عن دار زينب للنشر والتوزيع وبدعم من مندوبية الثقافة بنابل صدر هذه الأيام كتاب’ قصيدة نثر ‘ المنبثق عن الدورة الأولى لملتقى قصيدة النثر بنابل أيام 26/27/28 أفريل 2013 .
وكانت الدورة تحت عنوان’ قصيدة النثر التونسية فعل الكتابة بين المنجز النصي والمنجز النقدي’ وطبع الكتاب في 276 صفحة قسمت فقراته بين دراسات نقدية لكل من الدكتور منصف الوهايبي بعنوان ‘في موسوعة الشعر التونسي الجديد (المحار لا يفسر اللؤلؤة) فيه تطرق إلى خصوصيات النص التونسي الجديد منها ما سماه واصفا كتاباتهم بجنوحها إلى ‘نمط القصيد الموضوعي’ التي هي محصلة ‘أنا’ أخرى غير تلك التي يعيشها الشاعر في واقعه أو في مجتمعه الخطاب الواصف أو الشعر على الشعر بحيث تحلل هذا الخطاب الذي يشير إلى تفكير الذات المتكلمة في خطابها ورؤيتها له وطريقتها في أدائه ….. كما بين خصوصيات الكتابة لكل جيل شعري تونسي زهاء نصف قرن من فعل الكتابة ونحت النصوص واصلا بعضها ببعض خالصا في محصلة بحثه أن ‘نصوص الشعراء لاسيما الجيل الشعري الجديد تضمر تصورا جديدا للشعر بذر بذرته شعراء الحداثة في أواخر الستينيات ثم تعهد الشعراء على اختلاف أنماط الكتابة الشعرية لديهم وذهبوا به بعيدا ذاكرا بعض الشواهد مثل (باسط بن حسن.يزسف خديم الله. عبد الفتاح بن حمودة. .محمد العربي.أنور اليزيدي…) واصفا قصائدهم بالنص المركب المتكون من صور رئيسية يتمثلها العنوان أو مفتتح النص وصور صغرى متعاقبة مع بعضها فلا تحجب قادحها ولا تحد من اثره.والنص اشبه بشكل هندسي يقوم على التناظر وملء الفراغ في الصور اشبه بفروع تتموج وتلتف او بعقد تنبثق منها الجمل الشعرية لتعود فتجتمع بشكل دائري حول مركزها الأول.أما الدراسة الثانية فكانت للدكتور والأكاديمي فتحي الخليفي فكانت بعنوان ‘من وجوه اللعب في قصيدة النثر محاولة قراءة لظاهرة الالتباس في بعض النمادج التونسية على غرار باسط بن حسن وعبد الفتاح بن حمودة وفضيلة الشابي…تعرض في القسم الأول لظاهرة الالتباس في مدلولها اللغوي ومدلولها الإصطلاحي ثم تطرق إلى بعض فنيات تشكله النصي في نماذج المدونة وبين كيف أن الالتباس صنيع الصمت وصنيع التلاعب بعلامات التنقيط لدى كل من عبد الفتاح بن حمودة وباسط بن حسن مجربا ذلك على نماذج من نصوصهم.كما تضمن الباب الأول من الكتاب دراسة لكل من مهدي عثمان بعنوان قصيدة النثر بين الشرعية والشعرية حاول فيه الإجابة عن سؤال الشرعية بين القبول والرفض لهذا النمط الجديد من الكتابة الشعرية بين مؤيد ورافض بحجج مختلفة، واصفا إياها بأنها تمثل قطيعة معرفية فعلية مع الأجناس الأخرى مع التأكيد أن كل قطع مع ماسبقه تعني قطعا مع الأسوأ والأقل جودة من خلال قتل الأب والهدم هدم المكان وهدم الزمان وعلى المستوى اللغوي التي يسميها المشاكلة والإختلاف ومن ناحية الموضوع واصفا اياه ـ النص- إلى الآن لم يمسّ القارئ لأنه موضوع حالة ثم الابهام الذي اعتبره الأكثر خطورة لأنه يربك القارئ العربي الذي مازال إلى الآن يعوّل على ثقافة السماع مما يجعلها قصيدة النثر- نخبوية وبالتالي أقصيت عن المنابر والملتقيات. خالصا إلى أن قصيدة النثر ما أضافته إلى حد الآن هو قدرتها على طرح السؤال عكس ما تعودت عليه الذائقة العربية من إجابات سهلة وجاهزة .
أما الدراسة الأخيرة في القسم الأول من الكتاب قسم الدراسات فكانت للأستاذ الناقد والشاعر السيّد التوي من خلال تناوله لظاهرة العتبات والنهايات في مجموعة وحيدا في العالم كشجرة للشاعر حيث تناول العتبة والمتن من حيث كونهما وحدة دلالية متماسكة العتبة من الهامش إلى المركز مبينا دور العتبات في النقد الحديث ودورها في ولوج مكامن النص الشعري وابراز مواطن الجمال فيه وطبق ذلك على عنوان المجموعة وحيدا في العالم كشجرة في قراءة في أبعادها الدلالية والجمالية وقراءة في التصدير رابطا اياهما العنوان والتصدير بالمتن من الكمون إلى الظهور.ثم خصص القسم الثاني من الدراسة لما سمّاها القفلة في النصوص مبرزا منطقها ودورها في بناء المعنى من خلال نماذج من نصوص الشاعر ليبرز مكامن التفرد لديه ومظاهر الحرية والحياة في النص ليخلص في النهاية أن المجموعة الشعرية المتناولة بالدرس تمثل شاهدا يدحض كل الشبهات والتحريضات التي تتهم قصيدة النثر بلا شعريتها وبكونها جنس كتابة هجينا لا أصالة فنية وابداعية فيه، واصفا اياها بالتدرب على الموت وتأجيل له باللغة وفي اللغة فعل الكتابة كما يقول الشاعر في احدى قصائده يؤجل قيامة العالم.
أما القسم الثاني من الكتاب فكان تحت عنوان شعريات تضمن قصائد لأبرز ضيوف الدورة الأولى لملتقى قصيدة النثر الأول بنابل مع سير للشعراء المشاركين منصف الوهايبي بقصائد من مجموعته الشعرية ميتافيزيقا وردة الرمل وآدم فتحي من مجموعته نافخ الزجاج الأعمى أيامه وأعماله ونصوص ل من مجموعته الشعرية وحيدا في العالم كشجرة وعبد الفتاح بن حمودة نصوص بعنوان الواضح الغامض والسيد التوي اخر الليل والرجل المستعمل في العاصمة لصبري الرحموني ونصوص من مجرد رائحة لا غير لخالد الهداجي وطينيات لسعيف علي وسياحة داخلية ليوسف خديم الله وأشجار اللغة أعشاب الخطايا لجمال الجلاصي وظلمة لأنور اليزيدي وأفتح الشباك من مجموعة حزمة خيالات لأمامة الزاير ومختارات لمهدي عثمان بعنوان 11سبتمبر. أما القسم الأخير من الكتاب فكان تحت عنوان ‘قوارب الورق’ وهي عبارة عن قصائد لشعراء من العالم من هولندا والنرويج وبولونيا والبرتغال ورومانيا وروسيا وصربيا والسويد تعريب جمال الجلاصي.
أما افتتاحية الكتاب فاختار لها رئيس تحرير كتاب قصيدة نثر الشاعر عنوانا في شكل سؤال أجاب فيه عن أهداف الكتاب وملتقى قصيدة نثر الذي يعتبره مشروعا ثقافيا تونسيا أصيلا نحن في حاجة إليه اليوم أكثر من أي وقت مضى ووصفه بحلم الكتابة المشترك وانه بديل ثقافي حقيقي للنهوض بالثقافة التونسية والعربية عموما.
كما أشار إلى أهمية أن تتحول أعمال الملتقيات من ندوات فكرية وجلسات علمية وفكرية إلى أعمال ورقية توثق جهود الملتقيات التي على أهمية طروحاتها تبقى في حاجة ماسة إلى توثيق منجزها إلى كتب تكون تتويجا لعمل المؤسسة الثقافية التي تدعم الثقافة وبذلك تحصل الفائدة للجميع للباحث والدارس والناقد والمبدع وبمراكمة مثل هذه المنشورات يمكن الرقي بالمشهد الأدبي والثقافي عموما مشيرا إلى ضرورة تشجيع مثل هذه المبادرات من وزارة الثقافة أكثر للإرتقاء بالمشهد وتطويره للأمام والدفع بعجلة التاريخ نحو واقع أفضل للكاتب التونسي والكتاب. كما تمت الإشارة إلى تشكيل لجنة استشارية قارة للكتاب تسهر على متابعة ومراجعة الكتاب على جميع الأصعدة المعرفية واللغوية متكونة من الأستاذ الدكتور منصف الوهايبي والمترجم والشاعر آدم فتحي والأستاذ مجدي بن عيسى الذي أشرف على نشر الكتاب الذي يعتبر لبنة مؤسسة على أمل أن يتطور المشروع فلا يبقى مقتصرا على صدوره مرة كل سنة بل أن يتحول إلى كتاب فصلي يجد فيه المبدع التونسي ضالته نحو الانتشار محليا ودوليا والتعريف بالتجارب التونسية البديعة في الكتابة الشعرية والنقدية.
عموما إن كتاب قصيدة نثر هو حلم كتابة مشترك بين كل أقلام هذا الوطن ينطلق من خصوصية تونسية أصيلة لينفتح على فضاء كتابة كونية أرحب …لذلك فهو كتاب لكل المثقفين الذين يحلمون بشعرية تونسية أعلى … ويعملون على الخروج بالنص التونسي من جغرافيته الضيقة إلى فضاءات أرحب.