واشنطن-“القدس العربي”: اتسعت الفجوة بين الكونغرس وتصور البيت الأبيض للسعودية في الأسابيع الأخيرة، ما أثار أسئلة صعبة حول مستقبل العلاقات الأمريكية-السعودية، إذ تراجعت مكانة المملكة في قاعات “الكابيتول هيل” إلى درجة توبيخ الرئيس، دونالد ترامب بسبب دفاعه عن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، في حين تواصل إدارة ترامب تقييم العلاقة باعتبارها حيوية لخططها الأوسع في الشرق الأوسط، وخاصة تقييد إيران.
تلك التوترات المتنافسة تعني أن الاستراحة الكاملة للعلاقات الأمريكية السعودية أمر مستبعد، ومن المرجح أن يجد ترامب صعوبة أكبر في العمل مع الرياض في المستقبل، الأمر الذي يربك الطرفين. ووفقا لما قاله، جيرالد فييرستين، السفير الأمريكي السابق في اليمن، فإن حال الإحباط ستسود مشاعر صناع السياسة في السعودية والولايات المتحدة ولكن سيكون هناك تعاون وتنسيق حول القضايا ذات المنفعة المتبادلة، وستكون هناك الكثير من البرودة في العلاقة.
وقد حظي القرار الذي يستهدف دعم الولايات المتحدة للتحالف الذي تقوده السعودية في حرب اليمن بزخم كبير، وقد هدد ترامب باستخدام الفيتو ولكن. ووفقا لاستنتاجات العديد من المحللين، فقد اتضح أن للسعودية مشاكل كبيرة في العلاقات العامة في واشنطن على الرغم من الأموال الطائلة التي تنفقها على جماعات الضغط.
وظهرت أول إشارة كبيرة على موقف السعودية في عام 2016 عندما أصدر الكونغرس قانوناً يسمح لعائلات ضحايا 11 أيلول/سبتمبر مقاضاة المملكة حيث مرت التدابير رغم الضغط المكثف، وتضاءلت وجهات نظر المشرعين حول السعودية خلال السنوات القليلة الماضية مع استمرار الحرب الأهلية، حيث تسببت الغارات الجوية للتحالف بمقتل الآلاف من المدنيين الأبرياء في الحرب، التي تسببت أيضا، في انتشار المجاعة ووباء الكوليرا، وتصاعد غضب الكونغرس مع تزايد عدد القتلى من سلوك السعودية. وكما قال السيناتور بوب كوركر من لجنة الشؤون الخارجية فإن السعودية تدرك أنها خسرت الكونغرس منذ سنوات، ولكن حتى مع قيام مجلس الشيوخ بمتابعة الضغط على إدارة ترامب، يواصل المسؤولون الأمريكيون تسليط الضوء على الأهمية التي يمنحوها للعلاقات الأمريكية السعودية.
وقد أعرب بعض أعضاء مجلس الشيوخ، أيضا، عن قلقهم من أنه عندما يختفي الغبار من المعركة التشريعية المقبلة فإن الولايات المتحدة ستظل في حاجة إلى علاقة مع السعودية للرد على طهران، وحذر السيناتور جون كورنين من رفع الراية البيضاء أمام إيران ولكنه اعترف بالتوترات في العلاقة الأمريكية السعودية وعدم وجود أي إجابات سهلة.
تحقيق مستمر
ولم تلتزم قيادة مجلس النواب من كلا الحزبين بعد جلسة الإحاطة بشأن السعودية باتخاذ إجراء تشريعي لمعاقبة المملكة على قتل الصحافي جمال خاشقجي، وقال الطرفان إنهما ينتظران نتائج تحقيق مستمر، ومنع الجمهوريون النواب من إجبارهم على التصويت خلال ما تبقى من السنة الحالية على المحاولات التشريعية لقطع الدعم الأمريكي لحملة السعودية في اليمن، وجاء هذا الموقف كرد متناقض صارخ مع مجلس الشيوخ الذي أصدر قراراً ينظر إليه على نطاق واسع على أنه توبيخ للسعوديين وترامب. ولكن نانسي بلوسي، رئيسة الأقلية في مجلس النواب، والرئيسة المقبلة للمجلس في الكونغرس القادم، قالت إنها تؤيد عقوبات على بن سلمان.
وحصل النواب على التزام من بومبيو للإدلاء بشهادته، مطلع العام المقبل، بشأن العلاقات الأمريكية-السعودية، واتفق العديد من النواب على أن الأمور لا تزال تدور حول كيفية إنجاز بعض التشريعات، وقال إليوت إنجل من لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب “يجب أن يتحملوا المسؤولية، هذا القتل لمروع صحافي ليس مجرد شيء يمكننا أن ننظر إليه في الاتجاه الآخر”.
وقال النائب الجمهوري ادم كينزينجر (إيلينوي) أنه سيدعم في الكونغرس المقبل أي دعوة لمعاقبة الأفراد المتورطين في الجريمة، وأضاف “اعتقد أنه حتى إذا لم يكن لدينا دليل قاطع على أن ولي العهد قد أمر بالجريمة، فنحن على يقين من أنه فعل ذلك، وأعتقد أننا في حاجة إلى ان نكون واضحين بشأن ذلك ولكنه حذر من اتخاذ خطوة من شأنها تغيير العلاقات الأمريكية-السعودية بشأن هذه القضية، وفسر هذا الموقف بالقول إن البديل عن وقف بيع الأسلحة للسعودية هو تمكين إيران”.
واكتسبت إجراءات مجلس الشيوخ قوة دفع كبيرة بعد جلسات إحاطة لرئيسة المخابرات المركزية الأمريكية ووزيرالدفاع المنتهية ولايته، جيمس ماتيس، ووزير الخارجية مايك بومبيو، ومن المتوقع أن يناقش المجلس في العام المقبل مشاريع قوانين أكثر صرامة تفرض عقوبات على أي شخص، بما في ذلك افراد العائلة المالكة، إذا كان لهم مسؤولية في جريمة قتل خاشقجي ووقف مبيعات الأسلحة للسعوديين.
من جهة أخرى، لا يُسمح للأجانب بالمساهمة في الحملات الفيدرالية أو لجان العمل السياسي أو احتفالات التنصيب في الولايات المتحدة، ولن يكون الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، مسؤولاً جنائياً إذا كان اولئك الذين يعملون معه قد أساءوا استخدام الأموال، ولكن إذا أتضح أن ترامب شخصياً كان متورطا في المخالفات فإن مسار “اللعبة” سيختلف تماما، وقد يؤدى إلى محاولة قانونية وتشريعية لإقالته من المنصب.
وقد تبدو هذه الإشارة بعيدة تماما عن ملف العلاقات الأمريكية-السعودية في فترة ما بعد جريمة خاشقجي ولكنها، في الواقع، دليل على أن كرة الثلج التي تتدحرج منذ الثاني من تشرين الأول/أكتوبر، اليوم الذي شهد القتل البشع للصحافي السعودي، جمال خاشقجي، في قنصلية بلاده في إسطنبول، قد بدأت في التضخم إلى حد ضخم في واشنطن لأن هذا الحدث المؤلم قد أثار الكثير من الغضب والسخط والتساؤل بين أوساط المشرعين بشأن اصرار ترامب على التستر على ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان وعدم معاقبة السعودية.
من خطأ طائش إلى خطأ خطير
وحددت التحقيقات الأجانب هنا بعدد من الأفراد الذين لديهم ارتباطات مباشرة مع السعودية والإمارات وإسرائيل، وهي الجهات الفاعلة التي يُعتقد أنها كانت تحاول التأثير على السياسة الأمريكية عبر الحملة الانتخابية لترامب إضافة إلى الروس الذين كان لديهم بالفعل رغبة في نجاح الرئيس الجمهوري.
وقالت مصادر قريبة من مكتب المحقق الخاص مولر إن حقيقة أن السعودية والإمارات لها علاقة بتبرعات محتملة في حملة ترامب هو استمرار لاتجاه مزعج، مع الإشارة إلى أن الولايات المتحدة لديها قوانين تمنع التدخل الأجنبي في الانتخابات وأن من الواضح وجود أكثر من طرف خارجي محتمل يقوم بالتواصل مع السياسة الأمريكية المحتملة.
ما حدث لجمل خاشقجي لا يوصف على يد نظام يقوده صانع القرار الرئيسي، محمد بن سلمان، وبالنسبة إلى الأمريكيين فإن الجانب المظلم والسلطوي من شخصية رجل حاول التظاهر بالحداثة والإصلاح مسألة لم تعد في حاجة للاكتشاف، ولذلك كان هناك اتفاق في واشنطن، باستثناء ترامب ورجاله، على إعادة ضبط العلاقة مع السعودية ووضع مفهوم للتعامل مع الرياض يقوم على أسس أخلاقية دون تجاهل للناحية الاستراتيجية والعملية، وبعبارة أخرى، قال العديد من المحللين الأمريكيين، ان جريمة قتل خاشقجي يجب أن لا تمر دون رد لان ذلك أمر لا يمكن ببساطة قبوله، تماما مثل موضوع السيادة.
ولاحظ المحللون سلسلة من الحسابات الخاطئة والإجراءات المتهورة من قبل السعودية في السنوات الأخيرة، وكثير منها يرتبط بخبرة محمد بن سلمان، وقالوا إن سعي الولايات المتحدة إلى تعزيز الاستقرار والحفاظ على الوضع الراهن لا يمكن فعله بتكتيكات مزعزعة للاستقرار، كما تبرز صعوبات في التعامل مع السياسة الخارجية السعودية التي تحولت من خطأ طائش إلى خطأ خطير.
ترامب يريد من السعودية مساعدته في مواجهة إيران، ولكن التصرفات الأخيرة لولي العهد تهدد هذا التحالف وسط تصاعد المطالبة بإعادة تقييم هذه العلاقة، وفي الواقع، تجاهل ترامب حقيقة معيبة في الكونغرس ولكنها مهمة للغاية لكي يدرك حجم المعارضة لعلاقته مع الرياض، حيث كان رد الكونغرس على مقتل خاشقجي غير طبيعي. وفي نهاية المطاف لم يكن للكونغرس أي اهتمام خاص بمصير الصحافيين في جميع أنحاء العالم، وتم تأجيل موضوع الحريات إلى الإدارات المتعاقبة التي بررت “العلاقات الاستراتيجية” مع الحلفاء البغيضين لأسباب تتعلق بالأمن القومي، وعندما يتعلق الأمر بتجاوزات السعودية في اليمن، فقد كان عدد قليل من المشرعين يهتمون باليمن ولكن طيش بن سلمان وصل إلى حد يستدعي استجابة غير طبيعية.
ولم يتفق الكونغرس، المنقسم دائما، على قضية واحدة مثلما حدث بشأن الرد على جريمة خاشقجي ومعاقبة بن سلمان والسعودية حيث ظهر اجماع بين الديمقراطيين والجمهوريين على وقف الدعم الأمريكي للسعودية أما فيما يتعلق بسياسة ترامب تجاه السعودية فقد كان من الواضح ان السياسة الخارجية للرئيس الأمريكي ستعتمد على السعودية، وهي الضغط على إيران ومحاولة حملها على إعادة التفاوض حول صفقة نووية وتنفيذ خطة السلام المزعومة التي تهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية والمساعدة في برامج مكافحة الارهاب.
تستخدم السعودية 28 شركة للعلاقات العامة في واشنطن للدفاع عن مصالحها كما أن الروابط المالية مع المؤسسات الفكرية الأمريكية وصلت إلى مرحلة مزعجة، وللمفارقة، أصبح النظام السعودي يحظى بتأييد اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة ولكن ذلك، كله، لن يوقف كرة الثلج التي تتدحرج بقوة، نحو بن سلمان وترامب للتأكد من أنهم لن يفلتوا من العقاب، وكما قال العديد من المراقبين، القضية تتجاوز خداع الناس أو حماية ولي العهد من اللوم والمسؤولية عن الجريمة البشعة.