كثيرة هي وجوهنا التي تختبئ في وجه واحد

حجم الخط
0

كثيرة هي وجوهنا التي تختبئ في وجه واحد

بشير مفتيكثيرة هي وجوهنا التي تختبئ في وجه واحدثمة وجوه كثيرة تحضر في الذاكرة بمجرد أن نستدعيها، ووجوه أخري تغيب بحيث لا يبقي من ذكراها إلا ملامح غامضة يتخللها ضباب يبعد عنا دقة التمييز والتحديد، وكثيرا ما شعرت أن نسيان ملامح بعض الوجوه لا يعني أنها لم تكن مهمة أو عادية في حياتنا، أو قليلة التأثير والفعالية، إن الوجوه التي ننساها عادة ما تكون مهمة ومؤثرة، لعبت دورا في سنوات عمرنا الأول أو الثاني أو الثالث أو الأخير، ولعل ذلك الدور الفعال هو الذي يغيبها بعد ذلك. لطالما حاولت تذكر وجه معلم العربية في المدرسة الابتدائية بحي المدنية دون جدوي، رغم أن هذا الوجه كان مرسخا في رأسي، وكان له تأثير كبير علي حياتي.ما أذكره فقط، هو الانطباعات العاطفية التي كنت أمتلئ بها سنواتها، الاحترام من جهة، والكراهية الشديدة من جهة أخري، كان يملك وجهين، في مرات كان وجهه بريئا وطيبا، وفي أخري عنيفا وقاسيا، مرات كان وجهه ملائكيا يفيـــــض بالصدق والطهر والشرف، وأخري باردا ومعــــتديا وقادرا علي الأذي، بل قادرا علي فعل كل المنكرات بنا نحن الصغار. درست عند ذلك المعلم ست سنوات ومع ذلك لا اقدر علي استعــــادة ملامحـــه بالصـــــورة التي كان عليها، وبالشـكل الذي كنت أمقته به وأحترمه كذلك به. نفس الشيء بالنسبة لمعلمة الفرنسية والتي درست عندها في السنة ثالثة ابتدائي، والتي لن أنسي فضائلها علي، أو مساعدتها لي ما قدرت علي الحياة بالرغم من أنني لم أعد أتذكر وجهها قط، وعندما أحاول جاهدا تحقيق ذلك، تبقي لحظة مشرقة في ذاكرتي بنور جليل، وجها أبيض ومستطيلا، عينين غامقتين حادتين، وابتسامة مشرقة تعطي لوجهها بهاء منقطع النظير، كان ذلك إثر تفاجئي بزيارتها لبيتنا، وتحدثها مع أمي. كان تنقلها إلي البيت ومحاولتها فهم سر تأخري المدرسي في حد ذاته شيئا عظيما لم يفعله أحد من اجلي، وأذكر أنه كان لزيارتها تلك أثر السحر علي، فلقد انتقلت من التلميذ الكسول والصامت طوال وقت الدراسة إلي المجتهد والمتحدي والذي يريد أن يثبت لمعلمته أنه يقدر الجميل، ويرد بأحسن منه.تلك الوجوه التي غابت الآن ولم تعد تحفل بها الذاكرة علي الإطلاق، تبقي حتما مخبأة في مكان ما من طبقات الذهن، وتنتظر فرصة لتطل من النافذة وتثبت الحضور.وجوه عندما نلتقي بها بعد سنوات طوال نعرفها فجأة، نكتشف أنها رغم الزمن تبقي تحتفظ بنفس الخطوط والملامح، تتطابق الصورة الماضية مع الصورة الآنية، تصبح واحدة، ونتبادل بعدها نفس العبارات لم يتغير فيك أي شيء . ولكن هناك وجوها تتغير، ووجوها تبقي صامدة، وجوها تحمل نفس العلامات، وأخري تحول علاماتها القديمة إلي علامات مختلفة، ويتحول الوجه معها، من ذلك الذي كان عليه، إلي الذي هو الآن عليه، وجه آخر بسمات أخري، تشعر أحيانا أن الوجه الأول اختفي وامّحي وقد غطي بطبقة جلدية جديدة قد نسميها قناعا ربما، أو شيئا من هذا القبيل.وجوه تختفي، ووجوه تندس بين خلايا الذاكرة. وجوه تبقي حية وأخري ميتة، وجوه تموت من أول رؤية ومن أول مشاهدة، تتركها تغيب عنك، وجوه العابرين التي لا نحفل بها، والتي نتركها تمر مرور الكرام من أمام أعيننا، والتي تملأ ساحة الوجوه بكاملها، الوجوه الكثيرة التي نصادفها في الشارع والتي لا نحفل بها، والأخري التي نشاهدها علي التلفزيون والأفلام والمسلسلات، والتي نقرأها في المجلات والجرائد، أو علي أغلفة الكتب والمنشورات، وجوه كثيرة لها سماتها التي تميزها، وجغرافيتها التي تحددها وأوصافها التي تجعلها شيئا خاصا أو مشاعا، تجعلها تحمل ما هو مشترك بين كل الوجوه، وما هو منفرد خاص بكل وجه.ـ 2 ـوإذ استعيد وجهها بسهولة ويسر أظن لأنها كانت خيالا ملتهبا ومشتعلا في ذهني فلا أفرط فيه ولا يفرط في، شعوري بأنه وجه لا ينسي بسهولة، فيظل محفورا في طيات الذاكرة ونزقها ومنعرجاتها، يظل هناك حيث تبتغي رؤيته يطل عليك، فلا تخاف من نسيانه أو تتحرج من تذكره، ذلك هو وجه من نحب، فالحب يعطي للوجه بلاغة رمزية، وعنفوانا جماليا قل له نظير، ومع ذلك كثيرا ما حاولت تذكر وجه أمي وأنا طفل صغير فلا يحضر، أحاول جاهدا استحضاره وأنا في تلك السن فلا اقدر إلي ذلك سبيلا، وجه أبي لم انسه قط، أما أمي التي أحبها فوق كل حب، فلم افلح قط في ذلك، لقد تعودت علي صورة أمي الحالية في شكلها الحالي، في صورتها العجوز، لم أتصورها قط في سن أخري حتي إذ بها تفاجئني منذ أيام فقط بصورة عثرت عليها في ألبوم إحدي خالاتي فأخذتها منها فرحة وهي تقول لي ـ أنظر إلي شكلك وأنت في الخامسة من عمرك ـ ، وعلي قدر ما كان مغريا النظر إلي شكلي في ذلك السن، كان المحير والمدهش لحظتها هو وجه أمي، واحترت وأنا أسأل أختي التي تكبرني بعام إن كانت تتذكر عكسي تماما أمي في تلك السن فأجابتني أختي بنفس حيرتي ودهشتي، لقد بقيت متسمرا أمام صورة أمي وهي في الأربعين من عمرها، موردة الوجه والخدين، وهي تحضنني بحنان عميق ومحبة كبيرة، أي شيء كان أعظم لي من تلك اللحظة، التي صار لأمي وجه أتعلق به من جديد، وأستطيع ربط حلقات ماضي به، فرحا ومزهو الخاطر، سعيدا لأبعد حد.ـ 3 ـأنظر إلي وجهي في المرآة..لطالما شعرت بأنني لا أري وجهي لوحده فقط، ولكن كل الوجوه التي مرت علي وجهي، كل تلك الوجوه التي كنتها حتي ذلك الوجه والذي حتما سيتغير فيما بعد، الوجه يتغير ما في ذلك شك، وأحيانا يحافظ علي سمات مرحلة معينة كأن نقول عن هذا الشخص أنه يملك وجه طفل رغم أنه في سن الكهولة..كثيرا ما يخدعنا الوجه، ما يثير حيرتنا وحتي يفجر أسئلتنا المتعددة، مع أننا نقر بأنه نافذة علي روح الشخص، علامته المميزة إن لم اقل هويته الدائمة..ثمة وجوه مليئة بالاسرار ولا نشبع من تأويلها، وهناك وجوه أخري يمكن قراءتها كصفحات كتاب، الوجوه تتشابه في مرات، وتختلف في مرات كثيرة، بل يكاد يكون لكل وجه ملمح، لكل وجه ما يغايره عن بقية الوجوه..الوجه صورة مادية حتما لكنه يملك قوة الروح وجلالها، هذا الوجه نوراني، هذا الوجه شرير، هذا الوجه ساحر، هذا الوجه مخيف، إن الأوصاف التي نلحقها هي نتاج حالاتنا النفسية وما يتركه من اثر عليها في لحظة معينة..أذكر أن أول وجه أثارني بشكل كبير هو وجه جدي من أبي، كان ميتا ولكن صورته المعلقة بالقرب من سرير أبي والتي بدأت أتعود علي منظرها منذ صغري حتي اليوم كانت تجعلني اشعر بحضوره القوي بيننا..وجه شاعري ، كثيف البياض، رجل في السبعين من عمره، بلحية بيضاء هي الأخري، بل كانت تظهر لي الصورة بيضاء في أعلي درجات كمالها، وكثيرا ما شعرت أن لذلك علاقة بما كان يحمله من سمات الخير والكمال والإيمان والتقوي..حتي الآن عندما أزور بيتنا أشعر بأنني سأزور ذلك الوجه ايضا، أتبرك به، والعجيب أن مكانه لم يتغير قط، إنه ثابت وحي يرزق..كثيرا ما دخل وجه جدي في مناماتي وأحلامي..كثيرا ما اخترق مناطق الغياب وسجل حضوره السحري..كثيرا ما شعرت أن وجهه كان يحمل سرا علويا كبيراكثيرا ما جعلتني حكايات والدي الأسطورية عن كراماته أغيب عن الواقع وأغطس في عوالم خارقة وبطولات لا قبل لي بها..مستشعرا ذلك الحضور الذي يعضد حركاتي وسكناتي. بلغ أبي اليوم السبعين من عمره وصار وجهه يشبه وجه جدي، صار لهما تقريبا وجه واحد، أجلس إليه أحيانا وأنظر إلي الصورة المثبتة في الجدار وإلي وجه أبي، اشعر بأنهما الآن متطابقان، وأتساءل إن كنت أنا أيضا، إن كتب لي العيش حتي ذلك السن، هل سأحمل نفس الوجه، نفس الملامح، تلك النظرة الثاقبة ذاتها، ذلك البياض، أرد طبعا -لا أدري- ولكن في أعماقي كم أتمني ذلك.كاتب من الجزائر0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية