على مدار اليومين الماضيين، احتفلت العاصمة السورية دمشق بحدث فريد في مشهدها الثقافي، مع إدراج أول عنصر ثقافي لا مادي سوري على قائمة الصون العاجل في منظمة التربية والعلم والثقافة “اليونسكو”، وهو عنصر مسرح خيال الظل الذي يتألف من دمى متحركة خلف ستارة قماشية، وتلعب فيه دور البطولة الشخصيتان التاريخيتان “كراكوز” و”عيواظ”.
ففي اجتماع اللجنة الدولية الحكومية لصون التراث الثقافي غير المادي والتابعة للمنظمة الأممية الأسبوع الفائت، تم إقرار إدراج عنصر مسرح خيال الظل السوري ضمن تلك القائمة إلى جانب ثمانية عناصر أخرى عربية وغربية منها “الأراجوز” أي الدمى التقليدية المصرية، وهذا المسرح هو أول عنصر من عناصر التراث الثقافي اللامادي السوري، والذي ترشحه سوريا للإدراج على قائمة اليونيسكو بهدف الحفاظ عليه من الاندثار.
وشهدت دمشق بهذه المناسبة مجموعة من الفعاليات هدفت لإحياء مسرح خيال الظل وإعادة التعريف به خاصة للأطفال الذين لم يحظوا بفرصة معاصرة هذه الثقافة من قبل، وأيضاً تكريماً لآخر “المخايلين” أي العاملين في مجال تحريك الدمى في دمشق، شادي الحلاق، والذي يعمل منذ سنوات على إحياء هذا الفن الذي تعلّمه من الكتب، وإعادة الروح لكل من كراكوز وعيواظ بعد أن كاد يلفهما النسيان.
من هما “كراكوز” و”عيواظ”؟
يتكون مسرح خيال الظل من مجموعة من الدمى المصنوعة من الجلود المجففة ذات الألوان المتباينة، والتي تتراوح أطوالها عادة بين 30 و50 سنتيمتراً، وتحرّك بعصي خشبية من وراء ستارة قماشية يسّلط عليها الضوء، ليرى الجمهور القابع أمام الستارة ظل الدمى المنعكس عليها، ولتتحول هذه الدمى لأبطال مسرحيات تناقش قضايا سياسية واجتماعية وتاريخية غالباً بطريقة فكاهية.
ويعرف الشخص الذي يحترف مهنة تحريك الدمى والنطق بالحوار الذي يدور بينها باسم “المخايل” أو “محرك الشخوص”، وعادة يكون فناناً محترفاً قادراً على التحكم بالشخصيات وتحريك أجزاء عديدة منها مع وجود مفاصل في يديها وقدميها، وأيضاً الحديث بلهجات مختلفة وحوارات ذات مواضيع متعددة.
تُرجع الروايات التاريخية مصدر مسرح خيال الظل إلى آسيا الوسطى، وعلى الأغلب الصين أو الهند، والتي شهدت أولى هذه العروض بشكلها البدائي قبل الميلاد ببضع مئات من السنين. وفي العصر العباسي أي حوالي القرن الثاني عشر، انتقل هذا الفن للعالم العربي، وكانت شخصياته الأساسية عبارة عن دمى لها شكل حيوانات برأس بشري، كي تكون قادرة على النطق.
وفي العصر العثماني دخلت شخصيات إنسانية لمسرح خيال الظل الذي كان آخذاً في الانتشار ضمن كثير من أراضي الامبراطورية العثمانية وخاصة تركيا واليونان، ليتم ابتكار شخصيتي كراكوز وعيواظ أوائل القرن الخامس عشر، حيث يعود أصل اسم “كراكوز” إلى “قرة كوز” أي العين السوداء، واسم “عيواظ” إلى “هاجي واظ” أي الحاج عوض. واشتهرت هاتان الشخصيتان بصراعهما الأزلي خلال العروض التي يقدمانها، حيث يستمر كراكوز بوضع صديقه عيواظ في مواقف هزلية، ويضطر الأخير لتقبل مزاح ومقالب الصديق بروح مرحة.
ويحكى أن كلاً من كراكوز وعيواظ كانا على قيد الحياة يوماً ما، وكان يعملان كمهرجين لأحد السلاطين العثمانيين. ولدى تفوههما بكلام بذيء أمام السلطان ذات يوم أمر بقطع رأسيهما، وبعد تنفيذ الحكم تراجع عن قراره وطالب بإحضار المهرجين ليمثلا في حضرته، فلم يكن أمام الجلاد المذعور من أوامر السلطان إلا محاولة التحايل وصنع دميتين كبيرتين من الجلد على شكل كراكوز وعيواظ وتحريكهما وإقناع السلطان بأنهما يخشيان الظهور أمامه خجلاً، ويفضلان البقاء وراء الستارة التي تعكس ظلهما.
وانتقلت بعد ذلك حكاية الرجلين وطريقة صنعهما وتحريكهما إلى المقاهي الشعبية والأماكن العامة، وانتشرت مسرحيات كراكوز وعيواظ في أنحاء سوريا حتى ما بعد انتهاء الحكم العثماني، حيث تحولت لفن يعمل على إمتاع المشاهدين وأيضاً الترويح عنهم من خلال حكاية قصص تعكس واقع الناس وتقول ما لا يجرؤون على قوله في الحياة العادية، واتخذت شخصيتا كراكوز وعيواظ أشكالاً مختلفة في كل محافظة سورية، لكن أشهرها كانت الشخصيتان الدمشقيتان اللتان عرفتا بدقة الصناعة وباللهجة الدمشقية الأصيلة.
ماذا يعني الإدراج على قائمة الصون العاجل؟
الكثير من العناصر الثقافية في دول العالم، سواء كانت مادية ملموسة أم لا مادية ومتناقلة بشكل شفوي، تتعرض وبشكل متزايد عاماً بعد آخر لخطر الإهمال والزوال والتدمير، نتيجة العديد من العوامل على رأسها العولمة والتحول الاجتماعي والافتقار للموارد اللازمة لحمايتها من التدهور.
ونظراً لأهمية التراث الثقافي غير المادي بوصفه بوتقة للتنوع الثقافي، ونتيجة ارتباط هذه العناصر بهوية الشعوب على اعتبار أنها تمثل الثقافة الموروثة من الأجداد، اعتمدت منظمة اليونسكو عام 2003 اتفاقية لصون التراث الثقافي غير المادي واحترامه والتوعية على الصعيد المحلي والوطني والدولي بأهميته وأهمية تقديره.
وتشجع هذه الاتفاقية الدول المصادقة عليها، وعددها اليوم أكثر من 160 دولة، على تكريس العناصر التي تكوّن هويتها الثقافية وحمايتها في وجه ما يهددها من أخطار، وأيضاً ضمان نقلها للأجيال القادمة مما يساهم في تعزيز الهوية والشعور بالانتماء. وتخضع العناصر المسجّلة في قائمة اليونسكو لعملية مراقبة مستمرة حيث تطالب الدول ذات العلاقة بتقديم تقارير دورية عن حالة تلك العناصر والتدابير المتخذة لحمايتها ومدى مساهمة المؤسسات والمنظمات والمجتمع في ذلك. وفي حال فشل الدولة بحماية أي عنصر من عناصرها الثقافية تعمد اليونسكو لإزالته عن اللائحة وتعتبر بأن عاقبة ذلك تقع على المجتمع الحاضن لتلك الثقافة والذي سيخسر إحدى ميزاته الثقافية التي تساهم بشكل أو بآخر في تحديد هويته.