الرئاسية الديمقراطية.
حرام شرعا
حذرت دار الإفتاء المصرية، وخبراء قانونيون، من تجسس الزوج والزوجة على بعضهما بعضاً وتفتيش «الموبايلات»، حيث أشارت دار الافتاء إلى أن هذا الأمر منهي عنه في القرآن الكريم والسنة النبوية، بينما قال القانونيون إن الحبس والغرامة في انتظار من يفعل ذلك. وأشار مصطفى رحومة في “الوطن” إلى أن الشيخ عويضة عثمان أمين الفتاوى في دار الإفتاء قال: “إن القرآن قال ولا تجسسوا”، هذا منطوق القرآن، فليس من الأخلاق أن أفتح تليفون زوجتي وأبص فيه لأنه تجسس، وليس من الأخلاق أن تظل الزوجة وراء زوجها تفتش في أحواله، هذا غير صحيح، وتلك قضية خطيرة مسألة أن الزوج يشك في زوجته، والزوجة تشك في زوجها ونظل نفتش في حاجات بعض، وهذا ليس استقرارا، ولكن يجلب الدمار والخراب للأسرة، ورجاء لكل زوجة وزوج تذكروا قول الله تعالى ولا تجسسوا، والنبي نهى عن أن يخون الرجل أهله، “فميجيش” في وقت يخونهم فيه علشان يعرف هي بتعمل أيه أو بتكلم مين أو مين اللي معاها، هذا نهى عنه النبي وليس من الأخلاق، وإنما الثقة بين الزوجين هي أساس الحياة الزوجية الكريمة». بينما قال هاني صبري المحامي والخبير القانوني، لـ«الوطن»، إن تسجيل المكالمات والتجسس على التليفون أو غيرها من وسائل الاتصال الأخرى جريمة يعاقب عليها القانون حتى لو كانت بين الزوجين، لأن الاعتداء على حرمة الحياة الخاصة، سواء كان بالتنصت على المكالمات التليفونية أو تسجيلها، أو التقاط الصور ونشرها يعد تعديا صارخا على نص دستوري يصون ويحمى الحياة الخاصة لكل إنسان، ويعد جريمة جنائية وفقا لنص المادتين «309 مكرر، 309 مكرر أ» من قانون العقوبات، حيث يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة كل من اعتدى على حرمة الحياة الخاصة للمواطن، وقام بتسجيل محادثة جرت في مكان خاص، أو عن طريق التليفون، وذلك في غير الأحوال المصرح بها قانونا،أو بغير رضا المجني عليه، ويحكم في جميع الأحوال بمصادرة الأجهزة كما يحكم بمحو التسجيلات الحاصلة عنها أو أعدامها.
وهم القوة
القبة الحديدية التي دافع عنها المطبعون وكانت تعتبر من أهم القلاع العسكرية الإسرائيلية، ولم تستطع أن تصمد أمام صواريخ القسام، لتؤكد أن البشر يسبقون كل شيء، وأن القبة الوهمية قد انهارت أمام حشود المقاومة إنه درس في النضال..صـارت القبة الحديدية كما يقول الدكتور عبد المنعم بدوي في رسالته لفاروق جويدة في “الأهرام”، تمثل عبئا ثقيلا على المدافعين عنها، وذلك بعدما قرر العديد من الخبراء العسـكريين داخل إسرائيل وخارجها على أنها كمنظومة دفاعية تمثل أكبر وهم تكنولوجي عسكري في تاريخ إسرائيل.. خاصة بعد نجاح الصاروخ السوري أرض/جـو ـ في الوصول إلى صحراء النقب بالقـرب من مفاعل «ديمونة» وبدون أي رد فعل من هذه القبة.. وكذلك بعد فشـلها الذريع في اعتراض أو تدمير كل صواريخ المقاومة المقبلة من قطاع غزة منذ عام 2011.. ويثور الجدل حاليا في العديد من المستويات العسكرية والسياسية في إسرائيل حول مدى كفاءة هذه المنظومة، وهل سيستمر الاعتماد عليها مستقبلا؟ مع العلم أن الجيش الإسرائيلي أكد أن منظومة القبة الحديدية فشلت في اعتراض القذائف والصواريخ الفلسطينية، بحسب اسبوتنيك، بل في إحدى المرات، أعلن أفخاي أدرعي (المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي) أنه قد تم رصد (36) صاروخا أطلقت من قطاع غزة، والقبة الحديدية لم تعترض إلا ستة صواريخ منها فقط.. والغريب أن هذا الفشل يحدث رغم إعلان مؤسسة الصناعات الدفاعية الإسرائيلية مرارا عن إجراء تحديث لهذه القبة، تلاه الإعلان عن إنتاج نسخ مطورة منها.. وقد تلقت منظومة القبة الحديدية لطمة شديدة بعد الإعلان عن إصابة عشرة جنود إسرائيليين بالسرطان وهم ضمن الذين خدموا في هذه المنظومة.. وكما نشرت صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية ، هؤلاء الجنود يقاضون الآن وزارة الدفاع الإسرائيلية.. مؤسسـة الصناعات الدفاعية الإسرائيلية تواجه أحزانا شديدة وموقفا لا تحسد عليه حاليا، خاصة بعد تصدير إسرائيل هذه المنظومة للعديد من الدول.. فهل ستتم إحالة هذه المنظومة إلى المعاش قريبا؟
ما الذي جرى
نتوجه نحو “اليوم السابع” بصحبة محمود عبد الراضي، الذي تعرض للصدمة بسبب حوادث العيد: مع انطلاق دماء الأضاحي في العيد، انفجرت معها “ماسورة دماء” بسبب جرائم أسرية هنا وهناك، لأسباب متنوعة بينها، أسباب واهية، لتكون المحصلة وجود قتلى وسجناء وأرامل وأطفال أيتام، في مشاهد غاب فيها العقل والضمير والرحمة والإنسانية، وحضر فيها الشيطان الأشر. “دفاتر الحوادث”، خلال فترة عيد الأضحى، تموج بقصص جرائم بشعة، كان بطلها “الناس العُزاز”، لنجد زوجا يقتل زوجته والعكس، وأبا يتخلص من فلذات الأكباد والعكس، لتنفجر الدماء، وتزيد الأوجاع، ويبقى الألم والحزن يسكن القلوب. مشاهد الدماء كانت حاضرة في مدينة إهناسيا في محافظة بني سويف التي شهدت طعن زوج لزوجته 27 طعنة وإقدامه على قطع شرايين يديه ليلة عيد الأضحى المبارك، بسبب عدم موافقتها على العودة لمنزل الزوجية، بسبب المشاكل المتكررة. ويتكرر المشهد مرة أخرى في قرية شاوة التابعة لمدينة المنصورة في محافظة الدقهلية بعدما طعن طبيب أسنان زوجته بـ11 طعنة نافذة، حيث كانت معظم خلافتهما بسيطة. لم يكن الزوج بمفرده القاتل، وإنما بات ضحية في بعض الجرائم التي تقمصت فيها الزوجة دور القاتلة، وهو ما شهدته منطقة طنط الجزيرة التابعة لدائرة مركز شرطة طوخ في محافظة القليوبية، عندما أقدمت زوجة على قتل زوجها محاسب باستخدام سكين المطبخ بعد 4 أعوام من الزواج. ولم تقف الجرائم الأسرية عند هذا الحد، وإنما امتدت جرائم “الناس العزاز” لتطول الأبناء والآباء، حيث قتل ابن والده في الإسماعيلية، بسبب رغبة الأب في الاشتراك مع شقيقه “عم القاتل” في أضحية، وهو ما رفضه الابن وطعن والده بسكين، ثم نزل إلى الشارع وجلس أمام منزله وشرب كوبا من الشاي، ثم صعد للمنزل مرة أخرى فوجد والده غارقا في دمائه. وفي المقابل تقمص الأب دور الجاني في الوادي الجديد، وكبل ابنته بسلسلة حديدية من قدميها في سرير داخل منزل وأصابها ببعض الكدمات، بعدما تقدم شاب لخطبتها فرفضته الأسرة، ثم وثقها الأب من قدميها لمنعها من التواصل مع هذا الشاب.