تصريح السفير الأمريكي الأخير في أنقرة لم يكن مفاجأ بقدر ما يفترض أن يكون جرس إنذار لإقليم كردستان لأدراك ما يمكن إدراكه من بعض الإخفاقات التي وقع فيها ومراجعة النهج السياسي والاقتصادي الذي ظل عاكفا عليهما خلال العقدين الماضيين. فقد دعى السفير الأمريكي تركيا إلى تحسين علاقتها مع بغداد مشيرا إلى أن علاقة أنقرة مع إقليم كردستان العراق لا يجب أن تكون على حساب علاقتها مع بغداد لان (والكلام للسفير الأمريكي) تغير اتجاه ضخ النفط والغاز العراقيين إلى مضيق هرمز بدلا من أنبوب جيهان التركي سيكبد تركيا والشركات الغربية والأمريكية خسائر اقتصادية هم في غنى عنها.التصريح الأمريكي هذا مبني على الرؤية الأمريكية للأمور في تحديد علاقاتها الخارجية حسب ما تقتضيه مصلحتها الاقتصادية ومن ثم السياسية، لذلك فيجب على الإقليم دراسة الأسس التي تجعل المصلحة الأمريكية والغربية تكون حيثما تكون المصلحة الكردية اعتمادا على المفهوم نفسه . ويبدو إن حكومة الإقليم لم تستطع جعل منطقة كردستان رقما صعبا في خريطة المنطقة السياسية والاقتصادية لحد الآن رغم كل العلاقات السياسية المتشابكة التي أقامتها مع دول العالم وكل الاستثمارات الأجنبية التي نجح الإقليم في اجتذابها وهي في المجمل استثمارات تركية ورؤوس أموال أمريكية تدير شركات غربية وعربية. وهكذا فان إعادة النظر في الاتجاهين السياسي والاقتصادي للإقليم هو أمر ضروري في المرحلة الراهنة والتي تمر فيها المنطقة بتغيرات جوهرية تفتح الباب واسعا أمام الإقليم لتحديد رؤى اقتصادية وسياسية جديدة. من أهم النقاط التي يجب على الإقليم الأخذ بها هي التمسك بسياسة الأعراف تجاه المحاور التي تتشكل في المنطقة خصوصا بين إيران وتركيا، فباعتبار الإقليم تكوين سياسي إداري ضمن عراق تحكمه أقلية شيعية يجعل من السهل عليه عدم الانضمام لأي من المحورين اللذان بدئا يتجذران في المنطقة، سواء كان المحور السني بقيادة تركيا وبعض الدول العربية أو المحور الشيعي بقيادة إيران والعراق، وعدم التوغل في اتخاذ مواقف معينة مع هذا الطرف أو ذاك إلا حسبما تقتضيه المصلحة القومية للكرد. فتحسين علاقات الكرد مع تركيا يجب أن لا يكون على حساب علاقتهم مع إيران والعكس صحيح بل يمكن استغلال العلاقة مع المحورين المذكورين لكسب نقاط سياسية مهمة . وكما تتخوف أمريكا من ارتماء نظام بغداد في الحضن الإيراني وتحاول إرضائه سياسيا فان الإقليم يستطيع أن يتحرك على نفس النسق وبمساحة اكبر من مساحة المناورة المسموحة للمالكي المقيد بأفكار عقائدية تمنعه من حرية المناورة المطلقة.أما من الناحية الاقتصادية فحكومة الإقليم ملزمة بمراجعة سياستها الاقتصادية لتحويل الاقتصاد الكردستاني من اقتصاد ريعي يعتمد على استثمارات تجارية أجنبية وعلى البتر ودولار إلى اقتصاد صناعي يسخر احتياطي النفط الموجود في كردستان لإنعاش الصناعة فيه . فكل الإغراءات التي قدمها الإقليم للشركات الأجنبية خصوصا التركية منها لم تنجح في جعل الاستثمارات هذه عامل ضغط عليها إلا بالقدر اليسير، ولم تربط الاستثمارات الأجنبية سياسة هذه الدول بسياسة الإقليم رغم الإغراءات الواسعة التي قدمها الإقليم لهذه الشركات من منطلقات سياسية بالطبع، فاخذ تجربة دبي بالكامل ومحاولة استنساخها في الإقليم لم تعط مردودات ايجابية كبيرة لوجود عوامل كثيرة تمنع هكذا نجاح سواء ما يتعلق بالموقع الجغرافي لكردستان أو في علاقة الإقليم مع المركز الذي يعرقل أي توجه اقتصادي يصب في صالح كردستان وهذا عكس ما هو موجود في تجربة دبي، إضافة إلى السلبيات التي ظهرت في تجربة دبي نفسها وما تعانيه دبي حاليا من مشاكل حقيقية في هذا المجال. أما من ناحية الثروة النفطية في الإقليم فيجب علينا إدراك أن احتياطي النفط في الإقليم لا يمكن مقارنته بما هو موجود لدى المركز ولا يمكن استخدام ورقة النفط كورقة رابحة للإقليم على حساب المركز، وأي منافسة حقيقية مع المركز في مجال الاستثمارات النفطية ستكون تبعاتها على الإقليم وليس على المركز وخير دليل على ذلك هو انسحاب الشركة التركية قبل أيام من شراء النفط الكردستاني. وهكذا وللأسباب الأنفة الذكر فعلى الإقليم البحث عن خطط اقتصادية جديدة ذات أبعاد ستراتيجية طويلة الأمد تساعد على رفع وتيرة الاقتصاد لدرجة يصعب على المركز تداركه أو اللحاق به، وهذا لن يحصل إلا من خلال الاهتمام بالناحية الصناعية.إن الإقليم يجب أن لا يقع في نفس الخطأ الذي وقعت فيه الدول العربية المنتجة للنفط والتي اعتمدت وبشكل كامل على الاحتياطيات النفطية التي تمتلكها وعلى الاستثمارات التجارية التي لا يمكن الاعتماد عليها للنمو الاقتصادي الحقيقي لأي بلد. انس محمود الشيخ مظهر – كردستان العراق [email protected]