الطاهر الطويل
الشخصيات السياسية والحكومية والحزبية البارزة التي قامت بتكريم إدريس البصري غداة انتهاء مهامه وزيرا للداخلية بالمغرب قبل عدة سنوات، هي نفسها التي غابت عن تشييع جنازته في الرباط بحر الأسبوع الجاري.
رحل البصري إذن، ورحلت معه كثير من الأسرار والخبايا المتعلقة بتدبير شؤون الحكم في المغرب، وأيضا بالعلاقات الخفية التي كانت تنسج بين مؤسسات الدولة والأحزاب بيمينها ويسارها.
لم يكن الراحل مجرد وزير للداخلية فقط، وإنما كان شبيها بما كان يسمي في التاريخ السياسي العربي والإسلامي “الصدر الأعظم”، إذ امتد نفوذه إلي كل شيء تقريبا: الأمن، المخابرات، الانتخابات، الأحزاب، شؤون الصحراء، الإعلام… وحتي الرياضة والثقافة.
استطاع البصري أن يصل إلي مرتبة الذراع الأيمن للعاهل المغربي الراحل الحسن الثاني، وأن يكسب ثقته المطلقة، وهي حظوة قلما كانت تتيسر لأحد من رجال السياسة الكبار. وعلي غرار الملك الراحل، توفرت للبصري “كاريزما” من نوع خاص، فقد كان شخصا ذا هيبة، جلبت له أصدقاء كثرا، بالقدر الذي خلقت له أعداء لم يكن أغلبهم يجهر بعداوته خلال فترة سلطته، أو بالأحري تسلطه وجبروته، إذ كان يدير القضايا الأمنية الداخلية بقبضة من حديد، وصلت إلي درجة القمع والاعتقالات. وحينما أفل نجمه، وطار إلي الديار الفرنسية كمنفي اختياري، أصبحت السهام تتجه نحوه من كل حدب وصوب، لدرجة أن إحدي صحف أحزاب الأغلبية الحاكمة شبهته بـ”المومياء” وذلك تعليقا علي آخر صورة ظهر بها في الإعلام، كما سخرت الصحيفة نفسها من مرض البرص الذي انتشر في جسده.
عمل البصري علي استقطاب العديد من الأسماء إلي دائرة “المخزن” (مصطلح يطلق في المغرب علي السلطة بمفهومها التقليدي حيث تتقاطع عوامل السياسة والمال)، ولم يقتصر علي “صنع” أحزاب موالية وجعلها في خدمة النظام كـ”جوكيرات”، بل إنه كان يردد أنه استطاع التغلغل حتي داخل بعض الأحزاب المعارضة، وأنه توفر له في كل واحد منها تقريبا أنصار ومشايعون غير معلنين؛ مستعملا لهذا الغرض شتي الإغراءات المادية والمعنوية. استفاد البصري من موقعه الخاص في نظام يسود به منطق الريع، حيث توفرت له الكثير من الامتيازات والرخص، كان يمنحها للمقربين منه وكذا لمن يرغب في جعلهم بخدمة سدة الحكم. كما كان نفوذه بالعديد من مناطق المغرب مستمدا من أشخاص في مواقع مختلفة: عمال (محافظون)، برلمانيون، رؤساء مجالس بلدية وريفية، أرباب مقاولات اقتصادية كبري وغيرهم. واستقطب كذلك صحافيين من منابر متعددة. وأقنع الحسن الثاني ـ أواسط الثمانينات ـ بجعل الإعلام تحت سلطته الشخصية، فحمل البصري لقب ذي الوزارتين “الداخلية والإعلام” عقدا من الزمن. وخلال تلك الأوقات كان الإعلام العمومي، خاصة الإذاعة والتلفزيون، لا يقوم سوي علي الرأي الواحد والخطاب الواحد والموقف الواحد، متحدثا صباح مساء عن “مغرب النماء والازدهار”، لدرجة أن الإدارات التابعة لوزارة الداخلية في مختلف الأقاليم كانت تشرف علي سهرات أسبوعية ينقلها التلفزيون للتدليل علي “أجواء البهجة والفرح” التي تعيشها مختلف مناطق البلاد علي مدار السنة.
كان للبصري مقام لا يضاهي لدي الحسن الثاني، لدرجة أن هذا الأخير عندما عرض أوائل عقد التسعينات علي أحزاب المعارضة آنذاك (خاصة “الاستقلال” و”الاتحاد الاشتراكي” و”التقدم والاشتراكية”) المشاركة في الحكومة، أصر علي التمسك بوزارة الداخلية وعدم منحها لها. والمفارقة أن تلك الأحزاب التي رفضت العرض آنئذ، عادت لتقبله أواخر التسعينات في أول “حكومة تناوب” ترأسها عبد الرحمن اليوسفي، حيث بقي إدريس البصري وزيرا للداخلية عاما ونيف. وحتي عندما أزيح من منصبه، أقامت له الأحزاب ـ بما فيها تلك التي كانت تناصبه العداء التاريخي ـ حفل تكريم، جاء استجابة لمشيئة القصر، وقوبل بـ”شموع” الاحتجاج التي حملها حقوقيون أمام مكان حفل التكريم.
في منفاه الاختياري بباريس، كان البصري يبعث من خلال أحاديثه الصحفية إلي الحكم بالمغرب رسائل مشفرة وقابلة لأكثر من قراءة وتأويل، إدراكا منه أنه لا وجود لحبل الود بين الملك محمد السادس وبينه، فكان يكثر من الإشادة بعهد الحسن الثاني. بل إنه ـ في إطلالة له عبر قناة “الجزيرة” الفضائية ـ استفز الكثيرين حين استعمل كلمة “الصحراء الغربية” وليس “المغربية”، وبرر ذلك بأنه رجل قانون ولا يمكنه إلا استعمال المصطلح المتداول في القاموس السياسي الدولي؛ علما أنه كان نفسه خلال فترة الوزارة المحتكر الوحيد لملف الصحراء علي المستوي الداخلي، ويلجأ إلي قمع كل من يشكك في “مغربيتها”. عاش لفترة من الوقت في باريس بجواز سفر منتهي الصلاحية، لأن السفارة المغربية هناك كانت ترفض تمديد جوازه، بالنظر لحساسية الشخص والموقف. ورددت مصادر آنذاك أن شخصيات فرنسيا عليا من مراكز القرار تدخلت لدي محمد السادس من أجل إيجاد حل المشكلة. وما هي إلا أيام، حتي ظهر إدريس البصري في صور تناقلتها وكالات الأنباء مبتهجا ومبتسما ابتسامة عريضة، وهو يحمل بين يديه جواز سفر جديد. غير أنه لم يحقق مطلبه الذي ظل يردده دائما، أي أن يُسجَّل في الجواز محل المهنة: “وزير دولة”، حيث كُتب فقط: “أستاذ جامعي” (لأنه عمل أستاذا للقانون في جامعة محمد الخامس بالرباط). لعل البصري اقتنع آنذاك بما لا يدع مجالا للشك أن عهده انتهي، فاكتفي بالتلويح بورقة أخيرة: “سوف أنشر مذكراتي قريبا”. وكان حكم القدر أسرع. 8