أبوظبي ـ ‘ القدس العربي’ ـ من فاطمة عطفة لم يسقط الطاغية في مصر بل تنمّر واستكبر وأصرّ على البقاء مهددا بقمع الملايين المصرية التي تطالبه بالرحيل، وكأنه لا يرى ولا يسمع ما يدور حوله بل يعيش مع أوهام الخرف السلطوي بعد تجاوز الثمانين. ظهر الدكتاتور وهو يتفاخر بما يراه من إنجازات في مدة حكمه، وهي إنجازات في نهب خيرات مصر وبيع القطاع العام إلى كبار اللصوص من أقربائه وأزلامه. لو كان هذا الطاغية يملك ذرة من الإحساس لاستمع إلى أصوات الملايين المحتشدة في الساحات وخرج بشيء من الكرامة، لكنه ينتظر مصيرا مشابها لشاوشسكو كما صرخت الجماهير في وجهه وهو يتبجح على الشاشة بكلمة مسجلة. في ذلك الخطاب، ظهر الجنرال المخلوع بغرور واستكبار وكأنه يتحدى الشعب المصري وقد ذكرني بظلم الحجاج وما قطع من رؤوس، لكن بقاء هذا الرجل رغم إرادة الملايين هو تجبر وإصرار على استمراره بالحكم والطغيان فوق المئات من أجساد الشهداء والضحايا. هل سيستفرد بالشباب خلال الأشهر الباقية ويعمل على تصفيتهم واحدا بعد آخر؟ أي مصير ينتظر مصر في ظل هذا النظام الذي سقط رغم إصراره على البقاء. الأمل الكبير أن يبقى الجيش إلى جانب الشعب الذي خرج من صفوفه وأن يحميه من عصابات البلطجية التي شكلتها السلطة كقوات احتياطية من فلول الأمن التي تمارس جرائمها المنظمة علنا وتحت جنح الظلام. إلى أين يمضي هذا الطاغية بمصر؟ أترك تقديرات ذلك لبعض الأسماء من المثقفين والصحافيين المصريين في الإمارات.
ـ ممدوح طه ( كاتب وصحافي) تحدث عن الانتفاضة الشعبية المصرية.. في قراءة له من بعيد. يقول: هذا المشهد الثوري المصري وفي طليعته هذا الجيل الجديد من الشعب المصري العربي يعني أن هذا الجيل جاء في موعده مع القدر.. لقد خرج الشعب المصري بكل أطيافه وبكل أجياله، بشبابه وبشيوخه بعلمائه ومثقفيه في شوارع وميادين المدن المصرية على امتداد الوطن المصري فواراً بالغضب وتواقاً للأمل في التغيير إلى الحرية السياسية بغير حظر أو إقصاء، وللتنمية الاقتصادية بغير إثراء للأثرياء على حساب الفقراء، وللعدالة الاجتماعية بغير طبقية جعلت الهوة واسعة وعميقة بين أصحاب الثروة وأبناء الثورة.. وهذا المشهد يشير إلى سقوط الأوهام التي راهنت على إمكانية فرض السياسات الداخلية والخارجية التي لا يرضى عنها الشعب، والتي ظنت أنها تستطيع اغتصاب سلطته بتزييف إرادته عبر تزوير انتخابات مجلس الشعب وتحويله إلى مجلس الحزب، وتوهمت أنها تستطيع خداع هذا الشعب، وأنها تعتمد على طول صبره على القهر والخوف.. وهذا المشهد، يشير في النهاية إلى بداية الميلاد الجديد لمصر الجديدة، مصر الشعب لا مصر الحزب، مصر الوطن لا مصر العائلة الحاكمة أو الفرد.. مصر التي عادت لشعبها وأهلها ولكل أبنائها بسواعد شبابها وبعقول شيوخها في ظل شرعية جديدة تواقة للحريات وللحقوق الوطنية والإنسانية، لاستعادة الكرامة الوطنية والإنسانية وفي جوانب هذا المشهد الذي تتركز أنظار العالم كله عليه هذه الأيام إجابة لثلاثة أسئلة.. أولها أن الجيل الذي قاد هذه الانتفاضة الثورية وهو الذي يمثل 60 % من الشعب المصري، هو الجيل الذي تربى في ظل عهد مبارك الذي امتد بغير مبرر إلى ثلاثين عاما أي إلى نحو جيل.. وهذا يعني فشل سياسات نظام مبارك في تأمين مطالب هذا الجيل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
إن انتفاضة الشعب المليونية تعني سقوط شرعية الرئيس ونظامه، سياساته، وقيام شرعية ثورية شعبية جديدة، وإن تشبث مبارك بالبقاء في السلطة سواء بالقمع وبمحاولة وضع الشرطة في مواجهة الشعب، أو الاحتماء بقوة الجيش في مواجهة رفض الشعب لهذا النظام، أو بمحاولة شراء الوقت للالتفاف على مطالب الشعب بتنحي الرئيس، لن يجدي في النهاية.. فلقد سقط النظام في الواقع بعد أن أسقط الشعب برفضه شرعيته.
إن الانتفاضة الشعبية المصرية قد تجاوزت مواقف الأحزاب السياسية القائمة، وارتفعت حتى فوق موقف النخب المثقفة، وظل من بين السياسيين ومن المثقفين من وقف مع الشعب أو من التحق مع السلطة في مواجهة الشعب.. ولأن هناك ثقافة صحيحة تنتمي لقيم وثقافة هذا الشعب الوطنية والقومية.. وهناك ثقافة مريضة تمتد جذورها إلى خارج التربة الوطنية المصرية.. فلقد كانت غالبية السياسيين والمثقفين مع شعبهم في ميدان التحرير الشعب، فيما التحق نفر قليل منهم في موقف مريب وغريب كالدكتور جابر عصفور مثلا إلى السلطة ضمن حكومة محروقة جاءت في الوقت الضائع في موقف يثير الرثاء.! ـ إيناس محمد محمد ( كاتبة وصحافية) تعبر عن مشاعرها فتقول: ما يشهده الشارع المصري في الأيام الأخيرة’لا يمثل ثورة’ضد النظام الحالي فقط، ولكنه علامة فارقة في تاريخ مصر سيظل لها تأثير يمتد لسنوات مقبلة، بصرف النظر عمّـا يمكن أن تسفر عنه، فبخلاف ما هو المعتاد، لن يكون الحكم على ما يشهده الشارع المصري بما سيحققه من نتائج سياسية، لأنه يتعدى ذلك بكثير،’بل تقاس بمعايير أخرى أهمها انه كشف عن جيل جديد لم ننظر إليه النظرة التي يستحقها، ولم نقدره التقدير الذي يستحقه، جيل كنا نعتقد أن السلبية والانسياق وراء الغرب والسطحية هي’ابرز سماته، لنكتشف انه يملك من القوة والفهم والإدراك والوعي ما يفوق الكثيرين من محترفي الأضواء والظهور عبر الشاشات، ويملك من الصبر والقدرة على التحدي ما’قد يفوق ما’يملك من سبقه بكثير.
أهمية ما يشهد الشارع الآن’تعود كذلك إلى انه أعاد’الشعب المصري إلى نفسه، بعد أن غاب عنها لسنوات طويلة، واعتقد معظمنا أنها غابت للأبد، فظهر في الصورة التي افتقدها لسنوات بما يملك من قوة وعزيمة وتحضر وقدرة على التنظيم والعمل والترابط والتكاتف. من جهة أخرى لم يعد هناك، سواء من الأشخاص أو الدول، من ينكر شرعية المطالب التي يطالب’بها الشارع المصري’حاليا، بل هي تمثل ابسط حقوقه بعد ما عانى منه من ظلم وفقر وتعديات على كرامته وحريته، حتى’بات’المواطن العادي يفتقد الأمان في الشارع، ويناضل’يوميا للحصول على رغيف العيش،’ورغم ذلك’جاءت’ثورته لتطالب بالتصدي للفساد ورموزه ولرفض تزوير الانتخابات،’وبالطبع للتوريث، ولذا لا يجب اختصار ما يحدث باعتباره ثورة الخبز، ولكنها هبّة للحرية وصيحة كرامة فرضت نفسها لأنها تخطت الأطماع السياسية التي طالما كبلت الأحزاب السياسية وأشعلت الصراعات بينها وبداخلها لتتحول في النهاية إلى أحزاب كارتونية لا دور حقيقياً لها، ولا علاقة بالشارع.
نجاح هؤلاء الشباب يعود في المقام الأول إلى التضامن القوي فيما بينهم، وعدم بحث كل منهم عن الأضواء والشهرة والمناصب، بالإضافة’إلى قدرتهم الكبيرة’على تنظيم أنفسهم والتعامل بمرونة مع ما’يستجد من أحداث من حوله. وهذا هو ما منحهم الاستمرارية على مدى 8 أيام، هذه الاستمرارية التي حققت لهم التأثير الذي اجبر العالم على التوقف ليتابع ما يقومون به وهو مبهور بما يحققونه.
ـ وليد علاء الدين ( الشاعر والصحافي) يدعو مبارك إلى أن يرحل ويحفظ لنفسه مكانا في التاريخ قائلا:
ألخص رؤيتي في نداء أتوجه به إلى الإنسان والمواطن المصري محمد حسني مبارك، الذي أعلن في خطابه الأخير أنه قد خدم مصر على مدار أكثر من ثلاثين عاماً سلماً وحرباً.
أقول له: مستعدون أن نغفر لك كل ما بدر منك خلال السنين الثلاثين وأن نبحث لك في أعمالك عن حسنة لقاء كل سيئة، وإذا نضبت حسناتك قبل سيئاتك سنزيدك من عندنا لترجح كفة الحسنات، كما أننا مستعدون لغض النظر تماماً عن فكرة المساءلة والمحاكمة والعقاب، أو تدقيق الثروات والممتلكات، كل ما طالته يداك أو يدا أسرتك سيكون مكافأة نهاية خدمة لك، فضلاً عن ذلك سوف أقود بنفسي حملةً لبناء تماثيل لك في عدد من أبرز ميادين مصر بالحجم الطبيعي.
في المقابل، لنا فقط مطلبان، أولهما أن تختم خدمتك الطويلة تلك بعمل جليل سوف يذكره لك التاريخ: فما دمت راحلاً راحلاً، فارحل بعمل سوف نسجله لك على قواعد تماثيلك، أن تقوم بتسليم السلطة بشكل سلمي – يحقن دماءنا ودمك – لحكومة انتقالية تلتزم أمام الشعب بتعديل الدستور فيما يخص تداول السلطة وتحديد فترات ومدد البقاء في الحكم، وفض المجالس النيابية الزائفة وإلغاء العمل بقانون الطوارئ وإجراء كافة التعديلات التي تعيد للمصري آدميته وكرامته وذاته التي انتفض من أجل استعادتها.
المطلب الثاني، وطالما أننا أعطيناك الأمان، أن تروي لنا من مقرك الذي تختاره تحت سماء مصر عن الحقيقة كاملة بكل تفاصيلها، ما كان يدور خلف الكواليس: كواليس السياسة والاقتصاد والحكم، بهدف نبيل تساعدنا في تحقيقه، أن نتجنب ما يمكن تجنبه من مكائد الأعداء ومن يتربصون بمصر، سوف نستمع إليك وقتها كمن يستمع إلى خبير محنك، نستفيد ونفهم، دون لوم أو عتاب، وربما تجد – أنت نفسك – في ذلك راحة من ذنب قد يصعب عليك حمله ذات يوم بينما تراجع مسيرتك في راحتك الطويلة. سيدي الرئيس، أرجوك لا تُثقل ميزانك بدماء المصريين، لأن الحساب سوف يكون ثقيلاً: حساب الشعب وحساب الضمير وحساب التاريخ، سيدي الرئيس أمامك فرصة قد لا تتكرر لأن تسجل اسمك في التاريخ كقائد نزل عند رغبات شعبه وأعاد لمصر كلها كرامتها.. أمامك هذه الفرصة… بينما أراك ذاهباً برجليك إلى لعنة الشعب والتاريخ، الخيار أمامك فتعقل، أرجوك تعقل.
ـ محمد الجداوي ( الكاتب والصحافي) يتحدث عن مصر وهي ترتدي ثوب الثورة، قائلا:
أجمل ما في ثورة الغضب الحاصلة حالياً في مصر حالياً أن من قام بها هم الشباب.. الشباب الذين سخر منهم الجميع واتهموهم بالهيافة والسطحية.. الشباب الذين لم تعمل لهم السلطة الغاشمة أي حساب فانتفضوا كالمارد من قمقمة في وجه الظلم والطغيان والاحتكار والقهر.. هؤلاء الشباب هم وجه مصر الحقيقي.. هم الذين أسقطوا نظرية حكم الشعوب بالقسر والتعبئة الوطنية المصطنعة. أباطرة الحزب الوطني الذين حولوا مصر إلى مزرعة للنخب الحاكمة خانهم التقدير وأثبت لهم الشباب المصري أنه مازال حياً وقادراً على انتزاع الأمل من بين براثن جلاديه.. لقد ابتعد النظام الحاكم في مصر كثيراً عن الشباب وتركه وحيداً في مواجهة اليأس والبطالة واعتمد على رجال شاخوا في مقاعدهم.. ابتعد كثيراً إلى درجة أن العلاقة انقطعت تماماً بينه وبين أولئك الشباب الذين حرموا من أبسط حقوقهم في الحلم والعيش بكرامة وأمان في وطنهم فكانت هذه هي النتيجة؟!
وبالنسبة لدور الصحافة المصرية في تلك الثورة المصرية التي أرى أنها ستغير وجه المنطقة بأكملها، فهناك تحفظ حتى الآن من الصحف القومية التي ما زالت حتى الآن تمسك العصا من المنتصف، لأنها كانت محسوبة على النظام وكانت تدافع عنه بكل ما أوتيت من قوة، وبالطبع يحدث ذلك لأن معظم القائمين عليها هم من صنيعة السلطة ومن المستفيدين من امتيازاتها وعطاياها.. ولم تستطع تلك الصحف حتى الآن وهي المملوكة للشعب في الأساس في أن تنحاز للشباب وانتفاضتهم.. بل اتهمتهم في البداية بأنهم مخربون.. لكن مع التنازلات التي بدأ يقدمها النظام رويداً رويداً بدأوا هم يسيرون بالتوازي مع ذلك وبدأوا يتحدثون عن ضرورة التغيير.. لكن في المقابل هناك الصحف المعارضة والمستقلة، والتي فضلت منذ البداية الانحياز لمطالب الناس كما كانت قبل اندلاع الأحداث.. أيا كان ما حدث فهناك رموز وأسماء صحافية وخصوصاً في الصحف القومية فقدت بريقها لأنها انحازت للنظام على حساب الشعب ولا أدري كيف سيتحولون إن سقط النظام؟ وكيف سيغيرون جلدهم؟ لكن ما أعرف أنهم قادرون على ذلك، لأن معظمهم يملكون أكثر من وجه؟
وما حدث مؤخراً في مصر سيجعل رياح التغيير تهب على المنطقة العربية بأكملها.. وأياً كانت النتائج، فما تحقق على أرض الواقع يؤكد أن عقارب الساعة لن تعود إلى الوراء أبداً وأن النظام سقط وأن ما يجري حالياً هو البحث عن طريقة لخروجه بشكل آمن يحفظ ماء الوجه، ويكفي ما تحقق من نتائج أبرزها.. سقوط المحتكرين ورجال الأعمال وبالطبع مشروع التوريث الذي كان يؤرق المصريين جميعاً.. وقبل كل ذلك انتهاء وهم اسمه ‘ الحزب الوطني الديمقراطي’. ما حدث في مصر منذ 25 كانون الثاني ( يناير) يثبت أن الأمم العظيمة قد تمرض لكنها لن تموت.. ويثبت أيضاً أن مصر في طريقها إلى أن تعود كما كانت درة التاج في العالمين العربي والإسلامي.