يشارك فيه 16 فنانا عربيا واجنبيا:
الإسكندرية ـ من دعاء قنديل: منذ آلاف السنين ومدينة الإسكندرية موطن للعلاقة التواشجية بين الفن والإنسان والثقافة التي تظهر في فاعلية شديدة التفاني والعطاء، وعلى الرغم من اختلاف منهجية هذه الثلاثية فإن العلاقة الديناميكية القائمة بينها أثرت في تاريخ هذه الأرض بإبداعات متفردة ميزتها عن سائر بلدان العالم، فعلى مر العصور كانت الإسكندرية مدينة متحفية تضم آثار الغابرين الذين عمروها من الفراعنة والإغريق والرومان أو العرب وبقي منها ما بقي من تلك التي استطاعت مقاومة التفاعلية الزمنية والبيئية بكل تقلباتها. والجدير بالذكر ان ثلاثية الفن والثقافة والإنسان تعد الركيزة الأساسية لقيام أي حضارة وتقاس قوة الحضارة من وهنها بمدى تفاعلية كل منها مع الآخر.
وقد ظهر ذلك جليا في عهد الاسكندر الأكبر وأتباعه حيث ظهرت فكرة إنشاء مكتبة الإسكندرية وجعل الإسكندرية منارة للعلم والفن والثقافة.
وترجع شهرة مكتبة الإسكندرية القديمة الى أنها أقدم مكتبة حكومية عامة في العالم القديم وليس لأنها أول مكتبات العالم، فمكتبات المعابد الفرعونية كانت معروفة عند قدماء المصريين ولكنها كانت خاصة بالكهنة فقط والبطالمة أنفسهم والذين أسسوها كانوا يعرفون المكتبات جيدا كما ترجع عظمتها أيضا الى أنها حوت كتب الحضارتين الفرعونية والإغريقية وعلومهما وبها حدث التمازج العلمي والالتقاء الثقافي الفكري بين علوم الشرق وعلوم الغرب فهي نموذج للعولمة الثقافية القديمة التي أنتجت الحضارة الهلينستية حيث تزاوجت الفرعونية والإغريقية. وتستمد عظمتها أيضا من عظمة القائمين، عليها حيث فرض على كل عالم يدرس فيها أن يودع بها نسخة من مؤلفاته، ولأنها أيضا كانت في معقل العلم ومعقل البردي وأدوات الكتابة حيث جمع بها ما كان في مكتبات المعابد المصرية وما حوت من علم أولا، وأخيرا وليس آخرا استمدت عظمتها أيضا من تحرر علمائها من تابعية السياسة والدين والجنس والعرق والتفرقة، فالعلم فيها كان من أجل البشرية والعالم الزائر لها أو الدارس فيها لا يسأل إلا عن علمه لا عن دينه ولا عن قوميته.
وظلت المكتبة تحمل هذا المفهوم على عاتقها إلى الآن رغم ما مر عليها من تقلبات تاريخية وسياسية وعوامل هدم وبناء، فهي ما زالت مظلة لنشر الفكر والثقافة والفن ليس لأفراد المجتمع فحسب بل للعالم اجمع.
ونعايش الان أحد انجازات المكتبة ومشاريعها الدائمة والتي تقام سنويا منذ عام 2005 بصفة دورية، وهو سمبوزيوم الاسكندرية الدولي للنحت في الخامات الطبيعية والذي يقام سنويا باستخدام خامات مختلفة كل عام. وقد بدأ عام 2006 بمشاركة 21 فنانا من 3 دول مختلفة، وكان الرخام محورا لسمبوزيوم 2007 والذي جمع 31 فنانا من 3 دول. وفي سمبوزيوم 2008 استخدم 51 فنانا من 5 دول الخشب للنحت. أما سمبوزيوم 2009 فقد عكف فيه 22 فنانا من 6 دول على النحت بالموزاييك وأنتجوا 32 عملا فنيا. وأسفرت الدورات الأربع من السمبوزيوم عن إنتاج 36 عملا فنيا تعرض في أرجاء مكتبة الإسكندرية. وفي الموسم المقبل سيتم استخدام خامة الحديد وقد اختيرت في هذه الدورة خامة الزجاج ليبدع منها الفنانون المشاركون أعمالهم هذا العام.
يرجع تاريخ استخدام خامة الزجاج في التشكيل إلى عام 1500 قبل الميلاد ويعتبر الصناع الآسيويون أول من أرسى صناعة الزجاج، ومنهم انتقلت الصناعة إلى مصر حيث ترجع أول آنية زجاجية إلى حكم تحتمس الثالث ( 1504- 1450 قبل الميلاد). وقد ظلت صناعة الزجاج منتعشة في مصر حتى حوالي عام 1200 قبل الميلاد ثم توقفت فعليا لعدة قرون من الزمان. وفي القرن التاسع قبل الميلاد، ظهرت كل من سورية والعراق كمراكز لصناعة الزجاج، وامتدت الصناعة عبر منطقة البحر المتوسط. وفي العصر الإغريقي، اضطلعت مصر بدور رئيسي في تزويد القصور الملكية بالزجاج الفخم حيث كان يصنع في الإسكندرية.
ويشارك في هذا السمبوزيوم 16 فنانا من مصر واليونان وإيطاليا وقبرص وجمهورية التشيك وقد سبقتها ورشة عمل لمدة 51 يوما يجتمع فيها فنانون من دول مختلفة لإنتاج أعمال فنية وإبداعات تثري الثقافة البصرية لدى محبي ومتذوقي الفن، وتعد فرصة جيدة للتعرف على الهوية التشكيلية لكل بلد من البلدان المشاركة، كما يتيح هذا التجمع فرصة التبادل الثقافي والفني وتبادل الخبرات والتجارب بوصفه نقطة لقاء وحوار على الصعيدين النظري والعملي حيث يسمح بالاطلاع على كل جديد في الفن وخلق مساحة لفكر جديد وحداثي ينبت على ارض خصبة سمادها الفن وأساسها العلاقات الإنسانية البحتة والتي تترك أثرها واضحا في الحراك الثقافي العام وتجارب الفنانين المشاركين بشكل خاص.
ولا يعد السمبوزيوم مجرد معرض لعرض الأعمال الفنية بقدر كونه منظومة فكرية وإبداعية تتيح الحوار التفاعلي بين الثقافات والخبرات المختلفة.
وفي ليل الإسكندرية قدمت الفنانة غادة جلال من مصر عملها المجسم ‘ليل الإسكندرية’، وفي ليل الإسكندرية أضاء لنا ‘قمر’ للفنان كوستاس فاروتسوس من اليونان مهداة إلى الشاعر كـفـافيس ولمع في الليل نفسه ‘نجم’ للفنانة كلارا هوراتشكوفا، وقد رأى الفنان جوزيف ماريك من التشيك الليل والنجم والقمر في ‘فضاء مقلوب’، إلا أن الفنانة عزيزة فهمي من مصر رأت الإسكندرية وليلها ‘ مشرقة دائما’ كعادتها، كما قدم الفنان وليد أنسي ‘ حوار’ في ليل الإسكندرية بين بحرها وسمائها وقد جسدها ألساندرو ماندروتدزاتو من إيطاليا في ‘عناق’ طويل تحول في عمل يسمينا حيدر من مصر إلى ‘إعصار’. أما عن سماء الإسكندرية التي بهر بها كل من الدكتور جابر حجازي ‘الصعود إلى السماء’ الذي زاوج فيه بين خامتي الحجر والزجاج والمعدن وتغلب على العمل الخطوط المستقيمة والحادة ويكسرها بوضعه لكرتين من المعدن مختلفتين في الحجم في قمة الأعمدة الزجاجية التي تحتضنها كتلة من الحجر، والفنانة حورية السيد قدمت لنا ‘الذهاب إلى السماء’ في فكر وتنفيذ غاية في الرشاقة والإبداع أما الفنان سعيد بدر فأرسل لنا من خلال عملين ‘رسائل من التاريخ’ وهي رسائل تحمل عبق البحر ونسيم الإسكندرية، وتحمل موتيفات هذا الفنان التي أصبحت لصيقة به تميزه ويميزها، والفنانة عايدة عبد الكريم قدمت لنا أيضا عملين الأول ‘الإنسان ـ والزمان ـ والمكان’ والثاني ‘الجعران والأرض’. كما قدم الفنان عبد السلام عيد ‘عملا مركبا من الزجاج’ ومحمد سالم ‘بدون عنوان’ ومن قبرص مالفينا ميدلتون’ هرم طائر’. أما بطرس غالي من مصر فقدم لنا عملا بعنوان ‘استهلاك’ يتكون من ثلاثة ألواح زجاجية سوداء على شكل بارافان ونفذ عليها تصميمه ويدور حول فكرة الاستهلاك فوضع أشكالا ً على هيئة زجاجات وأكياس ودوائر في علاقة عضوية متناسقة ويغلب على التصميم ألوان الزيتي والبرتقالي والأصفر.
وفي هذه الدورة التي قدم فيها الفنانون أعمالا ثلاثية الأبعاد وسيطها الزجاج والضوء واللون يعد أول ملتقى من نوعه في مصر الحديثة يقام على فكرة استخدام الخامات الطبيعية.
وقد عكست تجارب الفنانين المقدمة مدى التطور السريع في الرؤى التشكيلية والتقنيات المستخدمة في إبراز فكرة السمبوزيوم والوصول الى أعلى مستوى من الإبداع في خامة الزجاجوقد سبقت السمبوزيوم ورشة عمل لمدة 51 يوما وعاون الفنانين المشاركين في السمبوزيوم فنانون شباب تواقون للتعلم والمشاركة في مثل هذه المحافل وكانت هذه المشاركة بمثابة فرصة جيدة لهم لاكتساب الخبرات والتشبع البصري والمعرفي والمهاري من هؤلاء الفنانين، كما سادت روح الصداقة والمحبة بين الفنانين بعضهم مع البعض وبين الفنانين ومعاونيهم من الشباب متخطين بذلك كل المسافات العمرية والمكانية الفاصلة بينهم وظهر هذا الشعور بالود والحميمية في أعمال الفنانين التي أبدعوها.
ويقام بالتوازي مع السمبوزيوم معرض ‘ الفنان المقيم’ والذي يشارك فيه 7 فنانين من مصر أحمد عبد الوهاب وسعيد حداية وعصمت داوستاشي وفاروق وهبة ومحمد سالم ومدحت نصر فضلا عن جوستاف سبار من السويد. حيث يستضيف المشروع الفنانين لمدة شهر لمعايشة مدينة الإسكندرية ومتابعة فعاليات المكتبة في شتى مجالات الفكر والإبداع، لتصبح مصدرا جديدا لخياله الإبداعي ومثيرا محركا للحوار والتفاعل الفني، ويعرض هؤلاء الفنانون أعمالهم في مجالات النحت والتصوير والغرافيك والموزاييك والأعمال المركبة.
فضلا عن معرض ‘أول مرة’ الذي يتبناه مركز الفنون بالمكتبة ليصبح مضمارا لاكتشاف فناني المستقبل لتغذية الحركة الفنية بطاقات متجددة وليقدم لتلك المواهب الواعدة المساندة اللازمة لارتقاء سلم الإبداع. ويشارك فيه هذا العام 21 فنانا وفنانة.
ومن المكرمين هذا العام الفنانون أحمد الشناوي وباسم عبد الجليل وتامر رجب وخالد جلال وعادل مصطفى وعمر الكفراوي وكريم حلمي ومحمد المصري ومحمد بنوي ومحمد صبري ومحمد عطية ومروة الشاذلي ووفاء يحيى.
وقد استقرت هذه الأعمال على ارض مكتبة الإسكندرية في ساحة الحضارات والتي ستظل شاهدا أصيلا على من مروا من هنا وتركوا في ذاكرة المكان بصمة لن تمحى[email protected]