لندن –«القدس العربي»: ينطلق كرنفال نوتينغ هيل في شوارع غرب لندن مرة واحدة كل عام، ويعد هذا الكرنفال أكبر كرنفالات الشوارع في أوروبا، وثاني أكبر كرنفال في العالم بعد مهرجان ريودي جانيرو في البرازيل، إذ يستقطب «نوتينغ هيل» سنوياً أكثر من مليوني زائر، بحسب الإحصاء الرسمي البريطاني. وقد تصادف الكرنفال هذا العام مع موجة حر سيطرت على أجواء العاصمة لندن طوال يومي الكرنفال، لذا كانت عطلة نهاية أسبوع ساخنة، وأضافت لها أجواء الكرنفال سخونة.
بدأ كرنفال نوتينغ هيل في ستينيات القرن الماضي، وكانت بدايته تظاهرة احتجاج ضد العنصرية التي تعرض لها المهاجرون السود من جزر الكاريبي في المنطقة، إويذكر بعض المؤرخين المعاصرين أن منطقة نوتينغ هيل لم تكن منطقة «راقية» كما نراها اليوم، بل كانت حتى منتصف الثمانينيات، حيّاً منهكاً وفقيراً وسكناً تجمع فيه عدد كبير من المهاجرين القادمين من منطقة الكاريبي. لذا كانت التوترات بالحي قد وصلت لذروتها خلال الاضطرابات العرقية والشغب الذي حصل في آب/أغسطس عام 1958، بتحريض من جماعة «تيدي بويز»، وهي جماعة من البيض من الطبقة العاملة، ممن كانوا يعارضون تدفق المهاجرين الكاريبين المنافسين لهم في سوق العمل الذي كان متعثراً بسبب تبعات الحرب العالمية الثانية. وقد اندلعت في حي الكاريبيين الشرارة الأولى للتظاهرات، وذلك حين وصلت حافلات محملة بعنصريين بيض اعتدوا على بيوت السكان المهاجرين.
بداية متواضعة
في عام 1959، بدأ المهرجان بداية متواضعة في قاعة «سانت بانكراس»، وكانت كلوديا جونز، وهي مهاجرة من ترينداد، صاحبة رؤية ودعت لإقامة احتفالية مختلطة لترميم الاختلافات الثقافية والاحتفال بالتنوع. وكانت الاحتفالية الأولى في مكان مغلق، وتميزت بالموسيقى الكاريبية، واعتبرت نجاحاً كبيراً، على الرغم من أن من حضروا كانوا من ذوي طبائع متفرقة. لكن وبعد مرور بضعة سنوات، في عام 1964 انتقل المهرجان إلى الشارع، ليتحول بعدها إلى احتفال صاخب يشارك فيه الناس من كل الأعمار والأعراق والفئات الاجتماعية، وعلى مدى يومين، وعادة ما تشمل فعاليات الكرنفال سير شاحنات عملاقة تسير في الشوارع المخصصة للكرنفال ببطء وهي تحمل مكبرات ضخمة للصوت وفرقاً موسيقية حية، ويسير خلفها مجاميع المشاركين وهم يرتدون الملابس الملونة والغريبة.
يقام كرنفال نوتينغ هيل في آخر عطلة نهاية أسبوع وعطلة البنوك في شهر آب/أغسطس، وهذا العام أقيم الكرنفال يومي الأحد 25 والإثنين 26 آب/أغسطس. انطلقت الاحتفالات رسمياً حوالي الساعة العاشرة صباحاً في هذين اليومين، وظلت الموسيقى مشتعلة حتى المساء، إذ تتوقف الضوضاء بسبب حظر التجوال الصارم مساءً.
ثلاثة أميال
يقام هذا المهرجان عادة في غرب لندن في منطقة نوتينج هيل، ويمتد عبر لادبروك جروف، وويست بورن بارك، ويبلغ طول الشارع الذي يقام فيه الكرنفال حوالي ثلاثة أميال ونصف الميل، وقد أطلق هذا العام تطبيق «نوتينغ هيل كرنفال» سهل الاستخدام، والمتاح على أجهزة آبل وأندرويد؛ ليمكن الراغبين من تتبع مواقع الكرنفال والتعريف بالأنشطة وتسهيل الوصول لها . وقد أصبح من العرف في هذا الكرنفال أن يكون اليوم الأول منه، وهو يوم الأحد، مخصصاً للعوائل، لذا فهو أكثر استرخاءً وفيه العديد من الأنشطة المخصصة للأطفال وأمتعتهم. أما اليوم الثاني، الإثنين، فيخصص للشباب من محبي الموسيقى الصاخبة وما يصاحبها من رقصات مختلفة.
وبالرغم من أن الكرنفال يبدأ رسمياً يوم الأحد، إلا أن النشاطات انطلقت مساء يوم السبت في بانوراما مسابقة الطبول المعدنية الشهيرة، يوم السبت في الساعة السابعة مساءً، إذ تم استضافة أفضل فرق الطبول من جميع أنحاء بريطانيا، في متنزه إملي هورليمان الترفيهي على طريق بوزورث، لكنها ليست دعوة مفتوحة للجميع، بل دعوة مغلقة يتم دخولها بتذاكر تباع عبر منافذ بيع مخصصة لهذا النشاط .
أما الأحد، فانطلقت المراسيم بالافتتاحية، التي تعد سراً من أسرار الكرنفال، إنه العرض الأول في عطلة نهاية الأسبوع، الذي بدأ من الساعة السادسة صباحاً وانتهى في حوالي الساعة التاسعة صباحاً. وانطلق بعده حفل الافتتاح الرسمي الساعة العاشرة صباحاً، قبل أن يبدأ عرض الأطفال (دوتي ماس) للبالغين في الساعة العاشرة والنصف صباحاً والذي تضمن بدء فعاليات المحتفلين برقصاتهم وهم يرتدون أزياءهم الاحتفالية بألوانها المبهرة، وقد استمر الكرنفال حتى حوالي الساعة الثامنة والنصف مساءً. وقدمت في اليوم الأول للكرنفال فعاليات متعددة ومتنوعة منها «كاليبسو» و»سوكا» من جمعية «كاليبسونيانس» البريطانية، إضافة إلى مزيج من موسيقى الراب والموسيقى الكاريبية المصحوبة بالرقصات .
أما اليوم الثاني، الإثنين 26 آب/أغسطس، فهو يوم موسيقى الهارد روك وموسيقى الجاز والهيب هوب وغيرها، بامتياز. واستمرت العروض طوال اليوم، لذا على المتفرج أن يختار مكاناً على طول الشارع إذا كانت خطته التمتع بالفرجة فقط، أو عليه التأكد من الوصول مبكراً والبحث عن المسار الذي يحب أن يسير فيه للتمتع بكل فعاليات المهرجان. فهناك كثير من أنظمة الصوت المنتشرة الموزعة في الشوارع حيث يتواجد معظم الراقصات والراقصين الذين قدموا فعالياتهم على أنغام الموسيقى الحية طوال اليوم، من الساعة 12 ظهراً وحتى الساعة 7 مساءً، في كل من حديقة بليزانس في متنزه إيملي هورمان وميدان بويس. وهذه السنة وهي السنة الثالثة على التوالي، يشهد الكرنفال دقيقة صمت في تمام الساعة الثالثة عصراً يقف فيها المحتفلون يومي الكرنفال، استذكاراً لضحايا حريق برج جرينفيل في لندن القريب من موقع الكرنفال.
ومن المميزات التي يشهدها كرنفال نوتينغ هيل المأكولات المنوعة من مختلف مطابخ العالم، وبشكل خاص الأكل الكاريبي المميز بطعمه الحاد واللاذع وتوابله المميزة والفريدة، إضافة إلى المشروبات المتنوعة، سواء الكحولية أو تلك الباردة، فهنالك عشرات الأكشاك والبسطات التي تقدم أطباقاً لذيذة ومنوعة وغريبة وبأسعار مناسبة للمحتفلين، وقد أضيفت في السنوات الأخيرة إلى أجواء المهرجان أكلات من مطابخ الشعوب الأخرى، مثل الأكل الآسيوي والإفريقي والشرق أوسطي، لتضفى لمسات من التنوع العالمي على أجواء الكرنفال .
وبالرغم من الضغط الأمني والخدمي الذي يقع على كاهل مؤسسات خدمات حي نوتينغ هيل، فإن الكرنفال بأعداد زواره الغفيرة يحتاج إلى قدرات عالية من التنظيم وضبط الأمن، ما يستدعي في كل عام توفير الآلاف من رجال الشرطة لحفظ الأمن ومنع الاعتداءات والجرائم، إضافة إلى الحاجة الكبيرة إلى توفير خدمات التنظيف والطوارئ لخدمة المحتفلين. لكن من جانب آخر، ووفقاً لوكالة التنمية في لندن، فإن الكرنفال يلعب دوراً اقتصادياً كبيراً، إذ يسهم في دعم الاقتصاد البريطاني بعشرات الملايين من الجنيهات الاسترلينية سنوياً، وينفق الزوار والسائحون في المهرجان عشرات الملايين من الجنيهات في شراء الطعام والشراب الذي يضم 250 موقعاً تجارياً مرخصاً له بالعمل، كما يشكل كرنفال نوتينغ هيل انتعاشاً اقتصادياً لمنتجي الموسيقى ومصممي الملابس والتجار والشركات الأمنية.