كتاب يؤثرون السلامة قبل حلول ذكرى الثورة… ومجتمع متنمر يتلصص ولا يحترم خصوصية الآخرين

حسام عبد البصير
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: عثر كثير من كتاب صحف أمس الجمعة 5 يناير/كانون الثاني على ضالتهم بعيدا عن إثارة المشاكل مع السلطة، التي تبدو كلما اقترب موعد الذكرى الحادية عشرة لثورة الخامس والعشرين من يناير، أنها تفقد أعصابها خشية ما لا يحمد عقباه، لأجل ذلك وجّه عدد كبير من الكتاب جل غضبهم نحو الأغلبية، متهمين إياها بأنها ترزح تحت أمراض مزمنة، أدناها التنمر، وأعلاها الخلط في الأحكام واقتحام الحريات الشخصية لبعضها بعضا، على خلفية تبعات واقعة انتحار الطالبة بسنت، التي غطت صور مفبركة لها مواقع التواصل الاجتماعي، فدفعتها لاتخاذ القرار المؤلم بالانتحار، بالإضافة لواقعة “المعلمة الراقصة” التي بلغت شهرتها الآفاق، فانتهى بها الأمر لاعتزال التدريس، واللافت أنها كانت تعمل مدرسة متطوعة، دون راتب، على أمل أن تلحق بتراب “الميري” في مقبل الأيام..
وبين الهجوم على من اقتفوا أثر المنتحرة والمعتزلة، خاضت صحف القاهرة في أسباب التردي الذي وصل له المجتمع، ليعود السؤال الكاشف الذي طرحه قبل عقود المفكر الراحل جلال أمين “ماذا جرى للمصريين؟” من جديد.. وليس ببعيد عن واقعة انتحار الطالبة بسنت، تقدمت النائبة ميرفت عبدالعظيم عضو مجلس النواب، بطلب إحاطة في البرلمان لحظر تداول حبة الغلة الفتاكة، التي تعتبر أخطر من المخدرات. وأكدت النائبة أن حبة الغلة السامة أداة قتل فتاكة، وثمنها لا يتجاوز جنيها واحدا، مشيرة إلى أنه قرص وزنه لا يتجاوز غرامات، لكنه وسيلة للموت السريع..
ومن مشاريع الحكومة: أكد الدكتور محمد عبدالعاطي وزير الموارد المائية والري، إقامة 1500 منشأة للحماية من أخطار السيول، خلال السنوات الماضية، بهدف تحقيق الحماية للسكان والمنشآت، وجمع مياه الأمطار. وأوضح أن أعمال الحماية تمكنت من جمع نحو 2.340 مليون متر مكعب من المياه، خلال موجة الأمطار في الفترة (31 ديسمبر/كانون الأول 2021 ـ 2 يناير/كانون الثاني 2022). وأشار إلى أن هذه المياه يمكن استخدامها من قبل المواطنين في التجمعات البدوية، لاستخدامات الشرب والرعي. ومن أخبار الحوادث: أمرت النيابة العامة بحبس متهميْنِ اثنيْنِ احتياطيّا على ذمة التحقيقات في قضية وفاة بسنت خالد في كفر الزيات؛ لاتهام أحدهما بهتك عرضها كونها طفلة – لم تبلغ ثماني عشرة سنة- وتهديدها بإفشاء صورٍ فوتوغرافية ومقطع مصورٍ منسوبين لها حصل عليهما خلسة، بنشرها على مواقع التواصل الاجتماعي، واتهام الاثنين باعتدائهما على حرمة حياة المجني عليها الخاصة، وإذاعتهما علنا تلك الصور والمقطع، واستعمالهما بغير رضائها، وتعديهما بذلك على المبادئ والقيم الأسرية في المجتمع المصري.. ومن أخبار الإعلاميين: أعلن الإعلامي عمرو أديب عن إصابته وإصابة زوجته الإعلامية لميس الحديدي بفيروس كورونا المستجد.
نحتاج للتربية

البداية مع غوص في أعماق المجتمع على يد هاني لبيب في “المصري اليوم” الذي عنون مقالته بـ”مجتمع جبان”: الحكاية الأولى: شابة في مقتبل العمر تتعرض للابتزاز والتشهير من شابين، ما يدفعها للانتحار وإنهاء حياتها، بعد تعرضها لضغوط لم تتحملها، ولم يساندها أحد بشكل حقيقي، رغم يقين أسرتها بصدق موقفها من جهة، وتنمر البعض من المجتمع لها من جهة أخرى. الحكاية الثانية: معلمة شابة أثناء رحلة ترفيهية تتفاعل مع الأغاني والموسيقى، وعبرت عن ذلك بالرقص.. فكان رد الفعل سريعا بالاتهام والإدانة، واعتبارها نموذجا سيئا للمعلم القدوة. إنها حكايات التحرش والتنمر وانتهاك الخصوصية التي وصلت لجريمة قتل متكاملة الأركان بدم بارد، لذا أود أن أطرح بعض الأفكار، دون استنتاجات أو إجابات واضحة.. بقدر ما هو تشابك مع ما حدث، أولا: هل ردود الأفعال تجاه ما سبق هي نتاج العقلية الذكورية المستبدة ضد المرأة فقط؟ أم نتيجة التدين الشكلي الذي تم الترويج له من خلال ترسيخ الهيمنة الذكورية، بنزواتها التي تتعامل مع المرأة باعتبارها وسيلة استهلاكية ترفيهية؟ تساءل الكاتب: كيف نسمح لأنفسنا بهذه القسوة في قبول إنهاء فتاة شابة لحياتها بسبب استهتار شابين.. ربما تكون رفضت الكلام مع أحدهما، أو رفضت تجاوزاته، أو رفضت الارتباط به؟ وأين دعم أسرتها في مواجهة هذه الجريمة، أم خضع الجميع لابتزاز التشدد والتطرف الفكري المنتشر في العقلية المصرية، الذي يضع المرأة هدفا لمرمى نيران الدفاع عن العفة أمام حكمة الرجال وشرفهم؟

محنتنا مزمنة

تابع هاني لبيب طرح أسئلته الكاشفة، عن أسباب غياب الخصوصية الفردية لأي إنسان.. في عدم انتهاك مجاله الشخصي، لماذا ننقاد نحو افتراض سوء النية قبل حسن الظن؟ ولماذا نلهث وراء التشهير بحياة أشخاص بسيطين.. أباح البعض لأنفسهم التدخل في حياتهم بشكل مستفز دون إذن؟ ولماذا نسهم في تشويه حياة البعض دون حق، ودون التأكد مما نروج له من اتهامات، ربما يكون لا أساس لها من الصحة؟ ومِن الأصل، مَن الذي سمح للبعض بتنصيب أنفسهم قضاة للحكم على ما لا يعلمونه؟ خامسا: لماذا نغضب من امرأة يراها البعض حسب تصنيفه سافرة ومتبرجة.. ولا نغضب من وجود أطفال وأشخاص يفترشون الأرصفة ليلا للنوم؟ ولماذا لا ننتفض عندما نجد إنسانا يأكل من أكوام القمامة وفضلات الطعام في الشوارع؟ ولماذا لا ننتفض ضد هذا التشدد الوهمي المعلن في الحفاظ على القيم والأخلاق.. رغم انتهاكنا الشخصي لها في الخفاء؟ مشكلة المجتمع المصري الحقيقية هي تلك الثنائيات المعكوسة التي روّج لها التدين الشكلي، على غرار: الإيمان والكفر، والتبرج والالتزام، والحق والضلال.. حتى وصل السفه بالبعض إلى المقارنة بين الدين والوطن. لماذا نبيح لأنفسنا ما نحرمه على غيرنا؟ وإلى متى؟

معلمة الأجيال

ردا على الزوبعة التي أثارها فيديو تظهر خلاله معلمة وهي ترقص خلال إحدى الرحلات، سعى عماد الدين حسين للإجابة على السؤال التالي في “الشروق: هل من حق أي معلمة أن ترقص؟ صياغة السؤال بهذه الطريقة ليست بريئة، وبالتالي لا بد من تفكيك الأمر وشرحه حتى نصل إلى قواعد واضحة تفك الاشتباك، الذي اندلع فجأة في المجتمع المصري، الأسبوع الماضي. فى أواخر ديسمبر/كانون الأول الماضي نظمت نقابة المعلمين في الدقهلية رحلة إلى القاهرة تضمنت رحلة نيلية، وخلالها قام عدد من المدرسين والمدرسات بالرقص داخل المركب النيلي، ظهرت خلاله إحدى المعلمات ترقص بتشجيع من زملائها. هذه المعلمة تم اختيارها معلمة مثالية وتم تكريمها في 18 ديسمبر الماضي من قبل نقابة المعلمين في المنصورة. وتقول: «منه لله الذي صور لي وخرب بيتي وأساء لسمعتي ولأولادي ولزوجي، وأصابني باكتئاب، وعلى فكرة محدش حولني للتحقيق، أنا موقعة على تنازل أني لا أكمل في التعليم، أعمل 24 حصة في الأسبوع ومكبوتة جدا، يعني هو الواحد حرام يفك عن نفسه شوية، ملابسي كانت عادية جدا، وكنت وسط الناس وأهلي وزملائي، وأقضي مع زملائي وقتا أطول مما أقضيه في البيت». هذه هي التفاصيل الأساسية للقصة التي جعلت «وصلة رقص على مركب نيلي» تقيم الدنيا ولا تعقدها على وسائل التواصل الاجتماعي. والسؤال من المذنب ومن الضحية في هذه القصة؟ للأسف كثيرون ظلموا هذه المعلمة وأساءوا إليها واغتالوا شخصيتها بحسن أو بسوء نية. السيدة من وجهة نظري لم تخطئ بالصورة التي قام البعض بتصويرها. هناك صورة مثالية يضعها أغلب المجتمع للمعلمين، وهم يستحقونها بطبيعة الحال، ونردد جميعا ودائما مقولة: «كاد المعلم أن يكون رسولا».

عادة متفشية

دافع عماد الدين حسين عن المعلمة الراقصة قائلا: لو أن السيدة رقصت في الفصل أمام التلاميذ، أو في أي مكان داخل المدرسة فهي تستحق أشد أنواع العقاب، لأنها قدوة للتلاميذ والطلاب. لكن السؤال الجوهري أليست هذه المعلمة بشرا تفرح وتحزن، ومن حقها أن تمارس حياتها بصورة طبيعية؟ المعلمة حينما رقصت هي وزملاؤها لم تكن في مكان عام متاح للجميع، بل كانت في مكان خاص مغلق على غير أعضاء الرحلة، وبالتالي فهي من أحاد الناس وليست شخصية عامة، ولا يحق لأحد أن ينتهك خصوصيتها، غالبية السيدات من كل المهن والطبقات الاجتماعية يرقصن في أفراح أقاربهن، فهل يحق لأي متخلف ومتلصص ومتجسس أن يقوم بالتقاط الصور والفيديوهات، ويضعها على وسائل التواصل الاجتماعي، وبعدها يحاكم المجتمع هؤلاء السيدات ويمارس معهن أبشع صور النفاق الاجتماعي. عدد كبير من المصريات ومنهن سيدات مجتمع وشخصيات عامة يغنين ويرقصن على أنغام المهرجانات ليلا ـ التي ينتقدنها نهارا ـ في كل الأفراح والمناسبات، فهل إذا قام أحد بتصويرهن خلسة ووضع الصور على التواصل الاجتماعي تحاكمهن، لو حدث ذلك فلن تكون لدينا أفراح بالمرة. قرأت رؤية محترمة للمحامية المعروفة نهاد أبوالقمصان عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان في مداخلة مع الإعلامي محمد مصطفى شردي على قناة «الحياة اليوم»، تقول فيها إن نشر فيديو المعلمة جريمة من جرائم الإنترنت، وإن المعلمة وزملاءها يحق لهم التقدم ببلاغ للنيابة للقبض على ناشر الفيديو، لأنهم لم يعطوا هذ الشخص الإذن بتصويرهم، والمادة 309 مكرر من قانون العقوبات تجرّم كل أشكال الاعتداء على حرمة الحياة الخاصة للمواطن، والعقوبة هي الحبس لمدة لا تزيد عن سنة، والمادة «309 مكرر أ» تعاقب بالحبس كل من أذاع وسهّل إذاعة أو استعمل ولو في غير علانية، تسجيلا أو مستندا متحصلا عليه من غير رضا الشخص صاحب الشأن.

بجنيه واحد

نبقى مع المسرعين نحو الانتحار بصحبة الدكتور محمود خليل في “الوطن”: أصبحت «حبة الغلة» من أسرع الطرق التي يلجأ إليها البعض للتخلص من الحياة، يرحم الله تعالى الجميع. تقرير جيد نشره موقع “مصراوي” حول «الحبة القاتلة» ذكر فيه أنها عبارة عن مبيد حشري يستخدم على نطاق واسع لحفظ الحبوب والغلال، بسبب رخص ثمنها، والتكلفة العالية التي يتطلبها أي بديل لها. سعر الحبة القاتلة لا يزيد على جنيه، وهي تدخل مصر بشكل رسمي، وبموافقة وزارة الزراعة، وهي بالطبع منتشرة بصورة كبيرة داخل القرى والأرياف المصرية. حوادث الانتحار بحبة الغلة تعددت بشكل لافت خلال السنوات الأخيرة، فكما أنها أرخص وسيلة لحفظ الغلال، فقد باتت أرخص وسيلة للانتحار، وكذلك للوفاة الخطأ نتيجة تناولها من جانب الأطفال، الذين لا يدركون خطرها. تحت قبة مجلس النواب تعددت طلبات الإحاطة من جانب بعض النواب الذين طالبوا بحظر الحبة القاتلة، كان آخرها – في حدود علمي – طلبا تقدمت به النائبة أمل سلامة في شهر يوليو/تموز من العام الماضي بحظر بيع هذه الحبة في دلتا وصعيد مصر، بعد انتشار حالات الانتحار أو الوفاة الخطأ بها.

البديل مكلف

يرى الدكتور محمود خليل، أن المزارع المصري معذور حين يسترخص فيلجأ إلى الحبة التي تباع بجنيه لحفظ القمح من التسوس، فاللجوء إلى وسيلة أخرى أكثر كلفة سيجعله يخسر، في وقت لا يحتمل فيه خسارة، لكن تبقى ضرورة أن يراقب أهلنا في ريف مصر سلوك الأطفال والمراهقين، ويبعدوا هذا الخطر القاتل عنهم. وزارة الزراعة هي الجهة التي يجب أن تتوقف أمام هذه المسألة، فهي التي تسمح ببيع الحبة القاتلة في محلات المبيدات الحشرية، وبالتالي تعمل على توافرها في الأيدي، في حالة عدم وجودها في المنازل، لمن يريد التخلص من حياته بجنيه واحد قاتل. بصراحة مجلس النواب مطالب باتخاذ موقف أكثر صرامة من مسؤولي «الزراعة» التي تسمح بتداول هذه الحبة التي بات يطلق عليها القاتل الصامت، لأنها تؤدي – في صمت ودون أعراض سريرية – إلى شل أجهزة الجسم واحدا بعد الآخر، ما يؤدي في النهاية إلى وفاة من تناولها، إذا لم يتم إسعافه بغسيل معوي بشكل سريع، والبطء في التعامل مع الحالات – كما تعلم – يعد سمة من سمات الأداء داخل مستشفيات وزارة الصحة، ما يزيد من خطر الوفاة. مجلس النواب مطالب بموقف جاد من الوزارة، لأنه الجهة الوحيدة القادرة على استدعاء وزير الزراعة واستجوابه، وإلزامه بحظر تداول الحبة القاتلة. المسألة تتطلب تحرك ممثلي الدلتا والصعيد في المجلس الموقر ليمثل الوزير المسؤول أمامهم ويساءل في الأمر. طلبات الإحاطة تعددت على مدار الأشهر الماضية، دون تحرك يذكر من وزارة الزراعة، وبالتالي فقد بات الأمر يحتاج إلى تطوير ومواجهة حقيقية من خلال الاستجواب، وإلا فعلينا أن ننتظر حالات انتحار جديدة بحبة الغلة تدعم التريندات على مواقع التواصل الاجتماعي، في وقت أصبح فيه البعض يسعد بتذويب أكثر التهديدات خطرا على المجتمع عن طريق إغراق الناس في التريندات.

راقصة ومتحرش

يقول محمد السطوحي، في “المشهد”، أحاول قدر الإمكان تفادي لعبة التريندات، حتى لا أشارك في تحقيق هدف من أراد أن (يشتغلنا)، لكن موضوع المدرّسة التي رقصت في رحلة نيلية فكّرني بأستاذة الجامعة التي تعرضت لهجوم كاسح، لأنها رقصت فوق سطح منزلها. والحالتان استدعتا حكاية وقعت منذ سنوات، حين ذهبت إلى أحد المطاعم في منطقة واشنطن مع مجموعة من الكتاب والصحافيين المصريين الزائرين. كانت الجرسونة مصرية شابة فكان من الطبيعي أن نتبادل معها الكلام وهنا ظهرت المفاجأة: هذه الفتاة كانت طالبة في كلية الإعلام التي درسنا فيها، لكنها لم تكمل دراستها وقررت الهجرة، لماذا؟ هنا المفاجأة الأكبر: لقد تحرش بها أحد الأساتذة وضغط عليها وهددها إن لم تستجب لطلباته، ومع العجز والإحباط وجدت في السفر حلا وهروبا مما تتعرض له. لم تقل لنا اسم الأستاذ المتحرش، لكن أحد الزملاء قال إنه فلان، وذكر لنا أن هذا أسلوبه. إذن هذه الفتاة لم تكن الأولى، وربما ليست الأخيرة، حتى صار هذا السلوك معروفا عنه. ومع هذا فإنه يحظى بالتقدير والاحترام في مجتمع (متحرش بطبعه). لكن من يقبل بهذه الجريمة من أستاذ جامعي، أو يسكت عنها ينتفض دفاعا عن الشرف الرفيع وهيبة التعليم والمعلم، حين ترقص أستاذة في بيتها أو مدرّسة في رحلة ترفيهية. لا يعنيني إن كنت تقبل منها الرقص أم لا؟ فهذا اختيار شخصي لكل منا لا يمكننا فرضه على الآخرين، لكن القضية في ثورة مجتمعية مفتعلة دفاعا عن فضيلة مدّعاة وتُنتهك كل يوم تحت أعيننا، ثم في إجراءات تأديبية لفصل الأستاذتين. من فصلوا المدرسة كان عليهم البحث عمن قام بالتصوير ونشر الفيديو لفضحها، ليتم ردعه ومحاسبته، فهي جريمة أخلاقية حتى لو لم تكن مخالفة للقانون. لكنهم أيضا جزء من مسرح العبث الذي صرنا نعايشه كل يوم.

آثار مصرية

“إننا كآثاريين وعلماء آثار مصرية، لا نعلم على وجه اليقين من هو الفرعون الذي عاش في عهده سيدنا موسى عليه السلام، كي نقول إن فرعون موسى هو الملك رمسيس الثاني على وجه التحديد”. ومن الجدير بالذكر والكلام للدكتور حسين عبد البصير في “الوفد”، أن الله سبحانه وتعالى لم يحدد لنا اسم ذلك الفرعون؛ كي يترك لنا الأمر مفتوحا من أجل التنفير من كل تجبر وظلم وطغيان، في كل زمان ومكان، كما أننا لا نعلم من هؤلاء الذين قاموا بدراسة مومياء الملك رمسيس الثاني، وأين عثروا على هذه الأعشاب البحرية، التي أشار إليها أحد أعضاء هيئة كبار العلماء في الأزهر الشريف، وما الدليل عند فضيلته على أن الملك رمسيس الثاني مات غرقا. وقد قال فضيلة الشيخ في برنامج على قناة مصر الأولى، إن فرعون وجنوده بعدما لحقوا ببني إسرائيل، وهم في منتصف البحر انطبق عليهم، فقال فرعون آمنتُ بالذي آمنت به بنو إسرائيل، مشيرا إلى أن فرعون نجا ببدنه، ورغم غرقه وهلاكه، فإن المياه لفظت جسده إلى الشاطئ، مستدلا على ذلك بقول الله سبحانه وتعالى: «فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَة»، موضحا أن جسد فرعون تم تحنيطه، وعندما تم إجراء اختبارات على جثة رمسيس الثاني وجدوه قد مات بإسفكسيا الخنق الناتج عن الغرق، ووجدوا بعض الأعشاب البحرية في داخله للتأكيد على أن هذا هو فرعون موسى، وأن الله قد أبقى هذه الأعشاب ليقول إن ذلك هو فرعون موسى.

فراعنة من يومهم

حقيقة الأمر التي انتهى إليها الدكتور حسين عبد البصير، أن لدى عدد كبير من المصريين وغيرهم، اعتقادا بأن «الفرعنة» والتجبر والاستبداد والديكتاتورية والطغيان، صفات حكام مصر منذ عصر الفراعنة، ويطلقون عليهم جميعا لقب «فرعون» وجمعهم «فراعنة» دون أدنى استثناء، وكذلك يطلق المصريون أنفسهم وغيرهم على الشعب المصري كله لفظ «فراعنة». وجاء هذا الاعتقاد نتيجة لما ورد في الكتاب المقدس (العهد القديم) والقرآن الكريم عن طغيان وتجبر وتكبر وتأله الملك المصري القديم الذي أطلق عليه لقب «فرعون»، دون أن يُسميه، وعاش في عهده نبي الله موسى عليه السلام، كما سلف القول. ومع التسليم بما جاء في الكتب السماوية عن فرعون موسى عليه السلام؛ فإنه لا يجوز اتهام كل حكام مصر الفراعنة بصفات الطغيان ذاتها، والتأله والتجبر التي كان يتصف بها ذلك الفرعون المذكور في تلك الكتب، فكان من بين حكام مصر الصالح والطالح، والمؤمن والكافر، والقوى والضعيف والعادل والظالم وغيرهم، ولا يمكن في أي حال من الأحوال إطلاق لقب «فراعنة» – الذي كان يطلق على الحكام الفراعنة فقط – على كل المصريين من أفراد الشعب المصري؛ لأنه من غير المنطقي أن يُطلق لقب «قيصر» – الذي كان يخص الإمبراطور الروماني – على كل أفراد الشعب الروماني أو الروم. إن لقب «فرعون» لم يكن يدل على تجبر كل الحكام المصريين، وكذلك لم يكن يدل على شعب معين أو جنس محدد؛ وإنما هو لقب إداري بحت يشير إلى حكام مصر القديمة.

حرام أم حلال؟

دعا عبد القادر شهيب في “الأخبار” شيخ الأزهر ومفتي الديار المصرية ومعهما عدد من علماء الأزهر لأن يؤكدوا لنا أن تهنئة المصريين المسيحيين بعيدهم حلال شرعا، ولا تتعارض مع أحكام الدين الإسلامي، ولا تنتقص من تدين المسلم. ما زلنا حتى اليوم نحتاج لمن يذكرنا أن تهنئة المصري المسلم للمصري المسيحي في يوم عيده حلال شرعا، ولا تتعارض مع أصول الدين الإسلامي، ولعل سبب ذلك يرجع إلى أن عملية نشر التطرّف الديني بدأت منذ وقت مبكّر في البلاد من خلال لعبة الحلال والحرام التي مورست على نطاق واسع في بلادنا.. لقد شاع أن التطرّف الديني في البلاد بدأ في السبعينيات من القرن الماضي، واقترن بإعادة جماعة الإخوان للحياة والنشاط مجددا، واحتضان الجماعات الدينية داخل الجامعات.. وهذا ليس صحيحا، فإن مصر بدأت التعرض مبكرا لعملية ممنهجة ومخططة لنشر الفكر الديني المتطرف في عشرينيات القرن التاسع عشر، من خلال منابر مدعومة وممولة من الخارج.. وفي هذا المناخ تأسست جماعة الإخوان عام 1928، الذي ساعدها هذا الفكر المتطرف على النمو السريع والانتشار الكبير في غضون أعوام قليلة، حتى صارت في الأربعينيات من القرن التاسع عشر أكبر وأغنى منظمة سياسية في البلاد، رغم شعبية حزب الوفد وقتها.. أما فترة الخمسينيات والستينيات فإنها كانت استثناء مؤقتا سرعان ما استرد بعدها دعاة التطرّف الديني قدرتهم على نشر دعواتهم وفتاواهم المتطرفة، في ربوع المجتمع، لنحصد نحن ثمارها المسمومة التي صنعت لنا وحوشا آدمية ونفوسا خربة، تكره أن يسود الإخاء والسلام والمحبة مجتمعنا.

على وجه السرعة

شدد محمد الشماع في “الأخبار” على أن مناشدة رئيس الجمهورية لرجال الأعمال للمشاركة في تمويل خطط التنمية الوطنية مسألة مهمة، يجب أن نتوقف عندها، إذ ليس تلك المرة الأولى التي تتقدم أعلى سلطة سياسية في الدولة بهذه المناشدة، في المرة الأولى كان طلعت حرب يتوجه إلى الرأسمالية الوطنية المصرية، لإنشاء بنك مصر كبنك وطني يتم تمويله برؤوس أموال مصرية. وكان هدف البنك هو إنشاء صناعات وطنية وتشغيل أياد عاملة مصرية. الآن، رغم محاولات الاحتلال إفشال التجربة المصرية. كان ذلك درسا يميز بين الرأسمالية الوطنية، التي ساهمت في تأسيس بنك مصر وتأسيس الصناعة المصرية، وبالتالى بين الرأسمالية العميلة التي تواطأت مع الاحتلال الإنكليزي لتدمير تجربة بنك مصر، أو التخلص من طلعت حرب الاقتصادي الأشهر. ذلك مدخل مهم لفهم أهمية أن تمتلك الطبقات الرأسمالية، ورجال الأعمال رؤية وطنية، وألا تتصرف بمعزل عن القضايا المصرية التي تشغل بال الأمة المصرية، فإذا ما تحركنا في التاريخ بضع سنوات فسوف نصادف ثورة يوليو/تموز وسوف نستمع إلى عبدالناصر وهو يناشد الرأسمالية الوطنية المصرية، بأن تساهم بأموالها في خطط التنمية وتوسيع القاعدة الصناعية. الرأسمالية الوطنية لم تكن تملك الأفق السياسي، الذي يجعلها تقرأ الواقع وتستشرف المستقبل وبذلك أحجمت عن المساهمة في مشاريع التنمية التي كان يطرحها النظام المصري في ذلك الوقت، ولو فعلت لتغير مسار التاريخ المصري، ذلك الإحجام عن المشاركة في البناء الوطني. وها هو الرئيس السيسي يناشد الرأسمالية الوطنية ورجال الأعمال المساهمة في برامج التنمية وتلك قضية ملحة ومهمة لأننا نحتاج إلى برامج للبناء ورفع سقف التشغيل نظرا للزيادة السكانية التي طرأت على تكوين الشعب المصري، والتي تحتاج إلى برامج للتشغيل لا تستطيع الدولة أن تقوم بها وحدها.

وصلنا إلى هنا

في يوم من الأيام والكلام لفاروق جويدة في “الأهرام” كانت في مصر صناعة فريدة تميزت بها مجموعة من دور النشر التاريخية، وكانت مصدر إشعاع على كل الدول العربية.. واستمدت دورها من خلال إنتاج ثقافي وفكري وإبداعي متفرد، وساعد على ذلك وجود نخبة من كبار المبدعين والمفكرين والفنانين والكتاب.. وفي ظل هذا المناخ الثقافي والفني والفكري تحولت القاهرة إلى أهم مراكز النشر في العالم العربي.. ولا شك في أن وجود مراكز إشعاع في مصر شجع على هذا الزخم في إنشاء دور النشر.. كان للأزهر الشريف دور كبير في نشر الثقافة الدينية، من خلال علماء أفاضل فتحوا الأبواب للاجتهاد.. ابتداء بالإمام محمد عبده، وانتهاء بآل عبد الرازق وخالد محمد خالد والعقاد وطه حسين والشيخ شلتوت.. وقد شاركت هذه الأسماء في تشجيع صناعة النشر، وتخصص بعضها في نشر الكتب الدينية.. على جانب آخر كان إنشاء جامعة القاهرة حدثا فريدا إبداعا وفكرا ونشرا، ومنها خرجت أسماء أضاءت العقل العربي ومهدت لمناخ ثقافي وفكري شديد الثراء والتأثير.. على جانب آخر كانت الحركة السياسية في مصر من أهم أسباب صحوتها الفكرية، وقد انعكس ذلك على الأحزاب السياسية وظهور رموز الحركة الوطنية.. وكان الحراك السياسي ودعوات الاستقلال وحرية وتعليم المرأة والانفتاح الحضاري والفكري والإبداعي من أسباب ازدهار حركة النشر في مصر في هذا الوقت.. كان ظهور دور النشر الكبرى في مصر وواكبتها صحوة إبداعية واسعة تمثلت في ظهور رموز كثيرة في ساحة الإبداع المصري، فكرا وأدبا وفنونا.. وهنا كان انطلاق دور النشر المصرية بكل ثرائها الفكري المتنوع مثل، دار المعارف ودار السحار والقومية للنشر ودار الشروق ونهضة مصر والدار اللبنانية ودار المصري ومركز الأهرام للنشر والترجمة، وهناك دور للنشر تخصصت في نشر كتب التراث.. كما شهدت الساحة إنشاء دور نشر حديثة.. هناك مشاكل حقيقية تواجه الآن دور النشر المصرية منها: تراجع مستوى القراءة وعزوف الأجيال الجديدة عن القراءة، كما أن التكنولوجيا الحديثة، النت وفيسبوك وأنستغرام ووسائل التواصل الاجتماعي تركت آثارا سلبية على إقبال الناس على القراءة.. إلى جانب الفضائيات وما تقدمه من ثقافة ضحلة أصبحت تغري الناس.. فضلا عن ارتفاع أسعار الخامات في صناعة النشر.

لن تموت

أكد علاء ثابت في “الأهرام” أن الصحافة القومية أكبر من مجرد حصرها في الصحف الورقية، التي تصدر عن المؤسسات القومية. ولعلي لا أكون مبالغا إذا قلت، إن ما يجري من حصر الصحافة القومية في مجرد الصحف الورقية الصادرة عنها، إنما يستهدف في الأساس الحكم عليها، بأن مآلها إلى زوال مع تلك الصحف الورقية، لتجريد الدولة من أحد أهم حصونها. الصحافة القومية تعبر عن مهنة بقواعد راسخة هي مهنة الصحافة، أيا كان الوسيط الذي يحملها إلى القارئ، صباح كل يوم كما في الصحف الورقية، أو لحظة بلحظة كما في الصحف الإلكترونية وما شابهها. ولأن الصحافة القومية أكبر من كونها صحفا ورقية، ولأنها تحملت وما زالت تتحمل الكثير من الأعباء والضغوط الناتجة عن أمور ليس لها علاقة في الغالب بالجانب الصحافي، فإن مشكلاتها أيضا أكبر مما قد تعانيه صحيفة هنا، أو هناك. والجيل الراهن في الصحافة القومية يتحمل وزر مشكلات كثيرة تراكمت عبر سنوات طويلة، نتيجة السياسات التي اتبعتها إدارات المؤسسات القومية السابقة، وكذلك السياسات التي اتبعتها حكومات سابقة أيضا. حال الصحافة القومية الآن مع الفارق يشابه حال الدولة المصرية، التي عانت عبر عقود ماضية سياسات تغاضت عن التعامل الجدي مع المشكلات، مفضلة سياسة المسكنات، حتى وصلنا إلى ما وصلنا إليه، ويسعى الرئيس عبدالفتاح السيسي بكل جرأة لمعالجة تلك المشكلات، التي تحول بعضها إلى أورام خبيثة كادت تسقط الدولة. مرحلة التعافي والاستشفاء، التي تمر بها الدولة منذ سبع سنوات حتى الآن، بعد أن ظن البعض أنها قد سقطت وأن محاولات إفاقتها تبدو محفوفة بالمخاطر، إن لم يكن بالفشل، ستكون لها آثارها الإيجابية على حال الصحافة القومية. والمتابع المنصف لما يحدث في الصحافة القومية حاليا لا بد أن يلمس بوضوح حجم التغيير الجاري والقدرة على التصدي، لآثار مشكلات ورثتها الصحافة القومية منذ عقود، انطلاقا من أن تلك الصحافة تمتلك كل مقومات الإفاقة أو «الريمونتادا». آخر وأوضح الأدلة على ذلك ما خرج عن اللقاء الذي جمع رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي مع المهندس عبد الصادق الشوربجي رئيس الهيئة الوطنية للصحافة. فاللقاء يؤكد أولا مدى تقدير الحكومة للدور الذي تقوم به الصحافة القومية، ومدى حرص الحكومة على مساعدتها للتغلب على التحديات التي تواجهها.

بالقرب منا

نتحول نحو الأشقاء بصحبة سليمان جودة في “المصري اليوم”: إذا تكلمنا عن السودان، فإننا نتكلم عن حدودنا الجنوبية المباشرة، وإذا تكلمنا عن ليبيا، فإننا نتكلم عن حدودنا الغربية المباشرة أيضا. والمؤكد أن القاهرة لا يسعدها شيء قدر سعادتها بأن تكون الأمور في الخرطوم على ما يُرام، وأن تكون الأحوال هادئة في العاصمة الليبية طرابلس الواقعة أقصى غرب البلاد.. تسعد القاهرة بذلك لأن الحدود مباشرة، ولأن الهدوء هناك هو هدوء هنا بمعنى من المعاني، ولأن مصر لم تكن صاحبة أطماع في هذا البلد العربي المجاور ولا في ذاك، ولكنها كانت حريصة على أن تكون ثروات ليبيا لأبنائها، وأن يكون النيل رابطا لا ينفصم بين الشعبين في الوادي الممتد للنهر الخالد. وفي مرحلة ما بعد نظام حكم عمر البشير الذي سقط في ديسمبر/كانون الأول 2018 في السودان، كانت البلاد أمام فرصة ذهبية لوضع نفسها على طريق المستقبل، وكانت هذه الفرصة هي وجود الدكتور عبد الله حمدوك في رئاسة الوزارة، ولكنه أُقيل مرة، واستقال مرة ثانية، وضاعت الفرصة على السودان، الدكتور حمدوك حاصل على الدكتوراه في الاقتصاد الزراعي، وهو صاحب خبرة عملية في المؤسسات الاقتصادية الدولية، ويملك علاقات جيدة معها، ويحظى بقبول لدى دوائر الغرب السياسية التي تُبدى استعدادها لمساعدة السودان.. ومع ذلك فقد غادر الرجل لينطبق على بلاده ما قاله الشاعر عن الأندلس الضائعة: لكل شيء إذا ما تم نقصان. وكانت أمام ليبيا فرصة مماثلة للفرصة السودانية، وكانت تتجسد في انتخابات البرلمان والرئاسة، التي كان من المقرر لها أن تجري في الرابع والعشرين من الشهر الماضي.. ولكنها تأجلت في آخر لحظة، وقيل إنها ستجرى في الرابع والعشرين من هذا الشهر، وهو الأمر الذي لا يزال محل شكوك إلى الآن. كانت الانتخابات المؤجلة فرصة لم تجدها ليبيا سانحة منذ سقوط نظام حكم القذافي في 2011، وكانت فرصة أمام البلاد للخروج من قبضة عشر سنوات كاملة من الضياع وإهدار ثروات النفط والبشر.. ولكنها فرصة لحقت بالفرصة الضائعة في السودان سواء بسواء. ضاعت الفرصتان في العاصمتين، وكانتا فرصتين أمام شعبين عربيين يشتاقان إلى شيء من العيش الكريم، أكثر منهما فرصتين أمام حكومتين في مقاعد الحكم.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية