كلمة فوبيا إغريقية معناها الخوف أو الهلع أو النفور الشديد من شيء ما أو فكرةٍ ما. وكانت الكلمة أول الأمر تُستعمل في مجال الطب مثل “هايدرو فوبيا” أي الخوف من الماء، قريباً من النهر أو البحر. وفي العقود الحديثة استحدثوا لها إطاراً سياسياً هو إسلاموفوبيا: كراهية الإسلام أو النفور منه. ولا نعلم أيَّ نوعٍ من الفوبيا سيظهر لنا في يومٍ من الأيام، من جانب أصحاب السياسة أو أدعياء الدين.
وكراهية السود أو الخوف منهم قد ارتبطت بالعبودية أو الرِق. والعبودية مسألةٌ معروفةٌ منذ أقدم الأزمنة حتى قبل الإغريق، الذين كانوا يأخذون بعض أسراهم من المغلوبين في الحروب بصفة عبيد أو رقيق، يستخدمونهم استخدامَ الغالب للمغلوب. ويُمكن لهؤلاء أن يستعيدوا حُرّيتهم إمّا بالمقايضة بين الغالب والمغلوب، أو بدفع المال أو الممتلكات لتحرير العَبد. وكانت أول ظاهرةٍ لارتباط سواد البشرة بالعبودية عام 1619 عندما جاءت سفينةٌ هولنديةٌ إلى المستعمرةِ الإنكليزية جيمز تاون في شمال شرق الأرض الأمريكية الجديدة وأفرغت حمولتها من 20 أفريقياً استُخدِموا عبيداً للمُستعمِر الإنكليزي للخدمة في المزارع. كان المُستعمِر الإنكليزي ذو البشرةِ البيضاء يتعالى على هذا الأفريقي الأسود. واستمر هذا الشعور إلى مشارف القرن العشرين، حيث كان البروتستانت الأنكلوساكسون البيض متعصّبين ضد هؤلاء السود البشرة.
لكن هذه الظاهرة في المدنيّة الأمريكية (لا أقول الحضارة الأمريكية، احتراماً لرأي شبنجلر، الذي يُميّز بين المدنية والحضارة) غير معروفة في الحضارة العربية الإسلامية. بلى، كان في الحروب في جاهلية العرب عبيدٌ يؤخذون من المغلوب. ولكن الإسلام قضى على العبودية وشجّع تحرير الرقيق من حروب سابقة على الإسلام جاعلاً “فَكّ رَقَبَةٍ” كفّارةً عن الذنوب. ولكن ليس في المصادر التاريخية ما يُشير أن العبودية في جاهلية العرب كانت مرتبطةً بسواد البَشرة. من المبادئ المعروفة التي بَشَّر بها الإسلام ما ورد في الحديث الشريف: “لا فَضلَ لعَرَبي على عَجَمي، ولا لأحمرَ على أسود… ولا لأبيضَ على أسودَ إلاّ بالتقوى” أي في طاعةِ الله. وثمة اختلافٌ بين المُفسِّرين حول معنى أحمر. ويرى الغالبيةُ أنها تُفيد غير الأسود، بل ربما “الأشقر”. ويَستدِلّون على ذلك بحديثٍ مُختلَفٍ عليه قليلا، بالإشارة إلى عائشة زوجة الرسول (ص) المعروفةِ بالحِكمةِ وسَعَةِ العلم. قال: “خذوا نصفَ دينِكم من هذه الحُمَيراء” وهو تصغير للتحبّب. ولا ندري إن كانت عائشة فعلاً شقراء أم ذات بشَرَةٍ فاتِحة اللون، غيرَ داكِنَتِه. ونخلص من هذا كلِّه أن العرب في جاهليتهم وفي إسلامهم لم يَكن لديهم أي تعصّبٍ ضد البشر من أصحاب البَشَرةِ غيرِ البيضاء.
وعلى النقيض من كراهيةِ سود البشرةِ، غير المعروفةِ في التراث العربي الإسلامي، ثمة مثالان يجب الوقوف عندهما: وهو أن الموهبةَ أو القُدرةَ على القيام بجلائل الأعمال هي التي تظهر في احترامِ صاحبِ البشرةِ غير البيضاء. بلال ابن رباح داكن البشرةِ الذي اعتنق الإسلامَ مُبكِّراً كان صاحبَ صوتٍ جَهوَري، فصار أول مؤذّن للصلاةِ في الإسلام. أمّا عنترةُ بن شدّاد فقد ولِد في بني عبس، من كِرام القبائل العربية، لكن أمّه كانت حبشية، ولا يعرف إن كانت مُستَعبَدة في إحدى حروب القبائل أو أنها كانت من الأحباش الذين كانوا يَرِدون إلى الجزيرةِ العربيةِ في الأنشِطة التجارية. ولكن نبوغ عنترة في قول الشِعر إلى جانب قُدراتِه البطولية في الحرب جعلت قبيلة بني عبس تتبنّاه غير آبِهةٍ بلونه غير الأبيض ولا الأشقر.
وحكاية المُتنبّي، الشاعر الكبير، وسُخريّته من كافور الإخشيدي ولونه الأسود، هي حالةٌ فريدةٌ في التراث العربي، لا يمكن أن تُعدَّ قاعدةً ولا دليلاً على كراهيةِ السود في التراث العربي الإسلامي. سخريةُ المتنبي من كافور مثال من الابداع في الوصف:
مَن علَّمَ الأسودَ المثقوبُ مِشفَرُهُ / أقومُهُ البيضُ أم آباؤه الصِيدُ؟
ولكنه سَخِرَ أيضاً من أهل مصر في تلك الزيارةِ التي لم تُحقق له مَطلبَه من النوال في مدح كافور الإخشيدي، فامتدَّت سخريتهُ إلى أهل مصر جميعاُ:
أغايةُ الدينِ أن تُحفوا شواربَكم / يا أمَّةً ضَحِكت من جهلها الأُمَمُ!
والتعريض بسواد كافور الإخشيدي هو جانبٌ من سُخريتهِ اللاذعةِ في المدح بما يُشبِه الذَمّ في قوله:
وما طربي لما رأيتُك بِدعةً / لقد كُنتُ أرجو أن أراكَ فأطربُ.
والصحيح: فأطرَبا؛ لكنّها حُكمُ القافية.
وقد استمر شعورُ العَداء والنفور تجاه الأشخاص ذوي البشرةِ الداكنةِ في المجتمع الأمريكي، وعلى مستويات مختلفةٍ، سواء في المدارس أو في الوظائف العامة، إلى أن حَدَثَ حادِثٌ يبدو بسيطاً في ظاهِرهِ ولكنّه كان ذا مغزى عميق في تأثيرهِ في المجتمع الأمريكي والحياة العامة. كان ذلك عام 1955 في إحدى ولايات الجنوب الأمريكي، حيث رفضت امرأةٌ ذات بَشَرةٍ داكنةٍ أن تترُكَ مَقعدَها في حافلةِ المواصلات العامة، لأن ذلك الكرسي كان في المنطقةِ المخصَّصةِ للبيض. وأثارت هذه الحادثةُ حركةَ احتجاجات عامة في الجنوب الأمريكي مُمتدّةً إلى بعض ولايات الشمال، حتى تزعّمَ الحركةَ رجل الدين مارتن لوثر كينغ فقاد مظاهرات عامة ومسيرَةً من رُبع مليون مواطن أمريكي من أصحاب البشرةِ البيضاء والداكنةِ معاً، مُتّجهينَ إلى البيت الأبيض في واشنطن. وكان ذلك في 28آب/أغسطس 1963 وكان
شعارالمسيرة: “عندي حُلُم” وهو ما بقي إلى اليوم يَتردّد في مسيراتٍ ضد التمييز العُنصري في أمريكا. وبعد ذلك بسنتين أي عام 1965 قرّر الرئيس الأمريكي ليندون جونسون إلغاء استعمال كلمة “نيكَرو” أو زنجي أو أسود واستعيض عنها بكلمة “أمريكي أفريقي” أي “آفريكن أميريكن” فصار بعض الشباب يتندّرون في استعمال المصطلح الجديد، وفي المطعم صاروا لا يطلبون “بلاك كوفي” بل يطلبون “آفريكن أميريكن كوفي”.
ولي تجربةٌ شخصيةٌ قد لا يكون من غير المناسب ذكرُها في هذا المجال. في جامعةٍ مشهورةٍ في أمريكا، كان لي زميلةٌ داكنةُ البَشَرة وذكيّةٌ جِداً، ومُتميِّزةٌ في دراستها. وذات يوم أُعلِن عن حفلةِ استقبال كبرى في الجامعة لتكريم فرقة أوبرا إيطالية وصلت إلى البلاد. سألتُ زَميلتي إذا كانت ذاهبةً إلى ذلك الاحتفال، فقالت بخجلٍ واضح: يا ليتني أستطيع. سألتها عن السبب، فأجابت بكل بساطة: لن يسمحوا لي بالدخول لأنني مُلوّنَه. قلتُ لها ببراءةٍ غير مُتكلّفة: أنا لا أرى على وَجهكِ أيّة ألوان قوس قزحيّة. ضَحكت من جهلي بمعنى مُلوّنَة وشرحَت: لأنّي سوداء البشرة. هل عندكم في بلادكم العربية أناسٌ سودُ البشَرة؟ قلت لها نعم، ولكن بالعربية لا نقول رجل أسود أو امرأة سوداء، لأن صفة السواد لا تُستعمَل إلاّ في وصف الشَعر أو العيون أو الملابس. ولكن عندنا صفة لداكن البشرة من الرجال والنساء، لا أحسَب أنها موجودةٌ في أي لغةٍ أوروبية وهي: أسمر، سمراء؛ وهي صفة تَحبُّبٍ تُستَعمل في شِعر الغَزَل قديماً وحديثاً. ومن بواكير أعمال أشهر شعراء العرب المعاصرين، نزار قباني، مجموعةٌ بعنوان: “قالت ليَ السمراء”. وقد نَحَت الفرنسيون صفة “برونيت” من اللون”برون” أي “بنّي” وهو غير بعيد من السواد، ولكن لا توجد منها صفةٌ للمذكر لا في الفرنسية ولا في غيرها. بينما في العربية عندنا أسمَر وسَمراء، وكلاهما من صفات التحبُّب.
إنبسطت أسارير زميلتي السمراء، وصارت تسألني مزيداً من أخبار بلادنا العربية بما يتعلق بالسَمراوات، وأضافت ما لم يَكُن بوسعي تنفيذه يَومَها، وهي أن أترجم لها ديوان “قالت لي السمراء” واكتفَت مؤقتاً أن أقرأ لها ماكنتُ أحفظه من “يُشاع في قريتنا أنتِ التي أُرجِّحُ/ إشاعةٌ أنا لها مُرَوِّجٌ مُسَبِّحُ/ وأدّعيها بفَمٍ يَملؤه التبَجُّحُ/ الشالُ لي والخالُ لي والأسوَدُ المُسرّحُ” وكان ذلك دفعةً أولى مع وَعدٍ أن تتبَعها دَفَعات.